الهند إسرائيل

 

 

بقلم : واصف عواضة 

 

 

يصعب كثيرا على جيلنا أن يفهم، أو يتفهم، هذه العلاقة <<غير المنطقية>> بين الهند واسرائيل.

ماذا يجمع مثلا بين <<هند المهاتما غاندي>> و<<اسرائيل آرييل شارون>>؟

الأول كان يرتعد من اللون الأحمر، لأنه لون الدماء، والثاني لا يقوى على العيش من دون دماء.

قامت نظرية غاندي وأيديولوجيته في الأساس على اللاعنف.. والعنف هو نظرية وأيديولوجية آرييل شارون. ومع ذلك يلقى شمعون بيريز وزير خارجية اسرائيل، استقبالا لائقا في نيودلهي، ويتعانق <<الساري الهندي>> مع <<القلنسوة الاسرائيلية>>، برعاية مصمم الموضة الأميركية الجديدة التي أطلق عليها اسم <<مكافحة الارهاب>> (ربما هذا ما دفع المصمم الفرنسي الشهير إيف سان لوران الى اعتزال المهنة).

وعود على بدء..

إن جيلنا يعرف الهند أنها <<بلاد غاندي>>، وكذلك بلاد نهرو الذي ارتبط اسمه بصداقة العرب وعبد الناصر، فكانت حركة عدم الانحياز تقوم على ثلاثة ركائز: الهند ورمزها الكبير جواهر لال نهرو، ومصر ورمزها الكبير جمال عبد الناصر، ويوغسلافيا ورمزها الكبير جوزف بروز تيتو، فضلا عن رموز أخرى وكبرى لا يستهان بها. وكانت اسرائيل والصهيونية، واحدة من أكبر الرموز التي قامت على خصومتها حركة عدم الانحياز، باعتبارها رمزا استعماريا احتلاليا عنصريا.

هكذا عرف جيلنا الهند. وهكذا لا يستطيع أن يتفهم جيلنا اليوم العلاقة المستجدة بين الهند واسرائيل. إذ كيف يمكن لبلاد غاندي، أن تشتري ستة ملايين يهودي، ب 250 مليون عربي، وأكثر من مليار وربع المليار مسلم، بمثل هذا الثمن البخس؟

عفوا..

الجواب أكثر من طبيعي.. فجيلنا كما يبدو ما يزال غارقا في الأحلام. فهو ينسى أو يتناسى أن غاندي قد مات، وكذلك نهرو وعبد الناصر وتيتو. وان حركة عدم الانحياز لم تعد موجودة، حتى بالاسم. وان مصر تقيم علاقات دبلوماسية وصلحا مع اسرائيل. وان يوغسلافيا أصبحت خمس دول، إن لم يكن أكثر. وان 150 مليون عربي عاجزون عن الاحتفاظ بصداقاتهم بعد أن فرقتهم السبل. وان مليارا وربع المليار مسلم لا حول لهم ولا طول حتى في حماية مقدساتهم. وكل هؤلاء عاجزون عن تأمين أبسط حقوق الشعب الفلسطيني، وهو حقه في الحياة.

وبالنتيجة، نسي جيلنا أو تناسى، أن العالم قد تغير.. وتغير كثيرا، ولم يعد فيه مطرح لأحلام العذارى.

ومع ذلك، يصعب على جيلنا أن يتفهم هذه العلاقة غير المنطقية بين الهند واسرائيل.

ربما لأن جيلنا لا يريد أن يصدق أن غاندي قد مات.