أميركا والحياد المستحيل

 

 

بقلم : ياسين سويد 

        كاتب لبناني، لواء ركن متقاعد

 

لا شك في ان الرئيس الاميركي الحالي الذي ايدته غالبية العرب الاميركيين، والذي امل العديد من القادة والساسة العرب، بل وغالبية الجمهور العربي، في ان يكون اكثر عدالة ممن سبقه من رؤساء الولايات المتحدة تجاه القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين، قد اثبت عكس ذلك، مما اصابهم، جميعا، بالإحباط، وبالخيبة المريرة.

والحقيقة ان ما نراه من انحياز الادارة الاميركية الحالية لاسرائيل، خصوصا بعد احداث 11 ايلول، فاق كل التصورات، فكيف يمكن تفسير ذلك؟

للمرة الاولى في تاريخ الانتخابات الرئاسية، في الولايات المتحدة، تتعسر ولادة الرئيس المنتخب، وتظل النتائج في ثلاجة الجدل والأخذ والرد واحتساب الاصوات باليد، ما يقارب اربعين يوما، الى ان أفرج عنها لصالح بوش المرشح الذي ما ان تبوأ سدة الرئاسة حتى فاجأ العرب، حكاما وشعوبا، وكذلك العرب الاميركيين، بسيره في الاتجاه المعاكس، تماما، لما كانوا يأملون به. ويبدو ان <<مساومة ما>> جرت بين هذا الرئيس وبين اللوبي اليهودي خلال فرز الاصوات، وكان <<تغيير الاتجاه>> الثمن المطلوب للإفراج عن النتيجة لصالحه. وهكذا كان على <<بوش>> ان يسدد <<الفاتورة>> للوبي اليهودي، فإذا به يمارس، في انحيازه لاسرائيل، اشد انواع القهر والظلم والتجني ضد الشعب الفلسطيني.

لقد خرج بوش الأب في <<حملة>> جمعت معظم دول العالم، بما فيها الدول العربية، في تحالف لم يستمر اكثر من ايام الحرب على العراق، وبعدها <<افرنقعت>> تلك الدول، <<وفرط>> التحالف، كي تبقى الولايات المتحدة، لوحدها، تحرس نفط الخليج، بل تغتصبه.

وتقديرا لإخلاص العرب وصدق ودهم للحليف الكبير، قام بوش (الأب) قائد ذلك التحالف، بتدبير <<مؤتمر مدريد>>، فأخذ العرب اليه <<فرادى>> غير مجتمعين، كما اصرت اسرائيل، وخرج المؤتمر بشعار رضي به العرب، ولا يزال الى اليوم، على رغم مرور احد عشر عاما عليه وثمانية اعوام على <<أوسلو>>، حبرا على ورق، وهو شعار <<الارض مقابل السلام>>.

يعرف الرئيس بوش الابن كل ذلك، ويعرف ان اسرائيل لا تزال تحتل، منذ اربعة وثلاثين عاما، وبعد مرور اعوام على مدريد وأوسلو، الاراضي الفلسطينية التي اتفق على ان تشكل <<دولة فلسطين>> العتيدة، وفقا لاتفاقات عدة بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وقبل كل ذلك، وفقا للقرارين 242 و338 الصادرين عن مجلس الامن، وبموافقة اميركية. ويعرف كذلك ان قرارات مجلس الامن تنفذ اما بالطرق السلمية، وفقا للفصل السادس من ميثاق الامم المتحدة، او بالقوة العسكرية وفقا للفصل السابع من هذا الميثاق، ولا يجهل ان والده، الرئيس الأسبق، طبق الفصل السابع على كل من يوغوسلافيا والعراق، ولم يفكر اطلاقا في تطبيق هذا الفصل على اسرائيل، كما لم يفعل ذلك من سبقه، ومن تلاه، من الرؤساء الاميركيين. فإسرائيل، في نظر اميركا، وبالتالي في نظر مجلس الأمن (الذي اضحى احد مكاتب الخارجية الاميركية) هي <<الدولة الأكثر رعاية>>، والتي لا تطبق عليها القوانين الدولية، ولا تجبر على تطبيقها.

ولأن اسرائيل، دولة محتلة، ومقاومة احتلالها حق، بل واجب، وذلك ما تعترف به القوانين الدولية كافة بل وأميركا نفسها، قاوم الفلسطيني جيش الاحتلال الاسرائيلي بالحجارة اولا، ثم بالرصاص، وأخيرا بتفجير نفسه، وبهذا هو مقاوم وليس ارهابيا. وهو ان مارس مقاومته على مدنيين <<ابرياء>>، كما يصفهم بوش، فلأن هؤلاء <<الابرياء>> (هم او آباؤهم) محتلون لأرضه ودياره منذ عام 1948، ثم لأرضه ودياره منذ عام 1967، وقد اتوا من كل انحاء الدنيا، وتخلوا عن اوطانهم الأصلية ليحتلوا وطنا ليس لهم، ولم يعرفوه اطلاقا، فطردوا الفلسطيني من وطنه، ليعيش شريدا لاجئا طوال نصف قرن من الزمن، بينما ينعم من لا حق له بما ليس له. أوَليس هذا، تماما، ما جرى في فلسطين؟.

او لم يخطر ببال بوش وغيره من المعترضين على العمليات الاستشهادية ان يتساءلوا عن الأسباب التي تدفع بهؤلاء الشباب الى التضحية بأنفسهم لإكراه اعدائهم المحتلين على الجلاء عن ارضهم، وإكراه المستوطنين على العودة من حيث اتوا؟

كيف استطاع بوش وباول وغيرهما من المسؤولين الاميركيين، وكذلك الكونغرس الاميركي والاتحاد الاوروبي (الذي انحاز، مؤخرا، الى اسرائيل، بضغط من اميركا)، ان يقنع كل منهم نفسه بأن مقاومة الفلسطيني الأعزل لمن يحتل ارضه ويقتل اهله، ارهابا، وان عمل المحتل المدجج بالسلاح، والذي يمارس هواية قتل الابرياء والعزل، دفاعا عن النفس؟

وبعد، اما آن للقادة والزعماء العرب ان يقتنعوا بأن بين الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل <<صلة رحم>> يستحيل ان تنقطع، وان حياد اي رئيس اميركي، وأية ادارة اميركية، في كل ما يختص باسرائيل، مستحيل؟

الكل يعلم ان شارون لا يرغب بالسلام، اي سلام، مع الفلسطينيين، ولذلك، فهو وضع شروطا تعجيزية للبدء بالمفاوضات معهم، وفي نيته ان يسقط السلطة الفلسطينية ويقضي على الانتفاضة، ويكرس احتلاله للضفة الغربية والقدس الشرقية، على ان يحشر من تبقى من الفلسطينيين وسلطتهم في قطاع غزة حيث يقوم <<كانتون>> فلسطيني لا حول له ولا قوة.

ولتنفيذ هذا المخطط، استمر في اغتيال القادة الفلسطينيين، واقتحام القرى والبلدات الفلسطينية.

وبدلا من ان تقف الادارة الاميركية ضد مخطط شارون هذا، شاركته في تبنيه واعتماده، فاعتبرت المنظمات الفلسطينية المقاومة حركات ارهابية، وفرضت على عرفات اعتقال قادة هذه الحركات. وسوف تسعى اسرائيل، ومعها اميركا، الى إكراه عرفات على قمع الانتفاضة، لذا فهو واقع بين نارين: اما ان يقمعها بالقوة، وهو ما يمكن ان يقود الفلسطينيين الى <<حرب اهلية>> تدمر قضيتهم، وهذا ما ترغب به اميركا واسرائيل (اي <<افغنة>> فلسطين)، وإما ان يعتبر عاجزا عن وضع حد <<للإرهاب>> او متواطئا معه، وسيكون حسابه، وحساب شعبه، في كلتا الحالتين، عسيرا.

ان فلسطين وشعبها، يمران اليوم في اخطر مراحلهما، ولن ينقذهما، سوى تضامن العرب جميعا بالقول لا، لأميركا، ولو لمرة واحدة. وهم يعلمون، ولا شك، ان مصالح اميركا لديهم اكبر، بكثير، من مصالحها لدى اسرائيل التي اضحت تشكل عبئا كبيرا على الشعب الاميركي، ويعلمون، كذلك، ان تضامنهم هو السلاح الأمضى في هذه الحال.