حتى لا تتكرس الهزيمة ويجهض الانتصار

 

بقلم : فرج شلهوب

 

خمسة عشر شهراً من الانتفاضة، الف من الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى، ومئات البيوت المهدمة وبنية تحتية يتم تدميرها بمواظبة، ومعاناة على المعابر وداخل القرى والمدن والمخيمات، يراد مسحها هكذا بجرة قدم، وكأن شيئاً لم يكن، مقابل مصافحة ذليلة ووعد بالتسوية ينزل عشرين درجة عما كانوا يتكلمون عنه قبل الانتفاضة.

 

ان أسوأ شيء يمكن تصوره في الواقع الفلسطيني الراهن، ان يعمد البعض، وفي هذا الوقت بالذات، لرفع الرايات البيضاء، من موقع الهزيمة والتسليم للبطش الذي يمارسه شارون، ولا يمكن تحت أي فهم، تصوير هذا الانزلاق، بأنه يمت للحكمة بصلة، فمع شارون ليس ثمة تسوية، وضمن أي مستوى من التنازلات، وهذا الاخير، الذي بدأ حربه ضد الشعب الفلسطيني متشككاً في قدرته على الصمود، اذا ما أهداه المهزومون نصراً مجانياً، بدافع تأمين سلامة رؤوسهم، سيزداد صلفاً على صلف، ولن يقف غروره وشهوته في اذلال وتدمير الشعب الفلسطيني عند حد.

 

ان الشعب الفلسطيني لم ينهزم، قد تكون معاناته فوق احتمال أي احد، الا انه لم ينهزم، وهو يعلم ان خياراته في مواجهة حكومة القتل والتدمير، ليست سهلة، اما الاستسلام والرضى بالطحن والسحل ولعق احذية القتلة، او الصمود حتى ينقلب السحر على الساحر، وتبلغ الانهيارات في نفسية العدو، درجة الافصاح عن الصراخ، وطلب الخروج من دوامة الموت والموت المقابل.

 

فأي وقف لدورة الصراع، وفي محطة يفهم منها شارون، انه نجح في خطته الامنية ومسعاه التدميري، لن يحقق مصلحة فلسطينية، ويكذب من يقول غير ذلك، فالمواجهة مع شارون بعد كل هذه الشهور، لا يجوز ان تنتهي الى اعلان هزيمة فلسطينية، مهما كانت المبررات، واحداث الحادي عشر من ايلول وانحياز امريكا وخذلان العرب، وحجم الدمار، لا ينبغي ان يكون مبرراً، لادخال السرور الى قلب شارون، فمع هذا الارهابي خيارات الشعب الفلسطيني، واحد من اثنين، اما هزيمة شارون ودحره واخراجه خارج الصورة، او احداث التوازن معه، انتظاراً للحظة اخرى يمكن ان يتحقق فيها المراد.

 

والمسألة وفق هذا السياق لم تنته، لكن ان يظل البعض في الصف الفلسطيني، يترجى ويتمسح باعتاب كل عابر طريق، ليضغط على هذا المجرم، ليفك حصاره او يوقف اجرامه، ويقبل بالتفاوض، فهذا بالضبط اعلان الهزيمة ورفع الرايات البيضاء، ولا يمكن ان يسمى تكتيكاً، ولا اخذ فرصة لالتقاط الانفاس، قد يقبل الشعب الفلسطيني وقواه المجاهدة، ومن موقع التكتيك، اعلان هدنة، محدودة ومحددة، وقد يمارس ضبطاً للنفس لحاجة في نفس يعقوب، لكن ان يتجرأ البعض لاستثمار هذا التكتيك للبكاء بين يدي زيني وامام عدسات التصوير مع كل مسؤول أوروبي، لاستجداء العطف، ثم التجرؤ على خط المقاومة ووصفه بالعدمية، فهذه هزيمة وجبن وسقوط، لا يبرره ولا يقنع به أي شريف.

 

ان شارون وبعد ثلاثة اسابيع من التهدئة، ما زال يقابل الاجراءات الفلسطينية، التي بالغت في التنازلات، بالمزيد من الاستخفاف وفرض الشروط التعجيزية بل بلغ به الامر ان يحك رأسه بالسماء، فهو قادر على لجم مبادرة رئيس الدولة موشيه قصاب وتثبيت بيريز عن أي حديث في السياسة، وان يحرم نتنياهو من النجاح في مؤامراته ضده، وقبل هذا كله، فهو قادر على اعتقال رئيس السلطة في رام الله، كل هذه المدة، وعلى مرأى الوسيط الامريكي والحليف الاوروبي.

 

شارون يبالغ في جنونه، وهو يتوهم بحكم استصغار البعض لانفسهم، ان بمقدوره ان يصنع ما يشاء. والمطلوب ان يفهم شارون ان الشعب الفلسطيني، ليس في وارد استجداء الحل مطلقاً، وانه سيفرض رحيل الاحتلال، بصموده وارادته، مهما طالت المواجهة. وعلى اولئك الذين يعتقدون ان الموسى قد وصل الى ذقونهم، وانه حان بسبب ذلك، وقت وقف المقاومة، ان يعلموا ان مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته اولى من مصالحهم وسلامتهم، ومن يشعر بالتعب ويريد ان يؤثر السلامة، عليه ان يذهب الى حيث يشاء، شرط ان يكف عن تمثيل الشعب الفلسطيني والحديث باسمه، فاعلان هزيمة الشعب، وفي هذه اللحظة، وفي مواجهة حكومة الارهاب الشاروني، ليس له الا معنى واحد، بيع الشعب الفلسطيني لحماً دون عظم.

 

ان القضية الفلسطينية اليوم، على مفرق طريق، اما الى الهاوية واما الى القمة، وهدنة الشعب الفلسطيني، المحددة والمحدودة، اذا ما احسن استثمارها، على قاعدة توحيد الصف وتعرية الاحتلال واظهار التحدي والصمود والقدرة على المواصلة، قادرة على قلب الطاولة على رأس شارون، ومن يشد على يده، اما اذا اتخذها البعض ستاراً لتمرير هزيمته واستسلامه، وبالغ في انحداره نحو الاسفل، فانها ستكون الطامة، التي لن يسمح بها الشعب الفلسطيني.