الأخوان المسلمون الأردنيون: خطاب جديد
دعا الأمين العام لحزب جبهة العمل
الاسلامي الاردني (الاخوان المسلمين) الدكتور عبد اللطيف عربيات، <<كل
الاردنيين، حكومة وأحزابا ونقابات وجمعيات وشخصيات ووجهاء عشائر ومخيمات..>>
الى لقاء وطني يجمعهم <<متجاوزين التناقضات الثانوية..>> من أجل
<<التوافق على قواسم مشتركة لحماية الاردن من الاخطار، وتجنيبه
المؤامرات..>>.
والدكتور عربيات الذي كان يتحدث في
الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحزب، يوم الجمعة 28/12/2001 هو من الشخصيات الاسلامية
المعتدلة التي تحظى بالاحترام الوطني، خصوصا لجهة مواقفه ومساعيه الدؤوبة الى
تجاوز الصدام الاهلي في البلاد، الا ان مبادرته الجبهوية هذه، ربما تعبر عن انتصار
تيار في الحركة الاسلامية الاردنية، يقترح (أ) الاعتدال (ب) والتركيز على الشأن
الاردني.
ويرى المراقبون ان الضغوط الدولية
والاقليمية والمحلية التي مورست ضد الاسلاميين، بعد احدا ث11 أيلول هي الأساس في
خلفية الخطاب السياسي الجديد للاخوان المسلمين الاردنيين الذين سطروا في الوثيقة
الاساسية لمؤتمر حزبهم، ما يأتي:
1) أولوية المسألة الدستورية
الديموقراطية، وخصوصا لجهة الدفاع عن الحريات العامة.
2) الطلاق السياسي والتنظيمي مع حركة
المقاومة الاسلامية <<حماس>> والنظر الى إبعاد قياداتها عن البلاد، من
زاوية كونها <<خطوة مسيئة للأردن>> بدون اعتبار التراجع عن هذه
الخطوة، مطلبا إسلاميا.
3) التبرؤ من تيار طالبان القاعدة،
وإدانة هجمات 11 أيلول، ضمنا، كونها <<منحت الولايات المتحدة الاميركية،
الفرصة لتحقيق عدة أهداف كانت على الدوام ضمن استراتيجيتها، ولم تكن تجد الفرصة
لتحقيقها>>.
من جهته، عزز رئيس مجلس شورى الحزب،
الدكتور أسحق الفرحان، هذه الاتجاهات في كلمته أمام المؤتمر، حين دعا حزبه الى
التمسك بمبدأ <<المشاركة السياسية>> على الضد من اتجاه
<<صقور>> الاخوان الداعي الى مقاطعة الانتخابات العامة او المشاركة في
الوزارات والهيئات الحكومية. وقد أجل المؤتمر، البت في هذه المسألة، وأحالها الى
مجلس الشورى الجديد... سوى انه من الواضح ان اتجاه الريح يدفع بسفينة الاسلاميين
الاردنيين، نحو إنهاء مقاطعتهم (المستمرة منذ العام 1997) للهيئات الدستورية،
خصوصا وانهم يدعون الآن الى جبهة وطنية <<تتعالى على الخلافات>>
و<<تتسامى فوق الجراحات>>.
قد تكون الاجراءات الفلسطينية الرسمية
ضد <<حماس>> قد أضعفت انصارها من <<صقور الاخوان>>
الاردنيين، بل وعصفت بخطابهم نفسه، ما أتاح للخطاب المعتدل، فرصة الهيمنة. فبينما
يواجه الاسلاميون الفلسطينيون بصمت يؤكد اخلاصهم للوحدة الوطنية مع مضطهديهم حملة
من المطاردات والاعتقالات والاقامة الجبرية وحظر النشاطات وإغلاق المؤسسات بما
فيها الخيرية والانسانية يصعب على الاسلامي الاردني، الاقتناع بوجاهة مواصلة
القطيعة مع نظامه السياسي الذي يدعوه، بإلحاح، الى المشاركة النيابية والحكومية
بحجج أبرزها الاحتجاج على إبعاد عدد من قيادي <<حماس>> عن البلاد،
جراء رفضهم الامتثال للقوانين الاردنية!
لقد دعا المراقب العام للاخوان المسلمين
الاردنيين، عبد المجيد ذنيبات، السلطة الفلسطينية بكثير من اللطف، وبدون ان يذكر
<<حماس>> بالاسم الى وقف الاعتقالات في صفوف
<<المقاومة>>، والافراج عن المعتقلين، واعادة افتتاح المؤسسات
الاسلامية المغلقة.. فهل كان يستطيع والحالة هذه ان يصعّد ضد الحكومة الاردنية
بشأن عودة قيادات <<حماس>> الى الاردن!؟
على ان الخطاب الاسلامي الاردني الجديد،
لا ينطلق للانصاف من استجابة بسيطة لضغوط طارئة، بل ربما كان ثمرة لسجال عميق
يجتاح صفوف الاسلاميين الاردنيين، منذ سنتين على الأقل، ويدور حول طبيعة حركتهم،
وأهدافها. فهل هي جزء من النظام السياسي الأردني أم خارجه وضده؟ وهل هي حركة
سياسية ديمقراطية أردنية أم هي ذراع لحركة المقاومة الاسلامية في فلسطين
<<حماس>>؟! وهل تدور أهدافها حول محاور الاستقلال والديمقراطية
والتنمية الوطنية والتقدم الاجتماعي في البلاد أم حول محاور الصراع الدولي للاسلام
الجهادي؟!
وقد كانت الاجابة الاولى على هذه
الاسئلة، انشقاقا واسعا تجلى في الاعلان عن <<حزب الوسط الاسلامي>>
الذي برر قيامه بانتصاره لأولوية الشأن الاردني، في مجابهة خط فلسطينوي حماسي
<<اختطف>> الحركة الاسلامية الاردنية، ومنعها على حد تعبير قيادي بارز
في هذا الحزب من ممارسة دورها الوطني الديمقراطي، لصالح تحولها الى أداة اقليمية!
وربما كان النجاح غير المتوقع الذي
صادفه <<حزب الوسط الاسلامي>> من حيث الانتسابات والتفهم الوطني،
ضاغطا على المعتدلين في حزب جبهة العمل الاسلامي لتركيز جهودهم نحو أحداث تغيير
جذري في نهج الحزب الذي كان حتى الأمس يلخص الحركة الاسلامية الاردنية، وأصبح،
اليوم، حزبها الاكبر، لكن غير الوحيد.
لكن السجال لم ينته بالطبع. فجناح
<<الصقور>> الاخواني سيواصل كفاحه، مستفيدا من تأييد قاعدته القوية في
صفوف الاردنيين من أصول فلسطينية من جهة، ومن أجواء التطرف النفسي التي خلفتها
<<الحرب الاميركية ضد الاسلام>> في صفوف الشبيبة الاسلامية، من جهة
اخرى.
وربما ينتهي الامر، الى انشقاق
<<الصقور>> في منظمة خاصة، تحت عباءة الاخوان المسلمين او خارجها، او
الى تلاشيهم، وذلك وفقا للتطورات على الساحة الفلسطينية، وشكل استجابة
<<حماس>> لهذه التطورات.
غير ان
المشهد الاسلامي الاردني، اليوم، أصبح اكثر اقترابا من التبلور في تيارات أربعة
رئيسية هي:
التيار الليبرالي. ويمثله <<حزب
الوسط الاسلامي>>.
التيار الاخواني المعتدل. ويمثله
<<حزب جبهة العمل الاسلامي>>.
التيار الاخواني الحماسي. ويمثله
<<الصقور>> بقيادة د. محمد أبو فارس.
التيار الجهادي. وتمثله
<<أجواء>> أكثر مما تمثله منظمات هي مع ذلك فاعلة، علنا على مستوى
<<الدعوة>>، وسرا على مستوى التنظيم.