محاكمات الاخوان المسلمين في مصر:
بقلم : د. عبدالوهاب الأفندي
تشبه لائحة الاتهام ضد ثلة من
الاكاديميين المصريين الذين احيلوا الي المحاكم العسكرية بقرار رئاسي في تشرين
الثاني (نوفمبر) الماضي شهادة تكريم وتقدير للاساتذة الاثنين والعشرين. فالتهم
تتراوح بين انتقاد السياسة الخارجية والداخلية للحكومة، وانتقاد الاوضاع
الاقتصادية وتحريض الشباب في الجامعات (لا يوضح تحريضهم علي ماذا؟).
القرار الذي اختارت له الرئاسة عشية عيد
الفطر المبارك، يتناقض مع موقف اخر للحكومة المصرية الرشيدة اتخذته قبل عام، حين
قامت بحل حزب الشعب واغلاق صحيفته لان بعض كتاب الصحيفة ثاروا لنشر وزارة الثقافة
كتابا ينتقد الذات الالهية ويسخر من عقائد المسلمين، وقتها قالت الحكومة انها
اتخذت تلك القرارات دفاعا عن حرية التعبير. ولكن حرية التعبير التي اباحت انتقاد
شرائع السماء يبدو انها لا تتسع لانتقاد سياسات الحكومة المصرية الداخلية
والخارجية، المنزلة علي ما يبدو من سماء اعلي!
ولا شك ان اللجوء الي القضاء العسكري
لاسكات صوت الاكاديميين ونشطاء المجتمع المدني، كما حدث قبل ذلك مع الدكتور سعد
الدين ابراهيم وعشرات غيره، يكشف عن قدر كبير من اليأس والذعر في اوساط الحكم في
مصر، ويشير الي تدني درجة شرعية الحكم الي حد يضطر فيها لاستخدام مثل هذه الاساليب
التي لا تشبه اساليب الحكومات الشرعية بقدر ما تشبه اساليب عصابات المافيا.
ذلك انه حتي في دول تحكمها حكومات
عسكرية مثل بورما، او حكومات جاءت الي السلطة بقوة السلاح، كما هو الحال في
يوغندا، لا يحال الخصوم السياسية الي محاكم عسكرية، فمثل هذه المحاكم ولي عهدها مع
ايام الاستعمار، وحتي في اسرائيل التي تخوض حرب بقاء مع الفلسطينيين لا يتم اللجوء
الي محاكم من هذا النوع، اما في مصر المحروسة فان حالة الطوارئ المفروض فيها انها
اعلنت بسبب الحرب ضد العدو الخارجي اصبحت الان موجهة الي ممثلي الشعب المصــــري
بصورة لم تشهدها مصر حتي في ايــــام كرومــــر وكتشنر. فالاستعمار الانكليزي كان
يسمح بشيء من النقد لسياساته الداخلية والخارجية، ولم يكن من عادته احالة المفكرين
والكتاب الي محاكم عسكرية.
ويضاعف من هذه المأساة ان المتهمين لم
يعهد عنهم اي عمل يخالف الدستور او القانون، وهم يرددون ليل نهار انهم يحترمون
القوانين التي تنظم العمل السياسي والنقابي في البلاد، رغم ان هذه القوانين مجحفة
تعسفية، ولا تستحـــق الاحترام لانها نوع من التحايل والخداع علي الامة لتزوير
ارادتها.
ويمكن تصنيف التهم الحقيقية في حق
الاكاديميين المحالين الي القضاء العسكري، وهم من قادة حركة الاخوان المسلمين، الي
ثلاث تهم رئيسية: الاولي الانتماء الي منظمة الاخوان المسلمين، والثانية ممارسة
حقوقهم السياسية والمدنية التي كفلها الدستور والقانون، والثالثة كسب دعم فئات
الشعب المختلفة، سواء في اطار المنظمات المهنية والنقابية، او في الانتخابات
العامة.
الحكومة المصرية علي لسان مسؤوليها، وخاصة
وزير الداخلية السيد حبيب العادلي، تعتبر الانتماء الي حركة الاخوان المسلمين
جريمة من الكبائر، لانهم بحسب الوزير يحتكرون الدعوة الي الاسلام، ويدعون بغير حق
الايمان بالديمقراطية ويضمرون غير ذلك، واخيرا لان للحركة تنظيما سريا. ولنبدأ
بالتهمة الاخيرة، والتي كانت تكون ذات معني لو ان الحكومة سمحت للاخوان بتنظيم
علني قانوني، ولكنهم قاموا بانشاء تنظيم سري مخالف للقانون. وحاصل الامر ان تنظيم
الاخوان المسلمين بكامله الان تنظيم سري غير قانوني، ليس لانه اختار عمدا خداع
السلطة واخفاء وجوده، بل لان الحكومة تتعامي عمدا عن وجوده، وتنكره وتكابر فيه،
فالتهمة علي الحكومة لا علي التنظيم.
الكل يعرف حكاية التنظيم السري لحركة
الاخوان المسلمين وتاريخه، وهو تنظيم نشأ في ايام الاستعمار، وكانت له مبرراته رغم
انه كان خطأ كبيرا. ولكن هذه المسألة تجاوزها التاريخ مثل ما تجاوز تنظيمات سرية
اخري عفا عليها الزمن، مثل تنظيم الضباط الاحرار والتنظيم الطليعي وغيرها. وعلي كل
فان الحكومة حظرت تنظيمات اسلامية اخري لم تقم عليها شبهة انشاء اجنحة سرية مثل
حزب الوسط، وهو حزب اسلامي معتدل لا توجد كذلك شكوك في دعمه للديمقراطية. وهذا
يعني ان تهمة الاخوان هي توجههم الاسلامي في الاساس.
وهذا يقودنا للتهمة الاولي، وهي ان
الحركة تحتكر الدعوة الي الاسلام، وحسب علمنا بان حركة الاخوان المسلمين لم تمنع
اللواء حبيب العادلي او غيره من المصريين ـ او حتي الاسرائيليين ـ من الدعوة الي
الاسلام وتبنيه او تفسيره كما شاءوا. وحتي لو كان مذهبها منع الاخرين من الدعوة
الي الاسلام، فانها لا تملك سلطة منعهم او الحجر عليهم، لو ارادوا الدعوة الي
الاسلام وتسمية انفسهم حجة الاسلام العادلي او اية الله الشريف او غير ذلك، ولكن
الاشكال عند هؤلاء هو انهم لا يريدون ان يدعوا الي الاسلام، بل بالعكس، وهم يرون
في قيام من يدعو الي الاسلام اشكالا لانه يحرجهم، ليس فقط باظهار انهم لا يريدون
الدعوة الي الاسلام ولا الي الخير، بل لانه يضطرهم الي محاربة دعاة الاسلام،
وبالتالي محاربة الاسلام علنا.
وعلي كل حال فان اعتناق عقيدة دينية
معينة او اي مذهب ديني محدد والدعوة له ليس جريمة ولا اثما في الاعراف الانسانية،
بل هو من صميم الحقوق الانسانية. وهو أجدر بأن يكون كذلك في بلد تدين غالبيته
الساحقة بالدين موضوع النزاع. ويتأكد هذا الحق تأكيدا مضاعفا حين يكون دستور البلد
المعني لا ينص فقط علي ضمان حرية العقيدة والتعبير والتنظيم، بل ينص ايضا علي ان
الشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع الاول والاعلي، وبما ان الجماعات الاسلامية علي
اختلافها لا تدعو إلا الي تطبيق الشريعة الاسلامية، فان دعوة الاسلاميين لا تزيد
علي كونها دعوة للانصياع للدستور وتطبيق نصوصه. واذا كانت التهمة الرسمية للاخوان
المسلمين هي انهم يحتكرون الدعوة الي احترام دستور البلاد، فان السؤال الاهـــــم
هــــو لماذا يقصر الاخرون، وعلي رأسهم الحزب الحاكم، في الانضمام الي هذه الدعوة،
ولماذا يحالفون نصوص الدستور الذي اقسموا امام الله والشعب علي احترامه؟
التهمة الثالثة للاخوان المسلمين هي
باضمارهم معاداة الديمقراطية. وهذه تهمة يصعب اثباتها لان الله تعالي وحده هو الذي
يعلم ما في الضمائر، وعلي كل حال فلو كانت معاداة الديمقراطية اثما مبينا يستحق ان
يجرجر من فكر فيه، فضلا عمن اجترحه امام المحاكم العسكرية المخالفة في ذاتها لكل
مبدأ ديمقراطي، فان اولي الناس بالعقوبة علي هذا الاثم من ضبط متلبسا من الحكام
الذين يكتمون الانفاس، ويحظرون حرية التعبير، ويزورون الانتخابات (بشهادة المحاكم
والمراقبين) ويتخذون من الجو الاستبدادي الذي خلقوه بذرائع مختلفة ستارا لنهب
اموال الشعب لخاصة انفسهم ولابنائهم واقربائهم والمنافقين والمحاسيب من ادوات
الاستبداد. وانه لعجب ان يتصدي مرتكب الاثم المجاهر به المقيم عليه لعقاب من يظن
مجرد ظن انه يضمر ارتكاب الاثم في المستقبل البعيد!
ولعل ذنب الاخوان الاكبر ليس معاداة
الديمقراطية، بل ممارستها والنجاح في اللعبة الديمقراطية اكثر من اي مجموعة اخري،
وهذا هو الاشكال الذي تواجهه العصبة الحاكمة في مصر تتغول علي الحق حين تعلن ان
مشكلتها مع الاخوان هي عداؤهم للديمقراطية لانها قد ناصبت جماعات حقوق الانسان
ومنظمات المجتمع المدني التي لم يكن لها هم سوي الديمقراطية عداء لا يقل عن عدائها
للاسلاميين.
المواطن المصري اذن اصبح متهما اذا تصرف
بمقتضي عقيدته وما يمليه عليه ضميره، ومتهم اذا مارس حق المواطنة في المشاركة
السياسية (علي محدودية المجال المتاح فيها) من مشاركة في الانتخابات او نقد
للسياسات العامة، ومتهم اذا مارس حقه كانسان في التعبير عن نفسه، المصري مذنب لانه
مسلم، ومذنب لانه مواطن، ومذنب لانه انسان، وهي خصائص لا يستطيع الغالبية التنصل
منها حتي وان ارادوا الانصياع لمطالب وزير الداخلية ورئيسه.
المؤسف في كل هذا هو ان هذه المطالبة
بالتخلي عن الدين والوطنية والانسانية لم تكن معتادة حتي في ايام الاستعمار، وهي
غير معهودة حتي في اسرائيل، والادعي للاسي هو ان حكم الرئيس حسني مبارك لم يكن
محتاجا الي مثل هذا العسف، لوجود اجماع لا بأس به علي القبول به في هذه المرحلة،
ولان كل القوي السياسية متفقة علي التدرج في ممارسة الديمقراطية بما يعززها ويجنب
البلاد الاضطراب والمصائب، وقد كان بوسع الحكم ان يختار ان يكون عهده بداية تحول
حقيقي نحو الديمقراطية، ولكن يبدو ان الخيار هو تكريس الممارسات غير الديمقراطية
ووضع العقبات في طريق هذا التحول، وهي مأساة مزدوجة للشعب المصري وللحكم، فكل حكم
الي زوال، والحكومات الاستبدادية اسرع زوالا من غيرها، ويرتبط زوالها في الغالب
بثمن فادح يدفعه انصارها اما علي يد المستبد الجديد، كما شهدت مصر نفسها في العقود
القليلة الماضية، او في العهد الديمقراطي، كما عهد في تجارب اخري ويأمل غالبية
المصريين ان يحدث عندهم، وهذا ما يجعل ما يجري جريمة في حق النفس قبل ان يكون
جريمة في حق الله والوطن والانسانية.