هل حصلت الهند علي تصريح أمريكي لتصفية مشاكلها مع باكستان؟

 

 

بقلم : د. صلاح عـز

 

 

علي الرغم من أن للولايات المتحدة حسابات مؤجلة مع شعبي العراق والصومال (الأول لصموده أمام العـقوبات القاسية ومقاومة الانهيار، والثاني لإهانته للجنود الأمريكيين عام 1993 وقتل 18 منهم والتمثيل بجثثهم)، فإن إفتتاحية الواشنطن بوست (20/12) تري أن الخطوة القادمة في الحرب علي الإرهاب يجب أن تكون في باكستان قبل العراق والصومال لمواجهة جماعات الإرهاب الباكستانية التي تتهمها الهند بالاعـتداء علي برلمانها. كما تري الجريدة ذات الهوي الصهيوني المتطرف أن الهند مارست ضبط النفس بدرجة تدعـو للإعجاب، وينبغي ألا يُحظر عـليها ممارسة حق الدفاع عن النفس كما تمارسه أميركا وإسرائيل. غير أن ما تقوله الجريدة عـن الخطوة القادمة ليس دقيقا لأن هذه الخطوة إتخذتها إدارة بوش بالفعل من خلال الضوء الأخضر الذي منحته لشارون علي أمل أن يتمكن من تركيع الشعب الفلسطيني وترسيخ الاحتلال.

 

حلف أصولي

 

كما أنه ليس مصادفة أن تقرن الصحيفة الهند بأميركا وإسرائيل. فالهند مثل إسرائيل حليف استراتيجي للولايات المتحدة، والثلاثي تحكمه أحزاب عـقائدية (أصوليات هندوسية وصهيونية ومسيحية يمينية. فطبقا للواشنطن بوست (24/12)، جاءت استقالة بات روبرتسون كرئيس التحالف المسيحي لتؤكد صعـود زعـيم جديد لليمين المسيحي الأمريكي، وهو جورج بوش ). وإذا كان وزير الداخلية الهندي لال كريشنا أدفاني تواطأ مع الغـوغاء الهندوس منذ تسعة سنوات لتدمير مسجد بابر الأثري في أيوديا بالهند، فإن في حكومة شارون من لهم علاقات وثيقة بالجماعات اليهودية التي تخطط لتدمير المسجد الأقصي. أيضا تـنتهك كل من الهند وإسرائيل القوانين الدولية وحقوق الانسان بالمعاملة الوحشية لشعبي كشمير وفلسطين الواقعين تحت الاحتلال، وهما ترفضان تـنفيذ قرارات مجلس الأمن في هذا الصدد (ينص قرار مجلس الأمــــــن في أغسطس 1948، وقراران آخران أكداه لاحقا، علي حق شعب كشمير في تقرير مصيره بإجراء استـفتاء يقرر من خلاله مستقبله. ومنذ ذلك الحين والهند ترفض إجــــراء هذا الاستـفتاء مدعـومة بصمت تآمري من قوي الغرب. وكان دوجلاس هيرد وزير الخارجية البريطاني الأسبق قد وصف منذ سنوات قـــــرارت مجلس الأمن تلك بأنها منـــتهية الصلاحية . ثم أعلن كوفي أنان في مارس الماضي أن هذه القرارات أصبحت لاغـية ، وهو ما لا أساس ولا سابقة له). أيضا فإنه بالإضافة للمحادثات الأمنية التي تعـقد بين الهند وإسرائيل ــ الديمقراطيتان الوحيدتان في محيط من الدكتاتوريات المسلمة المساندة للإرهاب ــ بانتظام كل ستة أشهر، فإن الوفود الرسمية بين البلدين لم تتوقف منذ أسابيع: ففي أوائل نوفمبر أجري وفد إسرائيلي عسكري حوار استراتيجي في نيودلهي، وفي نهاية نوفمبر ولأول مرة منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بعد مؤتمر مدريد، قام وفد برلماني إسرائيلي بزيارة البرلمان الهندي (قبل الهجوم علي البرلمان بأسبوعين)، والشهر القادم سيقوم وفد هندي بزيارة إسرائيل لمناقشة الحرب ضد الإرهاب ، كما تجري الاستعـدادات لترتيب زيارتيّ شارون للهند والرئيس الهندي لإسرائيل.

 

ذرائع البلطجة

 

تـذرعـت الولايات المتحدة بواقعة 11 سبتمبر لكي تمارس البلطجة ضد عامة العرب والمسلمين، ووفرت بذلك غـطاء يبرر بلطجة حليفيها الإسرائيلي والهندي ضد خاصتهم: الأول متـذرع بعـمليات (حماس) الاستشهادية، والثاني بالهجوم علي برلمان أكبر ديمقراطية في العالم. هذا الهجوم تتشابه ملابساته بدرجة كبيرة مع الهجوم علي مركز التجارة العالمي. فقد زلزل الهجومان الغامضان مشاعر البشر باستهداف اثـنين من أهم رموز أميركا والهند، مما سهل مهمة التحريض علي الخصوم المسلمين الذين اتـُهموا بارتكاب الاعـتداءين إستـنادا إلي أدلة ظرفية. في الواقعـتين لقي جميع المعـتدين حتفهم، فأصبح من المستحيل التوصل إلي الحقائق بيقين و التعـرف علي هوية العـقول التي دبرت ونسقت ومولت العـمليتين. وقع 11 سبتمبر بعد مرور عام من عجز إسرائيل أمام الانتفاضة، وأسبوعين من إدانة عـنصريتها في مؤتمر المنظمات غير الحكومية في دربان. ووقع 13 ديسمبر، واتهام الهند لجماعـتي (العسكر الطيبة) و(جيش محمد) الكشميريتين بالمسؤولية عـنه، مع انتهاء الحرب في أفغانستان وخطاب ياسر عرفات الذي أعلن فيه حالة الطوارئ وحظر مقاومة جماعـتي (حماس) و(الجهاد).

لقد أنكرت الجماعـتان الكشميريتان أي صلة لهما بالهجوم علي البرلمان الهندي، وأكدا أن نشاطهما يستهدف العسكريين الهنود فقط داخل ثلثيّ كشمير بهدف تحرير هذه المنطقة ذات الأغـلبية المسلمة. واتهمت باكستان مجموعة من الجيش الهندي بارتكاب الاعـتداء بغرض تلبيس التهمة لباكستان، ورفضت مزاعم الهند عن كون المهاجمين يحملون الجنسية الباكستانية كما رفضت إستلام جثثهم. جدير بالذكر أن الإنتحاري الهندوسي الذي اغـتال المهاتما غاندي عام 1947 كان متـنكرا في لباس مسلم بهدف تحميل المسلمين المسؤولية عن الجريمة. لقد أدانت باكستان الاعـتداء علي البرلمان الهندي، وطالبت الهند بتقديم أدلة عن تورط الجماعـتين المتهمتين، فرفضت. كما اقترحت المشاركة في التحقيق مع السلطات الهندية، فرفض إقـتراحها. حتي مطالبة إسلام أباد بلجنة تحقيق محايدة، رفضتها الهند.

 

خيانة أمريكية

 

علي الرغم من كل ذلك، ومن إصرار برويز مشرف علي ضرورة التمييز بين جماعات الإرهاب و مقاتلي الحرية ، فقد إنحازت إدارة بوش بقوة إلي جانب الهند، وحذرت باكستان من أن مساندة الجماعات الكشميرية ستـُعـتبر بمثابة تأييد للإرهاب، وقامت بتجميد أرصدة الجماعـتين المتهمتين (علي الرغم من عـدم وجود أرصدة لهما في الخارج)، وأعـلن كولن باول ضمهما إلي قائمة الإرهاب الأمريكية، وهي نفس الإجراءات التي التـزمتها إدارة بوش مع (حماس) و(الجهاد) منذ أسابيع. إتخذ الأمريكيون هذه الإجراءات بدون أدلة تدعـم إتهامات الهند، وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية من المحتمل أن تكون الجماعـتان متورطتان في هجوم 13 ديسمبر ولكن ليس لدينا أدلة جازمة. جدير بالذكر أن جماعة (العسكر الطيبة) هي أكبر المنظمات الناشطة في كشمير وهي، مثل (حماس) في فلسطين، تدير عـدد كبير من المشاريع الخيرية التي تخدم المجتمع الكشميري (مائة مدرسة وجامعة وعـدد من المستشفيات). وهكذا يشكو الباكستانيون من الخيانة الأمريكية، فيقولون أن إدارة بوش لم تكتفي بتوفير مشرف قاعـدة للأمريكيين ينطلقون منها لإزالة حكم (طالبان) ومشاركته الفعالة في اعـتقال فلول الهاربين من (طالبان) و(القاعـدة)، وإغلاقه للمدارس الدينية وطرد الطلبة المسلمين الأجانب. فقد تجاهلوا إحتجاجاته بشأن الحكومة الأفغانية الجديدة التي يسيطر عليها تحالف الشمال الموالي للهند، ويطالبونه اليوم بالمشاركة في تصفية أهم قضية يتعاطف معها الـ 140 مليون باكستاني، وهي قضية كشمير (لم يتعاطف مع طالبان سوي بعـض الجماعات المتطرفة). وكما قالوا عن قدرة ياسر عرفات علي ضبط الشارع الفلسطيني، ينظرون اليوم إلي كفاءة مشرف في التعامل مع تظاهرات الشارع الباكستاني إثر انقلابه علي طالبان، ويأخذونها كدليل علي استطاعـته اتخاذ قرارات قاسية ووحشية. فكما انقلب علي طالبان يستطيع أن ينقلب علي الجماعات الكشميرية المسلحة (نيكولاس كريستوف ــ نيويورك تايمز 21/12). وهكذا يقف مشرف اليوم في مواجهة مأزق عرفات نفسه: ضرب مقاومة الاحتلال تمهيدا للتسليم بشرعـيته، وهو ما يفرض تساؤلا ملحا: هل كان وقوع الهجوم علي البرلمان الهندي بعد أيام قليلة من حصول شارون علي الضوء الأخضر الأمريكي وإعلان عرفات حالة الطوارئ، مجرد مصادفة؟

 

سذاجة باكستانية

 

والحقيقة أن الأمر لم يكن خيانة أمريكية بقدر ما كان فخا أمريكيا محكما وسذاجة باكستانية. فلم يكن من الحصافة تصور أن أميركا يمكن أن تلتزم الحياد في صراع بين باكستان والهند، حيث أن تفاصيل العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بين الهند من ناحية وأميركا وإسرائيل من ناحية أخري معلومة للكافة، وكذلك التعاون النووي مع الكيان الصهيوني. تـناسي الباكستانيون أيضا خيانة أميركا للعرب بعد أن تحالفوا معها في عاصفة الصحراء مقابل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ثم هاهي اليوم تحرض شارون علي ترسيخ الاحتلال. تـناسوا كيف كانت علاقة أميركا بهم مرتبطة بحاجتها إليهم أثـناء الوجود السوفيتي في أفغانستان، وكيف أنها فور الانسحاب السوفيتي تجاهلتهم ولم تعـبأ بمشاكلهم مع مخلفات الغزو السوفيتي وفرضت عـليهم سلسلة من العـقوبات ووثقت علاقتها بالهند. وعـندما انحني مشرف أمام التهديدات الأمريكية بعد 11 سبتمبر، لم يحاول ضبط انحناءه. فقد كان عـليه بعد استجابته لتهديد واشنطن له باستهداف باكستان كدولة مساندة للإرهاب، وإنقلابه علي (طالبان)، أن يفرمل تـنازلاته حتي لا يفاقم النهم الأمريكي والهندي الذي توسع طلبا للمزيد، وحتي لم يبقي إلا توفير الذريعة لتبرير وضع باكستان أمام خيارين: إما تدمير المقاومة في كشمير وابتلاع الإهانة بترحيل قيادات هذه المقاومة إلي الهند، وإما حرب مدمرة تقضي علي برنامج باكستان النووي، وتريح الجميع من خطر القـنبلة الإسلامية وتعيد باكستان إلي العـصر الحجري كما قيل عـن العراق قبيل عاصفة الصحراء . ولذلك فور هجوم13 ديسمبر، عـمدت الهند فورا إلي الطرق علي الحديد وهو ساخن. وكتب جون بيرنز مراسل النيويورك تايمز (24/12) يقول كان هدفا استراتيجيا للهنود منذ 11/9 إقـناع بوش بالضغـط علي برويز مشرف لحل الجماعـتين الكشميريتين المسؤولتين عن 70% من الأعمال العسكرية في كشمير. لقد احتفي الهنود بحرب بوش علي الإرهاب باعتبارها فرصة نادرة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في كشمير.

 

تشدد ومرونة وإذلال

 

شجع الانحياز الأمريكي المسؤولين الهنود علي صياغة مطالبهم في صورة إملاءات مهينة لباكستان ورئيسها، مثل تصريح مسؤول هندي: علي الباكستانيين أن يغـلقوا معسكرات الإرهاب التابعة للمنظمتين ويرحلوا قياداتهم إلي المحاكمة في الهند، وبعد ذلك سنري ماذا نفعـل. وتعلمت الهند من إسرائيل أن التصعـيد المتدرج للتهديدات اللفظية والدبلوماسية والعـسكرية هو أكفأ وسائل الحرب النفسية مع الحكام العرب والمسلمين، وأن إنهاك معـنوياتهم أمر يسهل تحقيقه كلما دفع خصومهم الأوضاع إقـترابا من حافة الهاوية. فمثلا بينما إتسم خطاب أتال فاجبايي أمام شباب الحزب القومي الهندوسي بالتشدد، جاء خطاب مشرف في كراتشي في اليوم نفسه مرنا إزاء الهند وعـنيفا إزاء الجماعات الإسلامية المتطرفة. وعلق جون بيرنز (26/12) علي التباين الواضح بين النبرتين الهندية والباكستانية بقوله بينما هدد فاجبايي بالحرب، لمح مشرف إلي مرونة وأمل بجهد دبلوماسي أميركي. لقد إتخذت إسلام أباد عـدة إجراءات ضد الجماعـتين الكشميريتين مثل إغلاق مقارهما في باكستان وتجميد الأرصدة وقطع خطوط الهاتف عـنهما واعـتقال القيادات مع مائة من النشطاء، فضلا عن إغلاق فرع المخابرات الباكستانية الذي كان يتولي تلك المنظمات بالرعاية والتوقف عن مطالبة الهند بتقديم أدلة. وكلما أقدمت باكستان علي إجراء، زاد الابتزاز والإذلال الهندي بالمطالبة بالمزيد مع تصعـيد آخر للضغـوط، تماما كما تـفعل إسرائيل مع عـرفات. يقول دافيد لامب مراسل (لوس أنجلوس تايمز 4/1): إن المدي الذي وصلت إليه حملة القمع ضد الانفصاليين الكشميريين أذهل المحللين السياسيين الغربيين الذين يرون أن مشرف قطع مسافة طويلة علي طريق تلبية مطالب الهند.

إن هذا النهج الباكستاني في التعامل مع البلطجة الهندية هو وصفة مؤكدة لخسائر فادحة قادمة لأن مواجهة البلطجة بإلخضوع لها ــ أيا كانت الأعـذارــ لا يستدعي سوي المزيد من المشاكل، وهو ما يفرض تساؤلا آخر: لقد بني مشرف شرعـيته حول قضية كشمير، حيث أن أحد أهم الأسباب التي دفعته للانقلاب علي نواز شريف رئيس الوزراء السابق كان انصياع الأخير للضغـوط الأمريكية ووقف الدعـم الباكستاني للكشميريين. فهل يقوم مشرف اليوم بما أنكره بالأمس علي شريف؟

إن الأمر المؤكد هو أن اهتمام الأمريكيين والهنود لا ينحصر في إطار كشمير. وقد كان إحساس كاتب هذه السطور وما زال منذ إعلان الأمريكيين الحرب علي (طالبان) أن أحد أهم أهداف هذه الحرب هو البرنامج النووي الباكستاني. والواضح أن الهند لن تقدم علي أي إجراء إلا بموافقة أمريكية، بل الأرجح هو أن كل ما يجري منذ 13 ديسمبر إنما هو نتاج تنسيق وتخطيط بين الحلفاء الثلاثة. والسؤال هو هل الهدف من دفع مشرف إلي تصفية قضية كشمير هو تـقوية فرص الانقلاب علي حكمه حتي يكون هذا الانقلاب ذريعة لتدخل أميركي إسرائيلي للسيطرة علي المواقع النووية الحساسة في باكستان؟