يَحسبهُ
الظمآن مَــاءً
بقلم :
محمــود شنب
بعد ظهور بشائر التعيينات الجديده رفرفت خيبة الأمل فوق بيوت
الغلابه والكادحين من أبناء الشعب وكأنها تقول للشباب المسكين : رتب أوضاعك من
الآن على أنه لا عمل .. ولا أمل .. ولا مستقبل .. وعليك أن تُدرك أن وعود الحكومه
كبرق السحابه التي لم تمطر والتي تذهب مع أدراج الريــاح .
لدينا الآن في الحكومه أساتذه في علم التخدير والتضليل وجهابذه
في فن العطاء الكاذب الذي يبشر برخاء التصريحات في عز الضنك ، وبعطاء الخير بيد
البخل وبعدل العيش في عز
الجور !!!
على الشباب أن يدرك أن كل الوظائف محجوزه لذوي السلطه والجاه
ولمن يدفع أكثر ، وعليه أن يعلم أن الحكومه إذا مدت يدها لتوظيفه ... فانما تمدها
لتعتقله ، وإذا قالت لا زياده في الأسعار فاعلم أنها اتخذت عكس القرار بعدما اطمأنت
إلى أنه مهما ارتفعت الأسعار فلن يستطع أحد أن يرفع رأسه أو صوته ، وكلما ازدادت
أعداد قوات الأمن ازدادت أعداد البطاله ـ فالأمن للحكومه والبطاله للجميع .
لقد تعاقبت الحكومات علينا ، ولم تصدق معنى حكومه واحده حيث
تآمروا علينا وكأن مصر حلبه للمصارعه التي تتمكن فيها الحكومة من الشعب ثم تسلمه
لحكومه أخرى وهو مطروح
أرضاً لا يقوى على فعل شئ !!!
ولكن على الحكومه أن تعلم ويعلم كل مسئول ان العطاء الكاذب لن
يولد غير الاحباط واليأس والانفجار ويذكرني ذلك بأيام كنا نلهو ونحن أطفال حيث
نقفل الأيدي على الفاضي وندَعي أن بها شيئاً !! ـ فيمد أحدنا للآخر يده ليأخذ ما
فيها ـ وعندما تصل اليد لليد تفتح الأصابع على لا شئ ـ ثم يحدث العراك ... اليوم
تفعلها الحكومه معنا ولكن بطريقه بشعه وقذره حيث تمد يدها للشعب فلا يجد منهاإلا
صباع يتحرك في يده ؟!
يحدث ذلك دون توقف ، والشعب المسكين في كل مره لا يجد غير
الصبر فيصبر ويمني نفسه بعطاء قادم قد يكون أكثر صدقاً وعدلاً !!!
وقد حدث ذلك أخيراً في مسرحية التعيينات والتي واكبها زياده
رهيبه في الأسعار ومثلما يحدث أيضاً في التعليم حيث المجانيه كذب وبهتان بعدما
أصبحت المدارس مصيده للدروس الخصوصيه وحيث الابتزاز المؤلم والاهمال المتعمد والغش
المنظم وكل من له بصيره اليوم يدرك جيداً أن التعليم في مصـر يقف على ساقان
صناعيتان لا ثالث لهما ــ الأسره واستعدادها لبيع ملابسها في سبيل تعليم الأبناء ،
والمدرس وما ينفقه من جهد خارق في الدروس الخصوصيه التي انتشرت كالوباء .
....... أليس هذا صباع آخر يتحرك من يد الدوله في يد الشعب
!!!!
وفي الصحه تعلن الدوله كل يوم عن بناء مستشفيات وتوفير الأدويه
والعلاج لمحدودي الدخل ، ومع أول اختبار يقابله المريض تسقط كل هذه الخزعبلات
ويسقط في يدنا صباع آخر في
أعز ما نملك ؟!
..... ومع كل زياده في المرتبات تلتهم الأحذيه وحدها كل ما تم
منحه للزوج والزوجه .
وفي الطوابير حدث ولا حرج بعدما أصبحت الطوابير في حياة المصريين
شيئاً طبيعياً وفي أوقات لا تتعرض فيها البلاد لا لمجاعات ولا لحروب !! وهذا صباع
آخر أصيل ومتواصل .
و "الشرطه في خدمة الشعب" ـ شعار كاذب بعدما اتسعت
مهام الشرطه على حساب أمن المواطن ـ ومن لم يحافظ على بيته وشرفه وممتلكاته لن
يفعلها له آخر حتى ولو كان جهاز أنشئ لهذا الغرض وينعم أفراده بمزايا وسلطات لا
حدود لها ، ومع أول زياره لقسم الشرطه سوف تجد الأيادي مفروده عن آخرها في
إستقبالك ومصافحتك لتأخذ الصباع إياه !!!
أما الرياضه وتنظيم حورس وما يحدث في الجامعات فلو بسطت يدك
لتأخذ المعلوم ستجد فيها هذه المره طفلاً صغيراً أنجبه الشيطان حورس بعدما تربى في
أحشاء إبنة غاليه
إنخدعت وخدعت أهلها في سياسة دوله تدعي أن دينها الاسلام !!!
إن كل شئ في الدوله يعطينا صباع يتحرك ولا نتحرك !!! سبحان الله .
بلد.. كثرت فيه القنوات الفضائيه وانسدت فيه كل القنوات
الفكريه والدستوريه !!
بلد.. الـ 800 جرام بعد الـ 900 جرام ( مسمى جديد للكيلو
في حالة توقف الأسعار عن الزياده ) .
بلد.. يحتفل بعيد القمح ( المستورد ) وبوفاء النيل (
الملوث ) .
بلد.. تقفل فيه مليوني شقه دون استخدام وينام الناس في
المقابر والخلاء .
بلد.. تنميته من السياحه ودخله من الربا والملاهي !!
بلد.. تهزه ( كبسولة ) سمير رجب ، وتضلله أكاذيب إبراهيم
سعده ، وتلوثه شعوذة أنيس منصور ، وتدمره زراعة يوسف
والي !!!
بلد.. بذر شبابه في كل بلاد العالم من أجل لقمة العيش
التي لم يجدها في بلده ، أو من أجل أمان إفتقده وسط أهله
!!!
بلد.. يعيش ما بين قرض ومنحه وهبه ومساعده .. إلى يوم
يبعثون !!!
بلد.. خير من فيه خلف القضبان ، وشر ما فيه حيتان .
لا تسأل عن الحكومه فهي مشغوله ما بين تجهيز التصريحات ،
واقامة المهرجانات ، وأكاذيب البنيه التحتيه !!! إنها
لا ترى إلا من يصفق لها ويؤيدها من كتبة الزور والبهتان
حيث الأمان في الخيانه والصدق في الغدر ، وبقدر هذا الحب
يتفرع المقت والكره لكل وطني غيور يبتغي الخير لبلاده
وأهله .
جلس يوماً الخديوي توفيق ـ قبل أن يتولى الحكم ـ إلى
جوار جمال الدين الأفغاني وقال له : ( إنك موضع أملي
أيها السيد ) وظل الخديوي توفيق ينزل الأفغاني حق منزلته
ويقدره حق قدره إلى أن تولى الحكم ، وكان جمال الدين ما
زال يجاهد بين الناس ويلهب مشاعرهم ، فأرسل إليه الخديوي
توفيق وقال له : ( إني أحب كل الخير للمصريين ، ويسرني
أن أرى بلادي وأبناءها في أعلى درجات الرقي والفلاح (
نفس الافك الذي يدعيه كل مسئول ) ولكن للأسف أكثر
الشعب جاهل ولا يصلح أن يلقى عليه ما تقوله من دروس
وأقوال مهيجه فتُلقِي بهم وبالبلاد في التهلكه ) فأجابه
جمال الدين :
( ليسمح لي صاحب السمو أن أقول بحريه وإخلاص إن الشعب
المصري كسائر الشعوب لا يخلو من وجود الخامل والجاهل بين
أفراده ولكنه غير محروم من وجود العالم والعاقل ،
وبالنظره التي تنظرون بها إليه ينظر إليكم وإن قبلتم
نصحي وأسرعتم في إشراك الأمه في حكم البلاد عن طريق
الشورى يكون ذلك أثبت لعرشكم ودوام سلطانكم ) هنا أدرك
الخديوي خطورة جمال الدين وأصدر أوامره بنفيه خارج
البلاد ولم يشفع له حبه أو صداقته ، وخرج جمال الدين وهو
ينادي ( يا أهل مصـر .. أنظروا إلى أهرام مصر وهياكل
ممفيس وأثار طيبه ومشاهد سيوه وحصون دمياط فهي شاهده على
منعة آبائكم وعِزة أجدادكم ـ هبوا من غفلتكم واصحوا من
سكرتكم وعيشوا كباقي الأمم أحراراً سعداءً ).
هذه الكلمات أراها وكأنها كُتبت اليوم وأسمعها وكأنها
رنين الواقع الذي نعيشه فالحكومه تغرينا كل يوم بالوعود
والتصريحات مثلما يغري الجزار ذبيحته بشئ من الطعام
فيحمل حزمة برسيم في يد ويسن السكين باليد الأخرى ،
ولكني أتعجب فلو كان للبهيمه عذر فيما يحدث فأي عذر لنا
ونحن نرى بعيوننا كل ما تفعله الحكومه فينا ، وما تفعله
الحكومه فينا تفعله أمريكا فيها من خلال سياسة العصا
والجزره ، ويسلط الله أبدان على أبدان !!!
وصبرنا على الحكومه يشبه صبر الحكومه على أمريكا ـ وهو
صبر في غير محله لأن التريث مخافة الفتنه هو شاهد عجز
يسبق الذبح ولا يمنعه ، وان تصور بعضنا إننا نعيش بعيداً
عن الخطر فإن ذلك يرجع لكوننا ذبائح زيادة عن طاقة
السلخانه الأمريكيه حيث يتقدمنا للذبح أكثرنا يأساً
وتسليماً وينجو منا من يتمرد ولو قتل ويجاهد ولو سُجن
أما الباقي فلا يعدو غير طابور كل من فيه أسلم الرقاب
وانتظر دوره برضا الخائر المهتز ، ولست أدري إلى متى
ننتظر وكل شئ أصبح واضحاً ، وهل لابد أن يجري النيل
أربعين ليله حمراء كالتي أجراها التتار في نهر العراق من
كثرة ما أراق من دماء المسلمين للدرجة التي وصل فيها
الرعب بين الناس هناك أن كان "التترى" يوقف المسلم
في
شوارع بغداد ويقول له انتظر هنا حتى أعود بالسيف وأقتلك
ويبقى المسلم واقفاً في مكانه لا يتحرك حتى يعود إليه
التترى بالسيف ويقتله !!!
وقد جاء بيان الحكومه الأخير ـ مثلما توقعنا ـ على
استحياء وضعف وخالياً من أي مضمون وكان خير شاهد على هذا
العصر المشوه الخالي من القيم والطموحات والأهداف وكان
أقرب إلى بيان اللصوص ( كاد المريب أن يقول خذوني ) ،
وكان أخطر ما فيه استمرار ذلك الدور الخطير المتمثل في
رئيس البرلمان من أجل تمرير البيان ليظل سيادته متربعاً
على عرش الحياة البرلمانيه التي أفسدها مثلما أفسد من
قبل المحاماه بترافعه عن المخمورين ممن يقودوا السيارات
ويقتلون الأبرياء من أبناء الشعب ( وما ذلنا نذكر
مرافعته في قضية الفنانه سهير في هذا الصدد ) بعد ذلك
دخل على التعليم ليفسده ولقد تحقق له ما أراد حيث أتى
على خير ما فيه وأكل منه سنوات ومقررات ـ أكل من السنوات
الصف السادس الابتدائي ونزع من المقررات ما أفسد كل شئ
وجعل التعليم جثه هامده ، ثم دخل على مجلس الشعب ليكون
منذ اللحظه الأولى مثلث الرعب مع كمال الشاذلي ويوسف
والي حيث كونوا حائط صد أفسد العديد من الاستجوابات وكل
محاولات الاصلاح وواجهوا الشرفاء بعنف وغطرسه حتى أدخلوا
البلاد في نفق مظلم في أكبر عملية تضليل وترويض لم تشهد
لها البرلمانات مثيلاً !!!
وفيهم أقول :
الشاذلي ـ والي ـ سرور *** خلو العروق تسخن
كــتبوا عـليـــــهم زور *** مِـد ـ إن ـ إيجبـشـن
وان كان وجودهم نـور *** يبقى العمـى أحسن
خــلوا الأراضــي تـبور *** خـــلوا السلـيم يئن
ولــكــل واحــــد دور *** ودبــور علــينا زن
لا بــيــطلعوا بالـــدور *** ولا يخــرجوا بالسن
ح نقِــيد عـليهم نـور *** يــمكن يكونوا جن
إنهم معضله قبلها الشعب كالرمد على مضض ، وأصبحت طلعتهم
علينا تجلب الكآبه في الوجوه والمراره في النفوس ، وكم
أحزنني أن يقوم الدكتور سرور بطرد عضو برلماني قدير (
الأستـاذ كمال أحمــد ) الذي جاء ليناقش لا ليبصم ،
ويعترض لا ليصفق ـ وقد استند سرور في طرده على أغلبيه
مضمونه جعلها أداه قانونيه لتبرير أفعاله ولكن على من
تنطلي هذه الممارسات التي هي في أدنى تعريف مهذب نوع من
الدكتاتوريه وفرض الرأي بالقوه ـ حتى وإن سلمنا بأن
العضو قد أخطأ فما كان لسرور أن يطرده لأن طرده إهانه
للشعب الذي اختاره .
لقد جاء الصباع الأخير في بيان الحكومه كبيراً بحيث يغطي
كل أرجاء مصـر ، والذي حسبه الظمآن ماء فلمه سمعه لم
يجده شيئاً ، ووجد الشيطان عنده يخرج لسانه .
أسأل الله أن يتوب علينا ويرحمنا من تلك الوجوه الكئيبه
والأصابع القذره التي ما عاد لها مكان في أجسادنا من
كثرتها .