بقلم : علي العبد الله
تعددت المواقف الأميركية التي تشير،
بالتلميح تارة وبالتصريح أخرى، الى حتمية ضرب العراق في اطار خطة للاطاحة بالرئيس
العراقي صدام حسين. فقد جاءت تصريحات وتحركات اميركية عديدة وكأنها تحضر المناخ
السياسي، الاقليمي والدولي، لاعلان الحرب على العراق: تلميحات حول علاقة العراق
بهجمات (11/9) (لقاء سفير عراقي بمحمد عطا احد منفذي هجمات 11/9)، شهادة 3 معارضين
عراقيين حول قيام العراق بتدريب عرب على خطف طائرات مدنية، ربط بين العراق ونشر
مرض الجمرة الخبيثة في اميركا (قدم التقنية اللازمة لانتاج الفيروس، تورط العراق
في تفجير مركز التجارة العالمي الاول من خلال علاقة رمزي يوسف بالعراق (كان عميلا
للعراق دخل اميركا بجواز سفر عراقي). لذا جاء حديث كوندالسيا رايس (مستشارة الامن
القومي) حول استحالة التعايش مع صدام حسين، وحديث مارك غروسمان (نائب وزير
الخارجية) عن <<التخلص من الرئيس صدام حسين واقامة نظام ديمقراطي حر يمثل
كافة الاطراف والفئات العراقية>>، وزيارة راين كروكر لشمال العراق، ونقل
قيادة القوات البرية الاميركية الى الكويت، ليشير الى إمكان تحضير عمل عسكري ما
قريب ضد العراق.
غير ان هذا لم يكن التوجه الوحيد، حيث
جاءت تصريحات اميركية مغايرة: اعلان وزير الخارجية كولن باول <<لم يتخذ قرار
بشأن العراق>>، واستبعاد لفكرة تطبيق السيناريو الأفغاني: <<انهما
دولتان ونظامان مختلفان، بقدرات عسكرية مختلفة>>، ليؤكد وجود تباين داخل
الادارة في التعاطي مع الموضوع. وقد ربط بعض المعلقين بين تباين المواقف داخل
الادارة الاميركية بظهور ممانعة دولية، حيث عارضت روسيا ضرب العراق وحذّرت دول
اوروبية (المانيا، فرنسا، بريطانيا) واشنطن علنا من القيام بخطوات فعلية ضد
العراق، بالاضافة الى تحفظ تركي وايراني وعربي، ومع ملاحظة تباين في الموقف العربي
حيث اعتبر حديث بيان قمة مجلس التعاون الخليجي الاخيرة (مسقط 30/12/2001) عن ضرورة
تطبيق العراق للقرارات الدولية دعما للموقف الأميركي.
في حين رأى معلقون آخرون ان نفي الوزير
باول لا يعني استبعاد عمل عسكري ضد العراق بالمطلق فنفيه يتعلق بالوقت الراهن ولا
يتعلق بالمستقبل حيث تنتظر واشنطن <<تحييد روسيا (نصير العراقي القومي)
والذي، ان حصل، سيجعل المجال مفتوحا للقيام بخطوة عسكرية ضد العراق>>.
مذكرين بقول باول نفسه: <<ان الادارة الاميركية في بحث دائم عن سبل قلب نظام
الرئيس العراقي صدام حسين>>.
وربط هؤلاء المعلقون عملية تحييد روسيا
باعادة فتح ملف عودة المفتشين الدوليين الى العراق، حيث ان اخفاق واشنطن في ربط
العراق بهجمات (11/9) قد اعاد قضية العراق الى وضع ما قبل (11/9)، ودفع بوش الى
مطالبة العراق بالسماح بعودة المفتشين محذرا بغداد <<سيعرف صدام حسين الثمن
الذي يجب ان يدفعه اذا لم يوافق على عودة المفتشين>>.
ان عودة واشنطن الى طرح فكرة عودة
المفتشين الدوليين الى العراق، يشير الى سعي واشنطن الى استثمار الرفض العراقي
المتوقع لإحراج روسيا واحتواء معارضتها ضد العراق، خاصة بعد ان أبدت واشنطن
استعدادها لإعادة النظر في القرار 1284 حول العقوبات الذكية ومنحت روسيا فرصة
لاقناع العراق بذلك، مع علم مسبق بصعوبة المهمة.
لقد وضع التكتيك الأميركي الكرة في
الملعب العراقي مع امل ان تضع بغداد العالم، امام الخيار الصعب وتفسح لواشنطن
المجال لتصعيد الموقف الى درجة استخدام القوة العسكرية وضرب العراق.
ان عقدة الموقف تكمن في ذلك الاستخفاف
الذي تعاملت به القيادة العراقية مع ما يحضّر للعراق، وتحويلها هذا الاستخفاف الى
استراتيجية حيث عادت الى لغة الرفض والتحدي دون النظر بجدية الى نمط الخطر المحدق،
والذي سينهي حالة المراوحة بين الضعف والانهيار السابقة بالانتقال إلى حالة حرب،
وربما تقسيم البلاد الى عدة دول، مما يستدعي اعادة نظر شاملة في خيارات النظام
الداخلية والعربية والدولية، تسحب الملف العراقي خارج حالة الاستقرار الاميركي،
تبدأ بإعادة ترتيب البيت من الداخل بإصلاح ذات البين بين السلطة والمجتمع، خاصة
الأكراد والشيعة.
ان اعتماد سياسة داخلية وعربية حصيفة
تفتح الباب أمام ممانعة داخلية وعربية تلجم الرغبة الاميركية في اتمام اغلاق ملف
حرب الخليج الثانية بالإطاحة بالنظام في بغداد. والتي الرغبة الأميركية تهدد
المنطقة العربية بالفوضى او بحرب ممتدة تسمح لواشنطن بالقفز الى دول عربية اخرى
(سوريا، لبنان، مصر، السعودية) تعاقبها على ممانعتها وتميزها عن الموقف الأميركي
في قضايا <<الارهاب>> ورفضها ضرب بلد عربي. كما يسمح التفاهم مع الامم
المتحدة حول التفتيش على اسلحة الدمار الشامل ورقة للدول الممانعة للجم الاندفاعة
الاميركية، خاصة وان زيارة المفتشين، اذا لم تجد مخالفة للقرارات الدولية ذات
الشأن، سوف تزيد من الشرعية الدولية للنظام.