متي يفكر العرب بعقولهم؟

 

بقلم : محمد عبد اللطيف حجازي

mehegazi@yahoo.com

 

حينما هاجرت من مصر في منتصف الستينات لم أكن أعرف عن ديانتي سوى أنها الإسلام. وبعد بضعة سنوات بالمهجر أسقط في يدي حينما سألني أحد زملاء العمل - وكان مدرسا للتاريخ - عما إذا كنت مسلما سنيا أم مسلما شيعيا، وأجبته بأنني لا أدري وأن الإسلام بالنسبة لي هو دين واحد. ابتسم الزميل وقال لي أن هناك صنوفا كثيرة من الإسلام فهناك الشيعة والسنيون والوهابيون والصوفية وغيرهم. قلت له إن تلك فيما أعلم نزعات أو ميول معينة ولكن الإسلام دين واحد لا ينقسم إلى شيع. فابتسم الرجل متعجبا ربما من جهلي وقلة درايتي بهويتي الدينية.

 

اتضح لي بعد سنوات سر ابتسامة الزميل الأسترالي بعد قراءتي للمصادر الأجنبية، حيث اكتشفت أنني "مسلم سني" طبقا لتعريفاتهم التي تقول بأن غالبية المصريين المسلمين من أهل السنة. ووجدت بعد سنوات أخرى أن الأخوة اللبنانيين هنا يطلقون على أنفسهم "مسلم علوي" و "مسلم شيعي" ويكتبون ذلك على هوياتهم، واكتشفت أن هناك فروقا لم أتمكن من تمييزها على وجه التحديد ما بين أن تكون علويا أو شيعيا. فما هو سر تلك الفوضى الدينية يا معشر المسلمين؟

 

بعد عشرات السنين هداني عقلي إلى أن تلك التقسيمات صناعية وأن تعميق الفروق بشأنها أمر لا يخدم الإسلام أو المسلمين في شيء، وأنها أوضح في الكتابات الأجنبية ويتم التركيز عليها ربما بهدف ضرب المسلمين وتشتيتهم والنيل منهم ومن دينهم. ألا يمكن توحيد تلك الفروق والاتفاق بين أئمة تلك الشيع والمذاهب على اتباع أسس موحدة يتم التراضي بشأنها؟ أليس ذلك أفضل من الإفتاء بأمور غريبة وشاذة من آن لآخر؟ أم أننا سوف ننتظر حتى نمكن اليهود منا كما فعلوا بالدين المسيحي فمزقوه شر ممزق بالعالم الغربي، ثم استداروا إلينا لمحاربتنا بالإرهاب. أم لعلنا قد تركنا الأمر للسيد جورج بوش الابن ليكتب لنا دينا موحدا بعد تنقيته من شوائب الجهاد وغيره من المبادئ المهددة لأمن وسلامة اليهود. لقد بدأ هذا الاتجاه بالفعل وصدرت تعليمات السادة الأمريكان للأذناب بمصر والحجاز بتعديل المناهج الدراسية. وأغلب الظن أن وكلاء أمريكا الذين يحكموننا قد شرعوا بالفعل في إصدار تعليماتهم لموظفي الدين لكي يبدؤوا العمل سريعا. وربما خرجوا علينا بمذهب جديد هو الإسلام المحسن "مارك ون Mark 1".

 

ما هي وظيفة "المؤتمر الإسلامي" على وجه التحديد؟ إن العقل يفترض أن أهم وظيفة له هي محاولة التقريب بين تلك الشيع وإزالة الفوارق المصطنعة بينها والتي قد تعصف بالدين كله، خاصة وأن تلك الفروق يتم بمكر تجسيدها في المظهر والملبس هذه الأيام. لن أعجب إذا ما دارت الأيام ووجدنا أن هناك إصبعا يهوديا وراء كل هذا التضاد في مظهر تلك الفرق الإسلامية وتجسيد الفروق بينها.

 

إنني أقرأ كل يوم بساحات النقاش العربية لأفراد يصفون "الشيعة" بوصف "الرافضة" ثم يردون على أنفسهم بسب "قتلة علي". قد يختلف المسلمون على بعض الأمور البسيطة التي لا تمس جوهر الدين، لكن مثل هذه الخلافات لا يمكن أن تصل درجة التنابذ والسباب وتصفية حسابات أهيل عليها تراب الزمن لقرون عدة. يجب على المستنيرين من أئمة كل تلك المذاهب أن يجتمعوا وأن يتفقوا وأن يفتوا بتوحيد المقاييس، حتى يتم قطع دابر كل تلك الخلافات سواء كانت حقيقية أو من صنع اليهود .

 

أكبر فاجعة سببتها تلك الخلافات المذهبية كانت حرب إيران والعراق التي لا أجد لها تفسيرا منطقيا حتى يومنا هذا. لقد ألبس أعداء الإسلام ذلك الاقتتال السياسي رداء دينيا ووقف عدونا الأكبر - أمريكا الصهيونية - يتفرج ضاحكا حينئذ ويزود الفريقين بالسلاح. فأين كانت عقول المسلمين من الفرس والعرب؟ وأنا هنا لا أشدد اللوم على أخوتنا الفرس، فقد فرضنا عليهم القتال ذودا عن النفس. بل إن المرتزقة منا نحن المصريين قد حاربوا بالجيش العراقي ضد الجيش الإيراني، تماما مثلما حاربوا مع الجيش الأمريكي ضد الجيش العراقي فيما بعد.

 

إن أشرف الحكومات وأكثرها وطنية وإيجابية وخدمة لشعبها وشعوب المنطقة في يومنا هذا هو حكومة إيران. لقد تفوق أخوتنا الفرس علينا نحن العرب وتفوقوا على الفرنجة فأقاموا حكما أكثر تمثيلا للناس، يتدرج رابطا بين الدنيا والدين ويقدم للعالم نموذجا يحتذى. وكانوا وما زالوا وراء كل عمل شريف ناجح لمقاومة الأعداء بعالمنا العربي المتخاذل، وهم أكثر فهما منا لأوضاعنا السياسية العجيبة. لابد لنا والأمر كذلك أن نجاهد لكي نخرس صوت الأعداء والجهلاء منا، ذلك الصوت القائل بأن بين العرب والفرس عداء تاريخيا، فهذا قول مغرض يهدف إلى إحداث الفتنة والوقيعة، حتى لو كان صادرا عن ملك أو أمير من أمراء النفط والتخاذل والتبعية والعمالة.

 

على عكس حكومة إيران المنتخبة نجد أن حكوماتنا العربية اليوم كلها فاسدة، كل على طريقتها وبدون استثناء. فهي إما حكومات قبلية عشائرية تنهب ثروات شعوبها لحساب عائلات ملكية أو إماراتية زرعها المستعمر قبيل رحيله ليضمن ولاءها، أو حكومات دكتاتورية تقف زورا تحت مظلة جمهورية لتسرق ثروات شعوبها لحساب أسرة الحاكم وأذنابه. الشكل يختلف والمضمون واحد هو الحكم الأبدي ضد إرادة الشعوب التي لا تختار حكامها ، والسلب والنهب وفرض الفقر والجهل على السواد الأعظم من الشعب العربي.

 

وأما الديمقراطية الغربية فقد ثبت عقم نظامها حتى الآن لأنه لا يتضمن وسيلة دفاعية تمكنه من التحرر من سيطرة اليهود. الشعب الأمريكي ومعظم شعوب أوربا - مثلنا نحن العرب - يقاسون من نظم لا تمثلهم. الغرب يحكمه اليهود ونحن يحكمنا الأفاقين والأذناب الذين يسيطر عليهم أيضا اليهود في نهاية الأمر. الفارق الوحيد بيننا وبين أهل الغرب الديمقراطي هو أن نظامهم يشمل قوانين الضمان الاجتماعي التي تضمن حدا أدنى من الدخل لكل فرد يحفظ عليه آدميته، وأن الكبت السياسي لديهم لا يشمل الاعتقال والسجن بدون تهمة أو محاكمة، فمن حق الجميع إبداء الرأي بكل حرية بدول الديمقراطية الغربية دون أن يستمع لهم أو يكترث بهم أحد، خاصة فيما يتعلق بالخطوط السياسية العريضة التي ترسمها الأحزاب الواقعة في دائرة نفوذ الصهيونية العالمية.

 

 وحتى ذلك الفارق بيننا وبين الغرب الديمقراطي - الذي يحرم لديهم الاعتقال بدون محاكمة - فإنه قد بدأ يتلاشى في الولايات المتحدة، إذ يبدو أن اليهود قد أعجبتهم تلك الجزئية من نظم القمع العربية فأرادوا اقتباسها في أعقاب الضربة الإسرائيلية لأمريكا في 11 سبتمبر. ربما يقتبسون أيضا نظم التعذيب بالسجون المصرية والفلسطينية لتصبح جزءا من النظام الديمقراطي الأمريكي العالمي الجديد. لقد قال لنا فلاسفة الصحافة الحكومية أن العالم قد أصبح "قرية صغيرة" فلا تعجب إذا وجدت ما يشبه "زنزانة الحجز" المصرية في مخفر أمريكي أو رأيت رئيس مركز "أبو طشت" ذات يوم في ملابس "كاوبوي" تتدلى من حزامه "تقصيرة العرس" تسألني ما هي "تقصيرة العرس" التي لا تجدها في "مختار الصحاح"؟ هي هراوة غليظة كان الفلاح المصري يستخدمها في عراكه، ويبدو من اسمها أنها كانت أصلا مخصصة لقتل العرس (بكسر العين وفتح الراء) التي كانت تمتص دماء الدجاج وتقضي في ليلة واحدة على كل دجاج الفلاح المسكين. وهي حيوانات خبيثة إذا وقعت في مأزق فإنها تستلقي متوقفة تماما عن الحركة وتطلق رائحة نتنة لتوهم المهاجم بأنها ميتة. تستطيع اليوم مشاهدتها مع الفئران السمينة تجري ليلا بين أكوام القمامة في شوارع القاهرة المتسخة، في حرية تامة يحسدها عليها آلاف المعتقلين السياسيين بسجوننا المباركة، هؤلاء الذين لا يفكرون في قتل الدجاج وإنما قد أصابهم داء الوطنية وحب الوطن، وهو مرض عضال يحاولون اليوم علاجه بالتعليق من الأرجل والصدمات الكهربائية وأشياء أخرى .