2001 عام الخوف المتزايد
والتضامن غير المسبوق
بقلم : هارولد ميرسون
*
كلنا سيتذكر ان العام الذي انتهى لتوه بمجموعة المشاهد
التي صورت مركز التجارة العالمي، وهو يتعرض للهجوم ثم الانفجار والانهيار. لم يحدث
منذ عام 1941، الذي طغت عليه مشاهد الدمار في بيرل هاربر، ان اصبح مشهد واحد بعينه
سمة مميزة للعام مثلما حدث في 11 سبتمبر (أيلول) الماضي.
غير ان القصة الحقيقية لعام 2001 تركز في واقع الامر على
رد فعل الاميركيين الذي تلخص في الخوف والتضامن، فالخوف كان شاملا وفي كل مكان،
رغم انه كان أكثر حدة في المدن الشمالية. أما الامر الاكثر اثارة للاهتمام، فهو
التمكن من احتواء الخوف، إذ لم يؤد الاخير، كما توقع الكثيرون، الى اعتداءات واسعة
على العرب والمسلمين الاميركيين مثلما حدث للاميركيين من اصل ياباني لدى اعتقالهم
ابان الحرب العالمية الثانية.
قادت اعتداءات 11 سبتمبر الى توفير الارضية السياسية
اللازمة لارتكاب انتهاكات غير مبررة للحريات المدنية من جانب وزارة العدل
الاميركية، وليس ادل على ذلك من اقتراح الوزارة الخاص بتعليق سلطة المحاكم المدنية
في التعامل مع القضايا المتعلقة بالجانب الامني. مرة اخرى اصبح ارتباط الاميركيين
بالحريات المدنية في زمن السلم من أشياء الماضي، بيد ان ما تغير ليس هو الرأي
العام الاميركي ولكن رغبة الحكومة واستعدادها لتعليق الضمانات الدستورية للحريات
المدنية.
واذا تركنا الخوف جانبا، فإن الشيء الذي كان ملحوظا
ولافتا للانظار هو التضامن الذي كان بمثابة سند وتأييد لاغراض الحرب ومتابعتها على
السواء. لي ثمة شك في ان النزاع الحالي بات بمثابة نقيض لفيتنام التي لا تزال تمثل
خطا فاصلا في السياسة الاميركية حتى الآن. نقاط الخلاف هذه المرة كانت محدودة، فقد
كان هناك اتفاق بين الليبراليين والمحافظين على السواء غداة اعتداءات 11 سبتمبر
حول واقع الخطر الذي يواجه الولايات المتحدة وطبيعة اعدائها. واذا كانت حركة
طالبان تجسيدا للارتداد الى العصور المظلمة، فان شبكة «القاعدة» تبدو اكثر سوءا
وشرا، اذ تمثل زمرة متشددة، والهوس الديني هو القاسم المشترك بين افرادها الذين
ينظرون الى التعددية والمجتمع المفتوح بمثابة العدو اللدود.
معارضة الحرب جاءت في وقت سابق من بعض قطاعات معسكر
اليسار الذي درج على انتقاد الدور الاميركي في العالم على نحو لم يستطع معه تغيير
موقفه عندما تعرض مدنيون اميركيون الى هجوم قاتل بات يتهدد الليبرالية نفسها.
وتكمن المفارقة في ان اليسار صمت تماما عندما بدأت الولايات المتحدة هجومها
المضاد، في الوقت الذي بدأ فيه العديد من الناقدين اليمينيين الشكوى من ان الحرب
ليست بالقوة الكافية المتوقعة. وفي حقيقة الامر، فإن ادارة الرئيس جورج بوش خاضت
حربا سريعة مستخدمة تقنيات متقدمة وعادية على السواء مع التزامها جانب التناسب
كواحد من القيم الليبرالية الاساسية التي ظهرت كرد فعل لفيتنام. من الوضح ان هذه
الحرب ليست حربا تستطيع الولايات المتحدة فيها تدمير قرية او دولة بغرض انقاذها.
فالحاجة الى ايجاد التأييد اللازم للولايات المتحدة في منطقة الشرق الاوسط واماكن
اخرى، وحتى داخل الولايات المتحدة، أملت على واشنطن انتهاج استراتيجية
تعطي اهمية خاصة لتجنب الخسائر في اوساط المدنيين والعسكريين الاميركيين على
السواء. ويمكن القول ان ادارة الرئيس بوش نجحت حتى الآن في تحقيق انجاز بارز يتمثل
في انها انتصرت حربا نجحت فيها ميدانيا دون ارتكاب اعمال من النوع الذي يؤدي الى
خسارة التأييد الذي تتمتع به وسط الدول الاخرى وعلى مستوى الشارع الاميركي ايضا.
وأبدى الشعب الاميركي تضامنا من نوع آخر كرد فعل على
اعتداءات 11 سبتمبر الماضي لم يقتصر على دعم الحرب فحسب، بل تعدى ذلك الى مساندة
بعضهم بعضا ومساندتهم لاهداف الدولة الرئيسية ومؤسساتها العامة. وتعدت نسبة
التبرعات للجمعيات الخيرية ما كان متوقعا، كما ان ثقة الشارع بالحكومة والقطاع
العام كانت امرا مثيرا للاهتمام. فعندما صعد عمال الاطفاء الى طوابق مركز التجارة
العالمي اتخذ مفهوم الخدمة العامة شرعية لا ينبغي ان تفتقدها تحت أي ظرف من
الظروف. يضاف الى ما سبق ان نتائج استطلاعات الرأي التي اجريت منذ الهجمات
الارهابية اظهرت ان ثلثي الاميركيين اكدا على ثقتهما بالحكومة، وهذه اكبر نسبة من
الاميركيين تؤكد مساندتها للحكومة لأول مرة منذ ما قبل فيتنام. واشارت نتائج
الاستطلاعات كذلك الى ان نسبة كبيرة من الاميركيين تؤيد التعامل مع المشاكل
الاقتصادية بصورة جماعية. كما اشارت نتائج سلسلة من
الاستطلاعات الى نسبة كبيرة للمؤيدين لمشروعات الاعمال العامة، مثل بناء المدارس
والبنيات التحتية للنقل، بدلا من خفض الضرائب لتجنب أي ركود اقتصادي مدمر.
هذا الامر كان بمثابة لغز لادارة الرئيس بوش التي لا
تزال تنظر الى الحكومة كمشكلة وليست كحل في كل القضايا ما عدا الحرب. وفيما يتعلق
بتوحيد الاجراءات الامنية في المطارات الاميركية تحت ظل نظام فيدرالي، لم يجد بوش
سبيلا سوى المصادقة على ذلك في ظل المشاعر العامة المؤيدة لتوسيع
هذا الاجراء، غير انه ظل على مواقفه التي تبناها ازاء الحكومة منذ دخوله البيت
الابيض.
الثبات وعدم التغيير من السمات المميزة لرئاسة بوش خلال
اول عام له في البيت الابيض، فقبل اعتداءات سبتمبر كان بوش مرتبكا، لكنه تميز
باللطف، ومنذ الاعتداءات ظل مرتبكا، لكنه مسيطر على الاوضاع. وبعض المتابعين
يعتقدون ان الرئيس بوش صاحب بلاغة هادئة، لكنه لم يظهر ما يشير الى مقدرته على
الاقناع. كما حالفه الحظ في استمرار النزاع في افغانستان على نحو سلس، فضلا عن ان
رئيس الوزراء البريطاني توني بلير تدخل لاقناع بعض الدول الاخرى المتشككة في جدوى
الحرب على الارهاب. وحالف الحظ بوش في ضم ادارته لكولن باول (وزير الخارجية)
ودونالد رامسفيلد اللذين يتمتعان برؤية استراتيجية متميزة من واقع تجربتهما في
المجال العسكري. عندما تسلم بوش الرئاسة ابدى اجندة محافظة بعض الشيء تمثلت في
اتخاذ موقف من جانب واحد فيما يتعلق بالسياسة الخارجية مع التزام جانب عدم تدخل
الولايات المتحدة، كما انه استطاع التمسك بهذه السياسات المعلنة. خلال الاشهر
الاولى لرئاسته أعلن بوش اعتراضه على اتفاق كيوتو الخاص بالتسخين الحراري العالمي
واتفاق الارهاب باستخدام الاسلحة البيولوجية ومعاهدة اعتراض الصواريخ الباليستية.
وفي الوقت الذي يئست فيه دول حليفة للولايات المتحدة من مشاركتها في أي مبادرات
عالمية، اجبرت احداث 11 سبتمبر الرئيس الاميركي لحشد تحالف دولي لشن حرب على
الارهاب، غير انه من الصعب تخيل استمرار هذا التحالف في حرب طويلة ضد الارهاب في
ظل ازدراء الولايات المتحدة لحلفائها في بعض الاحيان.
وفي مجال السياسة الداخلية ثَبَّتت ادارة بوش قدميها في
مجال واحد ـ هو خفض الضرائب على الاغنياء. فقد وصل بوش للبيت الابيض كما لو انه (الرئيس
الاسبق) رونالد ريغان عام 1981، يتعامل مع هامش نصره الذي بلغ 540 ألف صوت سلبي،
كما او انه تفويض للتقليل من حجم الحكومة.
وفي البداية دافع عن ضرورة
انفاق فائض الحكومة ليس على المدارس والرعاية الصحية بل لخفض الضرائب على
الاغنياء. وبمساعدة من الليبراليين من اعضاء الحزب الديمقراطي في مجلسي النواب
والشيوخ، تم اقرار برنامج خفض الضرائب، ولكن ومع اقتراب الركود ولمواجهة الصدمة
الاقتصادية للحرب، أعلن ان ما تحتاجه الامة هو ـ رجاء دق الطبول ـ المزيد من خفض
الضرائب على الاغنياء وعلى الشركات التي اجبرت على دفع الحد الادنى من الضرائب
طوال الخمس عشرة سنة الماضية. وبما ان معظم اجراءات خفض الضرائب لن يبدأ تطبيقها
الا قبل عدة سنوات، فإن التأثير المحفز لهذه التشريعات يبدو كأنه غير قائم، لدرجة
ان اكثر الديمقراطيين ليبرالية رفضوا اقرار تلك التخفيضات. ومع نهاية العام، فإن معظمهم
توصل الى قناعة بأن هدف البيت الابيض في عهد بوش هو خلق عجز فيدرالي يؤدي الى
انكماش الحكومة الفيدرالية. ومع انتشار الركود وزيادة عدد الاميركيين الذين لا
يحملون تأمينا صحيا، فيمكن القول ان هذه سياسة لا يمكن ان تعجب بها الا شخصية
محافظة جنوبية، ولكن المحافظين الجمهوريين يسيطرون بقوة على الحزب الجمهوري في
البيت الابيض والكونغرس.
وبالرغم من كل شعبية بوش، فإن عام 2001 لم يكن سنة
سياسية سيئة بالنسبة للديمقراطيين. ففي نوفمبر استعاد الديمقراطيون منصبي حاكمي
ولايتي نيوجيرزي وفيرجينيا، وهي نتيجة سيئة بالنسبة للحزب الجمهوري لدرجة ان البيت
الابيض صمم على اقصاء زعيم الحزب. واستمر التحول الاجتماعي لاحياء الضواحي الى
الديمقراطيين، الذي كان واضحا في التسعينات.
وظهرت الغيوم السياسية بالنسبة للديقراطيين عام 2001 في
اماكن، حيث كانت لديهم اغلبية ساحقة. ففي نيويورك ولوس انجليس وهما من اكبر المدن
الاميركية فقد اثنان من المرشحين الديمقراطيين ترشحيهما نتيجة للتوتر العرقي داخل
التحالف الديمقراطي. وبصورة اخرى قضى الديمقراطيون العام الماضي في محاولة غير
ناجحة بكل وضوح لتوسيع تحالفهم القديم بين البيض والسود والليبراليين في الاحياء الحضرية
لكي يشمل السكان اللاتين.
ان اهمية اكتساب مزيد من دعم ابناء اميركا اللاتينية كان
واضحا في ادارة بوش، حيث تكهن كارل روف المنسق السياسي بمستقبل مظلم للحزب
الجمهوري، بصفة عامة ولرئيسه بصفة خاصة، الا اذا امكن اقناع الصوت اللاتيني
بالتصويت لصالح الحزب الجمهوري، وبأعداد كبيرة. وتبنى روف اهم مبادرة سياسية في
الادارة الحالية ـ وهي الجهد لمنح وضعية قانونية الى ملايين من المهاجرين الذين لا
يحملون وثائق، على امل في دعم التأييد اللاتيني. وهذه المبادرة كانت من ضحايا
أحداث 11 سبتمبر، التي جعلت سلامة الحدود وأمنها ضرورة مباشرة، الامر الذي قضى على
احتمالات اتخاذ اجراءات سريعة في مجال اصلاح قوانين الهجرة.
كما كان التحول الاكثر اتزانا بالنسبة لاحتمالات
الجمهوريين عام 2001 هو الركود الذي بدأ واضحا انه كان في مرحلة تباطؤ في الربيع
والصيف، الا ان وتائر التباطؤ تسارعت بعد هجمات سبتمبر. لقد كان الانخفاض عالميا.
وبالرغم من ان بعض الاقتصادات تكهنت بتباطؤ النشاط الاقتصادي، فلم يتمكن احدها من
تحديد المنشط اللازم لاستعادة الاقتصاد امكانياته.
وحتى في السنة التي شكلنا فيها تحالفا عالميا للدفاع عن
قيم المجتمعات المفتوحة ضد كراهية تلك المغلقة على نفسها، فإن رؤيتنا العالمية
تبقى منقوصة. لقد قدمنا العديد من الوجوه المربكة والمحيرة الى العالم خلال العام
الماضي. واظهرنا السلوك الفعلي للحرب، على العكس مما هو متوقع، في افضل حالاتنا
الانسانية والحساسية لاحتياجات الدول والشعوب الاخرى. ولقد اظهر نظام الدولة لدينا
ـ من كارثة عدم التدخل في النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي الى رفضنا لعدد من
المعاهدات الهامة ـ اننا متحكمون تسيطر علينا النزوات، نشعر بعدم الراحة مع مبدأ
المسؤولية العالمية. كما أظهرنا اقتصادنا بأننا في اقصى حالات التنظير والتفكير
الضيق المحدود ـ ومن مؤيدي المؤسسات المالية غير المهتمة بحقوق الانسان في الصين
وحق تقرير المصير في الارجنتين.
لقد شهد العام الماضي التحام الشعب الاميركي وهو يعاني
من صدمة مخيفة لتأكيد وطنيته وقيمه المشتركة ـ واهمها التسامح والانفتاح، قطبا
المجتمع الديمقراطي المعاصر. وفي تعاملاتنا الاخرى مع العالم، سنحقق نتيجة افضل
اذا لم نتركهما خلفنا في ميادين المعركة.
·
المحرر
التنفيذي لـ«أميركان بروسبكت» والمحرر السياسي لـ«إل ايه ويكلي»