بقلم : جيمس زومولت
*
قبل وقت طويل من انهيار مقاتلي طالبان وسقوط معقل تنظيم
«القاعدة» تورا بورا في افغانستان، كان المسؤولون في البيت الابيض يفكرون في
الضربة التالية للارهاب، وكان العراق واحداً من الاهداف المحتملة. لكن قبل الهجوم
على العراق يفترض مراعاة العديد من الامور وفي مقدمتها قدرات الجيش العراقي
القتالية.
تتضارب الآراء حول قدرات الجيش العراقي، اذ يرى البعض
انه قوي، ويعتقد غيرهم عكس ذلك. شخصياً يمكنني القاء بعض الضوء على ذلك مستفيداً
من الفرصة التي اتيحت لي اثناء حرب الخليج حيث شاركت في التحقيق مع ضباط عراقيين
كبار تم اسرهم انذاك.
لقد انهار الجيش العراقي بعد دخول القوات الاميركية
البرية الى الكويت والعراق، واوكلت لي رئاسة فريق للتحقيق مع عشرة ضباط عراقيين من
قادة الالوية والكتائب الذين قدموا معلومات مدهشة عن قدرات، او بالاحرى عن نقاط
العجز، في القوات العراقية التي بدت من خلال المعلومات المدونة على الورق وكأنها
نمر قوي قادر على الهجوم والدفاع، ولكنها في الحقيقة اشبه بنمر من الكرتون.
تمثلت نقطة قوة الجيش العراقي في ارادة وتصميم
الديكتاتور صدام على بناء آلة حربية ضخمة، ولكن من هذه النقطة ايضاً انبثق ضعف
الجيش العراقي. لقد اتضح ان جيش صدام لم يرعب فقط جيران العراق، وانما اخاف الرئيس
نفسه، وكانت عواقب ذلك ان واجه الجيش العراقي القوات الاميركية في فبراير (شباط)
1991 وهو يعاني من نقص الكفاءة على مستوى القيادة، وفي التدريب وغياب الدافع
القتالي.
في عام 1990 افتخر صدام حسين باستخدامه لعضلات واحد من
اكبر الجيوش في العالم ضد الكويت، الضعيفة عسكرياً اذا ما قورنت بالعراق. لكن
الرئيس كان يخاف على حكمه ايضاً من جيش كبير يمكن ان يهدده، ولهذا حرص على اتخاذ
خطوات لشل امكانيات قواته الضاربة قبل ارسالها ضد الجار الصغير.
احد العناصر المهمة لشحذ قدرات القوات القتالية اثناء
الحروب هو ضمان التدريب الجيد في اوقات السلم. تمارس القوات الاميركية مثلاً على
الدوام تدريبات مشتركة لاختبار وتحسين التنسيق القتالي بين القوات البرية والجوية
والمدفعية. أما الجيش العراقي فقد كان محروماً من القيام
بتدريبات مماثلة لان صدام حسين كان يظن ان التعاون المطلوب بين قادة الجيش وكثرة
اجتماعاتهم معاً ستمنحهم ايضاً الفرصة للتآمر عليه. وبنتيجة ذلك انعدم، بالطبع،
التفاهم بين قادة الجيش فيما يتعلق بالتنسيق او توظيف عناصر القوة على خير وجه بين
القوات البرية من دبابات ومدفعية ومشاة والقوات الجوية التي
قررت الهرب والاختباء اصلاً. لقد عجز القادة العسكريون العراقيون ايضاً عن القيام
بمبادرات لان القادرين منهم على المبادرة الذاتية كانوا يُبعدون تباعاً عن
مواقعهم، او حتى يعدمون بأوامر من الرئيس. لهذا ظن القادة ان من الافضل لهم عدم
اظهار قدرات قيادية وابداعية بل تمنعوا في الابلاغ عن عطل بعض المعدات، او الافادة
عن اعداد وحالات الفرار من وحداتهم.
من المعلومات المستفادة من التحقيق، ظهر ان احدى عمليات
الإبلاغ عن فرار الجند قد ادت الى اعدام القائد المسؤول الذي أبلغ قيادته بالحال،
وعلى الفور بعد انتشار خبر تلك الواقعة انخفضت نسبة الفرار، او بالاحرى عمليات
الابلاغ عن فرار، بينما كانت الارقام في الواقع تشير الى زيادة اعداد الفارين حيث
بلغت نسبة الفرار في بعض الوحدات ثمانين في المائة.
لم يعد هناك اذاً قادة يتخذون المبادرات ويوجهون
العمليات الحربية، وبقي الجند لوحدهم يطورون تكتيكات ذاتية فرضها الواقع عليهم.
مثلاً حين لاحظوا ان الطيران الاميركي يركز هجماته على القوات المحمولة اخذوا
يتركون عرباتهم فور سماعهم أصوات الطائرات.
لم يكن لدى الجيش العراقي في اثناء الحرب أي قدرات
استطلاعية لان الرئيس صدام حرمهم منها، اذ كان يتخوف على نفسه من التأثير المحتمل
للمعلومات بين ايدي قادة قواته الذين اصبحوا هكذا كالعميان لا يعرفون حتى تموضع
قواتهم ناهيك من اماكن انتشار القوات الاميركية والوحدات الحليفة المواجهة لهم.
من العناصر الصعبة المطلوب معرفتها الان لتقييم قدرات
الجيش العراقي هو مدى التزام الجنود بقضيتهم. اثناء حرب الخليج كان الالتزام عند
معظم العراقيين ضعيفاً اذ اعتبروا انه من الخطأ غزو الجارة الكويت. لكن اذا هاجمت
الولايات المتحدة العراق الان فقد تشعر الاغلبية بالتزام اكبر في الدفاع عن بلادها.
في التحليل النهائي ورغم الاعداد الكبيرة للآليات
الحربية العراقية فإن الجيش يعاني اليوم من نقطة الضعف ذاتها التي عايشها قبل عقد
من الزمن، وهي صدام حسين، الذي سيواصل تقييد جيشه طالما شعر باحتمالات الخطر على
نظامه. اذا اتُخذ القرار بالهجوم على العراق بعد افغانستان فإننا سوف نهزم جيش
صدام كما فعلنا قبل عشر سنوات، لكن علينا التأكد هذه المرة من التخلص من
الديكتاتور.
·
عقيد اميركي
متقاعد خدم ضمن قوات المارينز في فيتنام وحرب الخليج