من
أقوال الصحف العالمية
ترجمة وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي
mehegazi@yahoo.com
تتحرك الصحف العالمية دوما في نطاق يبدو عفويا، لكنه غالبا ما يكون
في خدمة الأهداف الأمريكية الصهيونية. هناك تركيز واضح هذه الأيام على الخلاف
الهندي الباكستاني، بصورة تشبه إلى حد ما سيناريو الخلاف اليهودي الفلسطيني. أوجه
الشبه كثيرة فكل من مشرف وعرفات دكتاتور وظيفته الرئيسية هي كبح جماح شعبه لمصلحة
المخطط الأمريكي الصهيوني بمنطقته. وكل منهما مطالب اليوم بزيادة جرعة القهر لشعبه
تحت تهديد السماح لغريمه بافتراسه، وكل من فاجبايي وشارون قد تحرك بعد إعطائه
الضوء الأخضر من أمريكا. ففي أقصى أطراف الدنيا خرجت جريدة "ذي إيج The Age" الأسترالية بافتتاحية يوم 4/1/ 2002 تحت
عنوان "جبهة جديدة في الحرب على الإرهاب" تقول:
(كان لهجوم أمريكا على مصادر الإرهاب
بأفغانستان انعكاسه على مخاوف الهند الأمنية. الأسباب التي أثارت مواجهتها الأخيرة
مع باكستان - فوق أرض منطقة كشمير المختلف عليها - كانت في صورة هجومين إرهابيين
انتحاريين، أحدهما على مجلس الولاية في "ستريناجار" في شهر أكتوبر والآخر
على البرلمان الهندي في نيودلهي في الشهر الماضي. لم تقتنع الهند - ولأسباب وجيهة
- بإنكار باكستان مساعدتها للمهاجمين.
قاد الدكتاتور الباكستاني برفيز مشرف انقلابا عسكريا في أكتوبر 1999،
خلال ساعات من فصله من قيادة الجيش بعد إشرافه على غزو المسلحين الانفصاليين لجزء
من المنطقة الكشميرية الواقعة تحت السلطة الهندية. كانت الهند وباكستان قد توصلتا
إلى اتفاق صلح هش بعد سباق على إجراء الاختبارات النووية في 1998، لكن صدامات 1999
قضت على ذلك التفاهم، مما دفع بالرئيس الأمريكي "بيل كلنتون" إلى القول
بأن "موضوع كشمير قد يكون أخطر مشكلة تواجه العالم اليوم". والآن نجد أن
الحشود العسكرية للغريمين قد وصلت أعلى درجاتها لعقد كامل، مما يهدد بالانفجار في
حرب رابعة بين البلدين.
كانت أولى الحروب تالية لتقسيم الحكم البريطاني في 1947 وتزامنت مع
الحرب التي تلت إنشاء إسرائيل. هناك أوجه تشابه كثيرة بين الحالتين منذ ذلك
التاريخ أهمها أن تطرف القومية الدينية الذي لم يتم الحد منه قد نتج عنه إرهاب عبر
الحدود <الكاتب طبعا يقصد "الإرهاب الفلسطيني"> أصبح الآن
يشكل تهديدا عالميا أوسع، تسبب في تدخل الولايات المتحدة. وقد قيل أن موقف الرئيس
جورج بوش من الجنرال برفيز مشرف هذا الأسبوع كان "قويا وبارد الوضوح".
وهدأ الموقف بعض الشيء حيث خففت الهند من لغة التهديد بينما شددت باكستان من
هجمتها على الانفصاليين الكشميريين ومؤيديهم داخل جهاز مخابراتها فتم القبض على 80
كان من بينهم زعيمان لجماعتين
رئيسيتين أحدهما يدعى مولانا مسعود الأزهر وهو أحد ثلاثة أطلقت الهند سراحهم من
أحد السجون الهندية مقابل 155 مسافرا على متن طائرة هندية مخطوفة. وقد قال مولانا
مسعود حينئذ أن مختطفي الطائرة كانوا "يجهزون للهجوم التالي" وأن
"المسلمين لن يستريحوا حتى يتم تحرير كشمير وتدمير أمريكا والهند". وقد
أكدت الأشهر اللاحقة خطورة عمل تنازلات للإرهابيين.
على باكستان - التي تم إرغامها على التخلي عن وكلائها من الطالبان في
أفغانستان - أن تفعل نفس الشيء في كشمير، حيث لن تحل مشاكل السيادة وتقرير المصير
"حرب مقدسة" أخرى. الجنرال مشرف يعي أهمية حماية الاحترام الذي اكتسبه
مؤخرا وهو في مسيس الحاجة إلى المعونات، ويجب أيضا أن تقوم أمريكا وحلفائها
بتحميله مسئولية تعهده بإعادة الحكم المدني هذا العام. الانتخابات تكون متمشية مع
الكفاح في سبيل الحرية وهي أشد فاعلية من القمع لإسكات الأحزاب الدينية المتطرفة
التي لم تحصل في الماضي على أكثر من 5% من الأصوات.
إن الغرب لا يمكنه تحمل تكرار أخطاء فترة الحرب الباردة حيث ظن أن
العلاقات التكتيكية قصيرة المدى مع النظم الدكتاتورية تؤدي إلى أمن طويل الأمد. إن
الأوضاع الآن لا تترك مجالا للتراخي ولا يوجد هامش للخطأ والأسلحة النووية على
أهبة الاستعداد.)
في تحذير واضح
للأجانب المسلمين بفرنسا نشرت الديلي هيرالد الفرنسية خبرا بتاريخ 4/1/2002 مؤداه
أن البوليس الفرنسي قد قام بعمل حملة على كازينو ليلي في فيليبسبرج للتحقق من
أوراق إقامة العاملين به من الأجانب:
( وقد صرح جيرونيمو
جولييه Geronimo Juliet
المتحدث باسم البوليس بأنه رغم أنه لم يتم القبض على أحد من المقيمين العاملين
بصورة غير قانونية لترحيله فإن حملات التفتيش هذه لن تتوقف. وصرح بأن تلك الحملات
سوف تشمل البيوت أيضا، وأن أصحاب الأعمال قد أعطوا الوقت الكافي لتصحيح أوضاع
إقامة العاملين لديهم وأن وقت الشرطة قد حان للتصرف ولن يتم استثناء أحد.)
أما جريدة "تايمز أوف إنديا" الهندية فقد كتبت في 6/1/2002
تحت عنوان "الهجوم والانسحاب" مقالا تشرح فيه طبيعة العلاقة بين
الرئيسين الهندي "آتال بيهاري فاجبايي" والباكستاني "برفيز مشرف"
وكيف أن آراء الخبراء ترجح انسحاب الأخير "كالدجاجة" من اجتماع رؤساء
حكومات رابطة دول جنوب آسيا بمنتجع "ناجاركوت" القريب من "كتماندو"
نظرا لخوفه من أن يتم "جره فوق جمرات الفحم" بذلك الاجتماع. وتمضي
الصحيفة إلى القول:
(
إن الإرهاب الذي يتخذ من باكستان قاعدة له هو مشكلة عميقة الجذور يؤكدها اتخاذ
الرئيس بوش موقفا متحفظا منها خوفا من أن اتخاذ أية خطوات متسرعة لمقاومة الإرهاب
قد يهدد استقرار الحكومة الباكستانية. ورغم أن ذلك يؤكد مدى عمق تغلغل تلك
الجماعات الإرهابية في باكستان فإن تلك الدولة ترفض مواجهة هذه الحقيقة. ربما كان
من حسنات قمة كتماندو أن يزداد الانتباه ولفت الأنظار إلى تلك الحقيقة.
إن
موقف باكستان من الإرهاب الموجه ضد الهند يشبه موقفها من القاعدة والطالبان، ففي
كلتا الحالتين طلب الجنرال مشرف دليلا على الضلوع في الإرهاب، وقد أظهر بوضوح أنه
إنما انضم للتحالف الذي تقوده أمريكا ضد الإرهاب لكي يدفع عن باكستان التهديد
لسيادتها ولحماية اقتصادها ومصالحها الاستراتيجية.)
ويمضي المقال
كالعادة متهما ثوار كشمير بالإرهاب وأنهم ليسوا مناضلين في سبيل الحرية إلى أن
يختتم المقال بالقول بأن مؤتمر كتماندو يكون قد أدى الغرض منه إذا ما ركز على
مقاومة الإرهاب الذي هو "لعنة تسببت بمفردها في إعاقة جنوب آسيا عن تحقيق
قدراتها الاقتصادية الهائلة". والقارئ لهذا المقال يلاحظ التشابه مع النغمة
الصهيونية الأمريكية التي تدمغ بالإرهاب كل الجهود المحلية للشعوب المحتلة التي
تناضل من أجل حريتها سواء كان ذلك بكشمير أو بفلسطين.
بعيدا
عن حديث السياسة الأمريكية الصهيونية التي تقلب محتويات المعدة نشرت جريدة
"جاكارتا تايمز" الإندونيسية مقالا لمحررها في سنغافورة "مهرو جعفر
Mehru Jaffer " في
6/1/2002 بعنوان "المآذن تقف شامخة بين ناطحات السحاب". إليك الترجمة
كاملة:
(من المثير أن تلحظ العديد من المآذن المتألقة والقباب بين الصلب
والزجاج بمعمار ناطحات السحاب العالية في سماء سنغافورة. والأمر ليس قاصرا على
مسجد واحد وإنما لعديد المساجد التي تتناثر بأرجاء الدولة الجزيرة.
إن
التضاد مذهل ، فمن عظمة "مسجد السلطان" في "كامبنج جلام "Kampung Glamإلى تواضع مسجد حسين
سليمان الذي بنيت جدرانه وسقفه من ألواح الزنك.
لا تساعد العمارة
الفريدة بمفردها على تمييز المساجد وإنما يساعد على ذلك رمزي الهلال والنجم مهما
كان تواضع أسلوب نحتهما. أما العلامات الأخرى لتمييز المساجد فهي صحن الصلاة
الواسع وفي نهايته تجويف المحراب بالحائط وعلى يساره قطعة الأثاث الوحيدة وهي
المنصة التي يقف عليها قائد الجماعة لإلقاء موعظته الدينية.
ورغم أن المسلمين
يشكلون أقلية صغيرة بسنغافورة إلا أن عدد المساجد بها يصل إلى 71 على الأقل ، بنيت
في عصور مختلفة وتختلف في شكل البناء وحجمه ولونه. ويقال أن للإسلام أثر كبير هنا.
الدكتور البكري أحمد
مدير قسم الشئون الدينية بمجلس جماعة الإسلام Majlis Agama Islam
ورئيس
مجلس إدارة مدارس "الإرشاد؟" Madrasah Al-Irsyad
يشعر بأن سنغافورة في حاجة إلى المدارس الدينية madrasah لكي يكون لدى الجمهور
موردا دائما من رجال الدين المثقفين لتعليم وقيادة غيرهم من المسلمين الذين يسهمون
في بناء الدولة. قد يوجد هؤلاء الأساتذة الناشئين في المساجد المتناثرة بالدولة
المدينة.
أما
مسجد مالابار Malabar
Mosque فقد بناه المهاجرون
المسلمون القادمين من الملايو بجنوب الهند، وله واجهة بلون الطاووس الأزرق وقبة
ذهبية. بني مسجد "الحاجة فاطمة Hajjah Fatimah Mosque
في عام 1825 وله برج مائل أكثر شبها بصومعة الكنيسة عنه بالمئذنة. وقد بنته وريثة
ثرية من أهل الملايو وما زالت مياه بئره الجميل تستخدم للوضوء قبل الدخول إلى قاعة
الصلاة عبر الممشى الذي ينفذ إليه ضوء النهار من السقف الزجاجي الذي أعيد بناؤه
حديثا.
أما مسجد خديجه Masjid Khadijah فإن أقواسه ذات أثر مغولي هندي لكن المحراب بالداخل
عليه نقوش إندونيسية. مسجد الأمين Masjid
Al-Amin يشبه مساجد غرب سومطره
ذات الأسقف المائلة. الأعمدة بمسجد عبد الغفور Abdul Gafoor Mosque
المبني عام 1907 ذات طراز قورنثي واللغة المستخدمة بالمسجد هي لغة التاميل التي
يتكلمها المهاجرين القادمين من تاميل نادو Tamil Nadu
بجنوب الهند.
يشتهر المسجد بمنطقة
كامبنج هولاند Kampong Holland بأن موعظته < الخطبة> تلقى باللغة
الإنجليزية. يقع مسجد عمرMasjid
Omar في كامبنج ميلاكا Kampung Melaka بقلب المركز التجاري الرئيسي لسنغافورة. يعود المسجد
لعام 1820 وكانت بدايته كمسجد صغير بناه سيد عمر بن علي آل جنيد Syed Omar bin Ali Aljunied وهو تاجر عربي من بالمبانج Palembang
بجنوب سومطره ثم قام ابنه عمر بعد 35 عام بتقوية المسجد ببناء حجري يتسع لحوالي
500 مصلي وقد تم رسميا إعلانه كمبنى أثري في نوفمبر الماضي. يظل ذلك المسجد مقصدا
للكثير من المؤمنين.
لقد قدم التجار الهنود
والعرب لأول مرة في القرن الثاني عشر مسلحين بالإسلام وليس فقط ببضاعتهم. ما زالت
المساجد إلى الآن مجمعا لهؤلاء التجار في صورتهم الحديثة كموظفي مكاتب يلبسون آخر
طرز الحلل الأنيقة، يلتقون بالمساجد خاصة وقت صلاة ما بعد الظهر في أيام الجمعة.
كان ملتقى السلطان حسين
شاه مع أول زائر بريطاني للجزيرة في القرن التاسع عشر هنا في كامبنج جلام على ضفاف
نهر روتشور Rochor حيث تم تسليم الجزيرة لشركة الهند الشرقية.
لم يكن حي كامبنج جلام
موطنا لأهل الملايو فقط، بل امتد زحف العمران به فأصبح مقرا حضاريا للمسلمين من
شتى البلدان والخلفيات الحضارية وتحول في النهاية إلى أقدم الأحياء الإسلامية
بسنغافورة.
أما مسجد الأبرار Masjid Al-Abrar فيقع بجوار أقدم معبد صيني بوذي، ترى السقالات حول
أعمدته الخضراء المزركشة أشبه بالضمادات الملفوفة بحنان، حيث يقوم عمال التجديد
بإصلاح سريع، واعدين بإعادة المسجد إلى مجده السابق.
يستمر بناء المساجد الفاخرة الحديثة مع
استمرار بناء الضاحية السكنية الجديدة، فمعظم المسلمين لا يمكنهم العيش بلا مسجد
لأن المسجد بالنسبة لهم ليس دارا للصلاة فقط وإنما مكان تجمع للناس لتطهير الأرواح
والأبدان.)
عود إلى حديث اليهود
وأفعال اليهود. نشرت الصحيفة المجرية "براج بوست Prague Post مقالا في 8/1/2002 بعنوان " المعاناة من التعرض" <للحر
أو للبرد> لابد في بدايته من الحديث - كما هي العادة - عن هتلر والعذاب
الأسطوري لليهود:
(
نشرت مجلة كومنويل Commonweal الكاثوليكية
الأمريكية مقالا في أواخر عام 1945 أورد نظرية لها عن مولد "شعور مشترك
بالذنب" في عالم ما بعد الهولوكوست. قالت المجلة بأن إبادة ألمانيا النازية
المنظمة لليهود قد أظهرت ضعف الاستنارة الأخلاقية والروحية والنشاط الإنساني بصفة
عامة. كيف يمكن للمجتمع أن يصف نفسه بالاستنارة إذا ما كان قد اشترك بالسكوت أو
غبره في سياسات الإبادة الجماعية؟)
انتهى
هنا الهدف الأساسي من المقال، وهو الكتابة بصورة قد تبدو عرضية أو تلقائية لتأكيد
حدث الهولوهوكس (الهولوكوست) الأسطوري بصورة غير مباشرة. ألمانيا النازية لم تقم
أبدا بأي عمليات قتل جماعي لليهود، وليتها قد فعلت فتكون أراحت واستراحت، لكن
أسطورة الهولوهوكس هذه هي من وحي خيال الدعاية اليهودية تفرضها آلة دعايتهم
الإعلامية على البشر في التلفاز والسينما والصحافة بصورة سخيفة مملة مستمرة، بينما
يقوم الصهاينة بعمليات الإبادة الجماعية للبشر في أفغانستان وفلسطين وغيرها من البقع
الساخنة التي يشعلون نارها بانتظام لا يسمح للعالم بالتقاط أنفاسه. يمضي المقال
بعد ذلك إلى القول:
(لقد
عصم هذا الشعور بالذنب الفكر الغربي وكبح أذاه في العقود التالية للحرب العالمية
الثانية، وساعد على تنقية الأخلاقيات السياسية وركز النقاش حول انتشار الأسلحة
النووية، وساعد على التوحيد البطيء لأوربا التي كانت مسرحا لأخطر الصراعات
المنظمة، وجعل القادة في الشرق الشيوعي والغرب الديمقراطي ينتبهون للواقع وكيف أن
أي صراع يستخدم الأسلحة المتاحة كان كفيلا بأن ينهي الحياة على الأرض.)
الكاتب
طبعا لا يشير من قريب أو بعيد إلى أن كلا من "الشرق الشيوعي" الذي فكك
اليهود أوصاله و"الغرب الديمقراطي" واقعان تحت سيطرة اليهود المتباكين
من فعل ذلك الهولوهوكس الوهمي. يستمر الكاتب قائلا بأن الخوف من الحرب العالمية قد
منع الحرب وأن الشعور بالذنب قد تحول إلى خوف وترقب زادته الحرب الباردة تعقيدا
حتى عام 1989 حين سقط حائط برلين فتحولت كل تلك المشاعر إلى الرغبة في الرخاء، إلى
أن جاءت بداية الألفية الثانية بذلك الحدث الذي كان بعيدا عن الخيال:
(لن
نتطرق إلى دوافع المتحمسين الإسلاميين الذين قاموا بهجوم 11 سبتمبر، لكننا هنا نود
الإشارة إلى الميراث الدائم الذي خلفه الحدث، كيف تم إحياء ذلك الرعب والشعور
بالعرضة للخطر الذي كان سائدا منذ خمسة عقود بعد الحرب وفي وجود الأسلحة النووية.
لقد وصف السياسي جان رمل Jan Ruml ذلك الشعور مؤخرا
في بلاغة بأنه"شعور دائم بالعرضة" كما لو كان يصف إنسانا بملابس ضئيلة
في ليلة شتاء قارسة البرد. إنه على حق، فكلنا معرضون.
لكن
الشيء البارز هنا ليس العرضة في حد ذاتها وإنما كيف أن ذلك قد تطلب خمس عقود لكي
تتم تذكرة عالم الشمال بأنه لا ضمان لشيء وأن القسوة تعود في دوائر، وأن الخير
والرخاء ليسا ضمانا ضد الغيرة والحسد، وأن القتل والدمار هما الشمولية التي تضمها
طيات الديمقراطية، وأن الاستنارة لها أعداؤها التي يعجز التاريخ نفسه عن هزمهم.
لقد
ضل بعضنا الطريق من البيت مؤخرا معتقدين أننا راشدون بدرجة تحمينا من الضياع على
طريق الخطر. والآن قد يمضي وقت طويل قبل أن نهتدي إلى طريق العودة.)
وهكذا
ترى الكاتب اليهودي يدور في سفسطة معنوية ولولبيات إنسانية هائمة لكي يغلف الغرض
من مقاله وهو أن أحداث 11 سبتمبر قد قام بها "إسلاميون متحمسون". وسوف
يستمر كتاب الإعلام الصهيوني في العزف على تلك النغمة حتى ينسي الناس أن القائم
بالعملية هو الموساد الإسرائيلي وأن وكالة المخابرات الأمريكية والمباحث الفدرالية
لا هم لهما اليوم سوى إحكام الغطاء على كل ما يتسرب من أنباء عن مسئولية اليهود عن
أحداث 11 سبتمبر، لكن التاريخ لهم بالمرصاد.
تحت
عنوان "العدل بالتصوير البطيء" كتب ماثيو إنجل Matthew
Engel بالجارديان في
9/1/2002 مقالا يسخر فيه من النظم القضائية بالولايات المتحدة وردت به الفقرات
التالية:
(يوجد ثلاثة صبية محجوزين تحت التحقيق
بولاية فرجينيا متهمين بقتل عالم فيزياء بيولوجية عمره 57 عاما في عملية
"طقوس قتل" لإحدى الجماعات الشيطانية قبيل أعياد الميلاد.)
( امرأة قامت خلال 27
عاما بقتل زوجين وأحد أصدقائها أسمتها الصحف "الأرملة السوداء" وهو اسم
يطلق على نوع من أنثى العنكبوت تأكل الذكر بعد الجماع. قال المدعي "دوجلاس
جانسلر" أن الفرق الوحيد بين هذه المرأة وأنثى العنكبوت هو أنها جمعت بضعة مئات
الآلاف من الدولارات من شركات التأمين على الحياة."
توجد 233 حالة قتل في
العام الماضي بالجزء المركزي من مدينة واشنطون وحده. كان القاتل في آخر تلك
الحالات قد خرج عاقدا العزم على قتل أول شخص يراه، وكان ذلك من حظ "والتر
كوتس" أمين خزانة الكنيسة المعمدانية في "بيلاه" والذي وصف بأنه
كان إنسانا محبوبا لطيف الدعابة ومن أهل الكرم كان في طريقه إلى صلاة العام الجديد
قبيل أن يلقى حتفه.
وكان مفروضا أن يكون
تعداد حالات القتل هذه أقل من 200 حالة لكن الحالات ارتفعت فجأة في أعقاب 11
سبتمبر عندما أعيد توزيع قوات البوليس لزيادة الحراسة على السياسيين. وهكذا فإن
هناك حوالي 30 حالة قتل إضافية من المعقول أن تضاف لحساب بن لادن. لم تتم حتى الآن
إعادة الخدمة البوليسية إلى حالتها العادية.)
تلك يا عزيزي القارئ
هي أمريكا التي ينبهر بها بعض شبابنا، حيث يكون القتل أحيانا لمجرد التسلية أو
تغيير روتين الحياة الرتيبة.
أما التلغراف فقد
ركزت افتتاحيتها في 9/1/2002 على روبرت موجابي الذي يريد إعادة الأرض الإفريقية
إلى ملاكها السود. تختلف الآراء في هذا الأمر حيث يبدو أن موجابي قد اتبع نفس
الأسلوب الفوضوي الذي اتبعه جمال عبد الناصر في مصر وأدى إلى تدهور وسائل الإنتاج
الزراعي بالقضاء على الوحدات الزراعية الكبيرة، مع الفارق طبعا وهو أن موجابي يريد
نزع ملكية الأرض من الأجانب أما عبد الناصر فإنه كان يحاول أن يجعل من الفقر
مرادفا للوطنية. تقول التلجراف تحت عنوان "جنون موجابي":
(إن القانون الذي
سيتم دفعه اليوم بالبرلمان في هراري سوف يجعل من زمبابوي أشد البلاد قهرا على سطح
الأرض.
سوف يقدم وزير
الاستعلامات - الذي عينه موجابي عضوا بالبرلمان ولم ينتخب - مشروع قانون الإعلام
الذي سوف يحرم وجود الصحفيين الأجانب ووكالات الأنباء.
لم ترى جنوب أفريقيا
- جارة زامبيا - مثل هذا القهر في أحلك سنوات التفرقة العنصرية. أما الاتحاد
السوفييتي والصين فقد سمحا في سنوات عنفوانهما بوجود أعداد مختارة من ممثلي
الإعلام الأجنبي. وتفعل مثل ذلك كل الدكتاتوريات الكريهة مثل بورما والعراق وكوريا
الشمالية.
يعد سقوط زمبابوي إلى
هذا الدرك السحيق من الشمولية دليلا على جنون مجابي. فالرجل الذي يبلغ من العمر 77
عاما مصر على ألا يقف في طريقه شيء يمنع نجاحه في انتخابات الرئاسة في 17 مارس.)
ويمضي المقال حتى
نهايته في صب جام غضب الإنجليز على موجابي ونظامه.
سأختتم
هذا العرض بقصة مسلية من هاآرتز الإسرائيلية التي نشرت بتاريخ10/1/2002 مقالا
لمحررها جديون ألون بعنوان "عضو الكنيسيت هندل ينعم على السفير الأمريكي بلقب
الصبي اليهودي" :
(وصف
عضو الكنيست زفي هندل Zvi Hendel السفير الأمريكي
لإسرائيل يوم أمس بأنه صبي يهودي jewboy مما أثار موجة
اعتراض من باقي أعضاء الكنيست الذين سيناقشون الأمر في اجتماع لجنة الأخلاقيات
صباح اليوم.
كان
الاتحاد القومي لأعضاء الكنيسيت يحتج على ما نقل عن السفير - وهو يهودي - من قوله
أن إسرائيل تفضل الإنفاق على المستوطنات على الإنفاق على المعوقين.
كان
هندل يخطب في الكنيسيت حينما قال "بغض النظر عن أن هذا الشخص الذي يمثل دولة
أجنبية يمكن أن يكون يهوديا أو صبيا يهوديا، متدينا أو غير متدين، فإن دولة
إسرائيل لا يجوز أن تتجاهل تدخل صبي يهودي صغير يمثل الولايات المتحدة."
وأضاف أيضا " أعتقد أننا لو كنا دولة تفخر بنفسها فإنه يجب علينا أن نوضح ذلك
له وللدولة التي أرسلته لأنني ليس لدي شك في أن تأييد أمريكا لإسرائيل واليهود
يزيد ألف مرة عن قلة اكتراث السفير كرتزر."
كرتزر
من اليهود الأرثوذكس الجدد وهو أول يهودي متدين يشغل المنصب بعد مارتن إنديك Martin Indyk وقد حدث في الماضي أن وصف الوزير الراحل راهافام زيفي Rehavam Ze'evi - وهو أيضا من حزب الوحدة الوطنية - إنديك بأنه "صبي
يهودي".
رفضت
السفارة ورفض كرتز التعليق ولكن قيل أن مصدرا بالسفارة قال ليلة أمس أن تعليقات
هندل "تعبر عن شخصيته".
أفاد
مكتب رئيس الوزراء بأن تعليقات هندل "يجب أن ترفض كلية" بينما أفاد وزير
الخارجية شيمون بيريز في
الهند بأن التعليقات "مشينة وغير محتملة. فلا يجوز لليهود أيضا استخدام
عبارات معادية للسامية."
كان
هندل متبعا لتقليد تبناه المتحدثون باسم الجناح اليميني في الماضي، ومنهم أعضاء من حركة المستوطنات "جش
إمينيم Gush Emunim" التي يتبعها، وكانوا يشيرون دائما إلى هنري كسنجر بكلمة
الصبي اليهودي jewboy حينما كان يضغط لعقد اتفاق فصل القوات بين إسرائيل ومصر في أعقاب
حرب يوم الغفران في 1973 .
وقد
دعت رئيسة لجنة الأخلاقيات بالكنيسيت كوليت أفيتال Colette
Avital -وهي تنتمي لحزب العمل - إلى عقد اجتماع اليوم بعد أن استنكرت
عبارات هندل بشدة واصفة إياها بأنها " عبارات عنصرية تثير العداء للسامية.
باسم الفخر بالوطن قام هندل بعرض الوجه الكئيب للكنيسيت، فسخر من شخص ذو مكانة
ومؤيد يهودي لإسرائيل." وطلبت من هندل الاعتذار. وقد علق عضو الكنيسيت يوسي
سارد Yossi Sarid - رئيس المعارضة ورئيس حزب مرتز Meretz - بأنه يوافق
كرتزر تماما فيما يتعلق بالإنفاق على المستوطنات وقال "إذا كان هندل يود أن
يلقبني الآن بلقب "الصبي اليهودي بسبب ذلك فإنني أقبل الإهانة بكل فخر."
وقد
صرح الحاخام مايكل ملتشيور Michael Melchior نائب وزير
الخارجية بأن هندل قد لوث شرف الكنيسيت وأضر بالشعب اليهودي.)
يمكننا
القول بأن هذا الخبر يمثل "خلاف الأحبة" من أولاد صهيون، وكيف يشغلون
أنفسهم بتافه الأمور في الظاهر ، بينما الدس للبشرية وإيذاء البشر هو شغلهم
الشاغل.
كفانا
الله شر الصهاينة بالخارج والداخل، وإلى اللقاء.