عندما يغيب المنطق والمروءة!

 

 

 

بقلم : فرج شلهوب

 

«في آب /1990 دخلت القوات العراقية الكويت، وخلال ساعات أتمت احتلالها. الدول العربية توحدت ضد رفض التصرف العراقي.. وفي كانون الثاني 1991 بدأت الولايات المتحدة هجوماً شاركت فيه قوات من الدول العربية، وبضمنها السعودية وسوريا ومصر، والهدف تحرير الكويت».

 

«القادة العرب ذاتهم الذين عارضوا احتلال الكويت بواسطة العراق، يحافظون اليوم على صمتهم، صمت القبور. ففي العام 91 ارسلوا جيوشهم للمشاركة في حملة تحرير الكويت، اما الآن فيرسلونها لتقمع بوحشية المظاهرات المناهضة للاحتلال الامريكي-البريطاني للعراق. والسؤال لماذا يعتبرون احتلال الكويت عملية غير قانونية، بينما احتلال العراق خطوة عادلة!! اين المنطق؟ وكيف سيقنع الزعماء العرب شعوبهم بمصداقية تصرفاتهم ازاء الاحتلالين؟!».

 

«من الصعب التحرر من الانطباع بأن الديكتاتورية في الوطن العربي تسير وفق اوامر الادارة الامريكية».

 

«ان دعم الانظمة العربية للولايات المتحدة ستزيد من كراهية الشعوب العربية لامريكا وكل ما تمثله. لكن هذه الكراهية تعتبر نقطة في بحر مقابل كراهية الشعوب العربية واحتقارها لزعمائها».

 

«لربما سيسقط العراق في ايدي الغرب، لكن من الصعب على القادة العرب التحرر من انتقام شعوبهم. قد تسقط بغداد، لكن لن يكون ثمة حصانة للقاهرة وعواصم عربية اخرى».

 

هذه المقاطع ليست بالقطع، لكاتب عربي ثائر يحتج على الموقف الرسمي العربي، ازاء حصار وتدمير بغداد، وهي بالقطع لم تؤخذ عن صحيفة ناطقة بالعربية او تنتسب للعرب، انها للأسف، مقاطع من مقالة ترجمت عن صحيفة «معاريف» العبرية، كتبها بالعبرية الفصحى، وليس العربية، زئير اندراوس. فأي مفارقة هذه، واي انتكاسات في الفهم والانحياز، تتداخل عبر مشهد الحصار على بغداد بين ما تكتبه «معاريف»، وما تبثه فضائيات عربية؟!

 

مواقف عربية رسمية، بما في ذلك ادواتها في التطبيل والتضليل، تنحاز لامريكا وعدوانها، وتقول او تذيع كلاماً هو الكفر البواح، بينما وسائل اعلام واعلاميون، يقفون في مربع الاعداء ويقاتلون من صفوفهم، يختنقون وتزكم انوفهم، رائحة العار والخزي من مواقف رسمية عربية، فلا يسعها، الا ان تتكلم ولو بقليل من المنطق والانصاف، ان ما يجري، لا ينتمي لعالم عاقل، ولكن لشيء آخر لا نسبة بينه وبين المنطق والعقل.

 

وما كتبه اندراوس في معاريف، كتبت مثله او شبيهاً به، وان كان من زاوية اخرى، مراسلة الB.B.C. في جنوب العراق، هيلاري اندرسن، وليس يخفي اي شيء ومن تمثل الB.B.C.، فاندرسن تكتب وهي تمتلئ اشفاقاً على ما يلاقيه المدنيون العراقيون من معاملة الجنود البريطانيين والامريكيين، الذين يصفون القوات العراقية بأنها قوات اجرامية خارجة على القانون، قبل ان تكمل بمرارة.. «مهما يكن ما تعتقده عن صدام، كيف يمكنك وصم رجل يدافع عن بلاده المستقلة بأنه عنصر خارج عن القانون؟! وأي شيء يمثل الآخرون؟! من الخارج عن القانون، الغازي، ام الذي يتعرض للغزو؟!»

 

هكذا مرة اخرى، تطبع اندرسون على جبين الرسمية العربية المزيد من العار وغياب المنطق والانحياز للعدوان. فالصمت العربي، صاحب الجولات في حرب تحرير الكويت، يرتكس في الحضيض في حصار بغداد، وكما يبدو، ان ما تبشر به «معاريف» سيصبح واقعاً اذ لا حصانة بعد بغداد لأي عاصمة عربية،.. واذا سلمت الزعامات العربية من انتقام الشعب، فلن تسلم من «موس» الاجنبي. وتباً لعروبة، تتنكر لذاتها، وتتزيا بزي المعتدين، لا تلبس جلد النمر الا على اهلها، بينما هي في مواجهة الاعداء، كما قال الأولون، «لا ترد يد لامس».