بقلم :د. محمد صالح المسفر
لقد أصبح هذا العام 2003 من القرن الحادي
والعشرين الميلادي عام فاجعة كبري في تاريخ العروبة والإسلام لا أحسب أن في تاريخ
أمتنا عاما تدانيه تجزئة وانحلال وخراب ودمار وذل وهوان وفرقة وانكسار.
في أيامه السود يعيش العرب فترة رهيبة من
التمزق والفوضي والشحناء والبغضاء وفي أيامه ولياليه ملوك وأمراء ورؤساء العرب
يصارع بعضهم بعضا بالدسائس والمكائد والكذب تارة والتناحر تارة أخري والشعب العربي
هو الضحية.
لقد اطل هذا العام الأغبر ليشهد ملوكا
يتدافعون بحثا عن راش أو وهاب ورؤساء يبحثون عن هبات وعطايا وأمراء لا حول لهم ولا
قوة وآخرون يفعلون ما يؤمرون دون ضجيج.
في هذه الحقبة التعيسة كانت دولة الاستكبار
العالمي تعد العدة للانقضاض علي بغداد لتحكم سيطرتها وسلطانها علي مصادر الثروة
وبؤرة النخوة العربية والعزة والكرامة ولتخرجها من دائرة العروبة والإسلام بعد
حصار دام أعوام عشرة وتزيد ثلاثة، شارك فيها ملوك وأمراء ورؤساء عرب وآخرون أمعنوا
في تنفيذ ما يملي عليهم تجاه أخوة لهم في الإسلام وشدد الحصار وحرم قطر الشموخ
والعزة والكبرياء العراق من كل موارد الحياة التي كان يتمتع بها بقية البشر.
لقد استنجدت دولة الاستكبار العالمي بكل ملوك
العرب ورؤسائهم أن يدفعوا بالعراق لقبول فرق التفتيش الدولية الباحثة عن سلاحه وتدميره
من أجل السلام والاستقرار في المنطقة كما قالوا. وقبل العراق مطالب ومناشدة إخوانه
من ملوك العروبة والإسلام وفتح أبوابه لكل جواسيس الأرض بحثا عن سلاحه وتدميره
وبحثا عن مصادر قوته وتفتيتها وطالبوا بالسماح لطائرات U2 التجسسية ذات الآلات والمعدات
الرهيبة بتصويرهم ارض العراق وما في جوفها وجد العرب في إقناع بغداد بالقبول
بتحليق تلك الطائرات في أجوائها وشقيقاتها المدن الأخري والتي لا يسمح لها
بالتحليق حتي في سماء حلفاء دولة الإرهاب الكبري وكان القبول مرضاة لأشقاء بغداد
من العرب والمسلمين.
وأخيرا اكتمل الطوق حول العراق جرد من سلاحه
واطمأن العدو الباغي بان العراق لا يملك قوة قادرة علي الصمود لزمن طويل وصورت
الأرض وما في جوفها وزرع العملاء في كل زاوية واكتظت شوارع المدن العراقية بفرق
الطابور الخامس وحددت مواقع المقاومة فكانت الضربة القاضية مع بداية الثلث الأخير
من شهر مارس من هذا العام المشؤوم.
هذه مدن العراق وشعب العراق يستغيث إخوانه في
الإسلام والعروبة فلا مجيب وكأن الشر بعيد عنهم انه اقرب إليهم من حبل الوريد وما
يحل بالعراق اليوم وبغداد الحبيبة العزيزة الشامخة يذكرنا بما حل بإنطاكية صانعة
التاريخ ورفيقة الزمان حين أحدق بها الأعداء في ذلك الدهر فاحتلوها وما أن فرغوا
من قتل أهلها وتدمير قلاعها حتي شب الخلاف بين قادة الفرنجة لمن تكون إنطاكية ومن
يحكمها ومن يكون أميرها وهذا حال بغداد اليوم بدأ الخلاف بين دهاقنة دولة
الاستكبار العالمي -الولايات المتحدة الأمريكية- قبل أن تسقط علي يد مغول العصر من
يحكم العراق لمن يكون ومن يحكمه، هل تقسم إلي ثلاث دول في الجنوب دولة وفي الوسط
أخري وثالثه في الشمال، هذا هو العقل الأمريكي الاستعماري الحديث فرق تسد وقد كان
لهم سابقة في التاريخ في عام 1945 اقترحوا تقسيم ألمانيا إلي خمس دول يعد لكل دولة
رئيس يخضع لسلطة الاحتلال بعد إلحاق الهزيمة بها لكن أوروبا رفضت، رغم الدماء
الغزيرة التي سالت علي أرض أوروبا، ذلك التقسيم وذلك التوجه السياسي فهل يقبل
العرب اليوم لا سمح الله بتقسيم العراق إلي دول ثلاث وهل يقبل حكام الخليج علي وجه
التحديد ذلك التوجه فمسؤوليتهم كبيرة عما حل بالعراق منذ عام 1980 حتي هذا اليوم
ويلحق بهم مصر فمسؤوليتها أعظم تتناسب مع مكانتها في التاريخ . أخيرا تحية لبغداد
وشموخها في عصر عزتها وقوتها وفي عصر ضعفها وحصارها وتحية لصمودها رغم عاديات
الزمان.