بقلم : خالد الشامي
وباتت بغداد ليلتها الأولي في حضن الغزاة،
مغتصبة تقاوم لا مستسلمة، واغمض الحكام العرب جفونهم علي عارهم، بعد ان فتحوا
الابواب علي مصاريعها لينتهك المحررون عاصمة الشرف العربي، عاصمة الشعر، عاصمة
الرشيد والمنصور، عاصمة الحضارة العربية والانسانية.
بغداد لم تسقط، وان احتلوها، بل انتم من سقط
وان بقيتم الي حين علي عروشكم المتهالكة، سقطتم في عيون شعوبكم، والتاريخ الذي لن
يرحمكم، ولن يخشي اجهزتكم السرية، وانظمتكم المتواطئة، ولو بالصمت، في هذا
العدوان.
سقطتم عندما داس المارينز باحذيتهم الثقيلة
رقاب الاطفال والنساء ليصلوا الي قلب بغداد، قلب العروبة، وعندما دنسوا تراب
كربلاء الشهداء والنجف الأشرف.
سقطتم بكل المقاييس، وليس بالعواطف والمشاعر
فقط. وهل سيجرؤ زعيم عربي واحد علي ان يرفع رأسه في وجه رامسفيلد، او فرانكس،
جنرال البر والبحر، ناهيك عن بوش ديكتاتور العالم الجديد او الوحيد ؟
هل بقيت كرامة او سيادة لأي قصر جمهوري او
ملكي عربي بعد ان اقتحم المارينز القصر الجمهوري في بغداد؟
هل سيبقي العراق بلدا عربيا اسلاميا كما
عرفناه ام انه سيتحول الي كيان دولي تحكمه ادارة ظاهرها الامم المتحدة، وباطنها
عملاء امريكيون واسرائيليون وان حمل بعضهم جنسية عراقية؟
هل يمكن ان تعترف الجامعة العربية، او الشارع
العربي بحكومة احتلال في العراق، ام ستضطر الي تجميد عضويته حتي يتحرر من العدوان؟
والا يكفي ما فعلته الكويت وقطر من مشاركة
فاعلة في العدوان علي العراق لتبرير تجميد عضويتهما في الجامعة العربية، ام انه
حان الوقت لتجميد الجامعة العربية نفسها بعد ان تحولت الي مؤسسة للتواطؤ والنفاق
العربي ؟
هل سيحتمل النظام العربي القواعد الجديدة
للعبة والتي تجعل من قطر والكويت والبحرين دولا عظمي في المنطقة بعد ان تحولت في
زمن الصغار الي رأس جسر ونقطة انطلاق للعدوان ضد العراق، وأي بلد عربي آخر لا ترضي
عنه ادارة بوش؟
هل يمكن ان يستعيد النظام العربي الرسمي
مصداقيته في المستقبل المنظور، وهل سيعطيه السيد الامريكي مخرجاً من ورطته بعد
انفضاح كذبه وضعفه وعجزه الشامل امام الشارع العربي؟
ألم يكن العرب اكثر قوة وكرامة عندما كانوا
يواجهون الاستعمار البريطاني والفرنسي في القرن التاسع عشر بأسلحة بدائية ولكن
بايمان حقيقي بمصير مشترك؟ وهل سيكتفي المستعمر الامريكي ببلد واحد ام انه سيسعي
الي امبراطورية شرق أوسطية عاصمتها ومركزها اسرائيل (من النيل الي الفرات).
لماذا لم يستدع حاكم عربي واحد السفير
الامريكي ليحتج علي قصف البيوت والمستشفيات وحتي المساجد والأضرحة في العراق؟
ناهيك عن قطع العلاقات مع المعتدين؟
لعل الشعوب العربية ستفكر مليا الآن ان كان
الزعماء العرب معنيين حقا بالدفاع عن امنها واستقلالها ام انهم مجرد مجموعة من
العلوج ايا كان تفسير هذه الكلمة سواء حيوانات ضالة في الصحراء، او اناس لا يفكرون
سوي في ملذاتهم الشخصية، او انصاف رجال؟
رسالة شخصية: الي الطفل العراقي علي اسماعيل
(12 عاما) الذي فقد والده ووالدته واخاه وذراعيه بقنبلة عنقودية بينما كان يلعب
داخل بيته: رأينا وجهك البريء وعينيك المحتقنتين بالاسئلة: ماذا بقي لك من هذا
العالم سوانا نحن عارك الأبدي؟
ـ الي عائلات الشهداء من الصحافيين في بغداد:
لقد ارادوا اسكات اصواتهم، ليبقي كذبهم وحده يغسل عقول الأمة، ولكنهم فشلوا، فقد
خلدوا اسماءهم واصواتهم في ضمائرنا الي الأبد.