بقلم : د. علي محمد فخر
في الأسبوع الماضي قرأنا خبرين الأول يشير
الي مآسي الماضي والثاني يشير الي أمل المستقبل أما الخبر الأول فيتمثل في قرار
سوري شجاع بإعطاء العراق دعماً سياسياً معنوياً يبدد، ولو بشكل محدود ، جزءاً من
عار صمت الأنظمة العربية تجاه المذبـحة الأمريكيــة ـ الصهيونية في حاضرة هي من
أهم حواضر العروبة والإسلام.
لكن ذلك الخبر يثير في النفس غصة مشاهد
السياسة العربية عبر الخمسين سنة الماضية، وكانت سورية في قلبها فقد كونت سورية مع
مصر في نهاية الخمسينات نواة لوحدة عربية ما لبثت أن تساقطت بسبب البلادة السياسية
وقصر النفس واستبداد العساكر وتغليب المصالح القطرية علي المصالح القومية في كلا
البلدين وعلي المستويين الرسمي والأهلي.
ثم إستلم حزب البعث الحكم في قطرين متجاورين
أساسيين فتكونت فرصة تاريخية لامثيل لها لقيام وحدة بديلة، لكن ومرة أخري تغلبت كل
العوامل السلبية إياها لإفشال قيامها ولم تكف ثلاثون سنة للتغلب علي العقبات التي
أدعي البعض وجودها أو لرفع الغشاوة عن العيون التي لاتعرف كيف تمد بصرها الي أبعد
من رجل صاحبها أو من لحظة تقوقعه في ذاتيته النرجسية.
دعنا ندخل في خيال الأحلام التي أضاعها
المشهد العربي السياسي الغريب الأطوار.
تري لو أن أيُاً من الوحدتين قامت أو نجحت،
خصوصاً وحدة سورية والعراق، أكان المشهد الذي نراه اليوم أمامنا ممكن التحقق أكان
بإمكان أمريكا أن تغزو العراق أو بإمكان الدول ـ المدن العربية الحليفة أن تجرؤ
فتدعم ذلك؟ لكن العرب، وعلي الأخص مؤسساتهم السياسية الأهلية، تعودوا علي إضاعة
الفرص في حينها وعلي الاعتماد علي عوامل الوقت والزمن والحظ والمفاجئات بدلاً من
العقل والعمل الجدي، حتي إذا سقط الفأس بالرأس تحركت الضمائر والنخوة لتبدأ بكائية
عربية جديدة.
أما الخبر الثاني فيتمثل في قيام مجموعة من
مواطني دولة عربية أساسية برفع دعوي قضائية ضد رئيسها ووزير داخليته بسبب مخالفتهم
للقانون والاعتداء علي حقوق المواطنين هذا بداية توجه جديد مملوء بالاشمئزاز
واليأس من جهة، وبالتحدي والثورة من جهة أخري، تدخله المجتمعات العربية ويتبناه
المواطنون العرب بعد أن يئسوا من مؤسساتهم السياسية الرسمية والأهلية علي السواء
إن أهمية الخبر تكمن في الدفق النفسي الشعبي الجديد الذي لن يعترف بعد الآن بقدسية
الهالة التي أحيط بها رؤساء الدول ورؤساء الحركات السياسية الأهلية علي السواء
وسيتعامل معهم كبشر عاديين تعلو فوقهم قيم الحق والعدالة وشرعة القانون.
ذلك أن فشل الماضي، الوحدوي وغيره، ما كان
ليصل الي حد الكارثة الحالية، بل وما كانت الفرص لتضيع بهذا القدر المأساوي لو لم
يقبل المواطن العربي أن توجد دساتير تمنع محاسبة رأس الدولة وقوانين تركز السلطة
في مجموعة من العساكر أو في حزب واحد أو في مجموعة مستشارين انتهازيين، وأن توجد
أنظمة حزبية تتكلم عن القائد المؤسس العبقري لهذا الحزب أو ذاك حتي إذا ما مر
الوقت تبين أن فكر وقيادة أولئك كانت مثالاً للحماقة والجهل والغطرسة البليدة.
بعد اليوم يجب أن لايعلو صوت فوق صوت الناس.