الأمة العربية بخير فلا تفقدوا الأمل فيها

 

 

 

بقلم: الدكتور محمد علي الفرا

  

الواقع الذي نعيشه ونحياه في هذه الأيام تتعدد فيه الرؤى، وتتباين حوله وجهات النظر، وتتنوع صوره ومشاهده مما يجعل من الصعب علينا احياناً استشراف المستقبل، واستكشاف ابعاده، وتحديد اتجاهاته.

ان كل صورة من هذه الصور تعكس جانبا من جوانب الواقع، والناس يختلفون في حكمهم على الواقع، بحسب الصورة التي ينظرون اليها، ويركزون عليها. ويلاحظ ان الكثيرين لا يرون حالياً إلاّ الصور المؤلمة او المفجعة لواقعنا العربي، وهي صور تغطي على غيرها من المشاهد الكامنة او المختفية وراءها، نظراً لأن الظاهر يستقطب الاهتمام، أما الباطن فيظل مختفياً لا يمكن الكشف عنه إلاّ بالتحليل والدراسة المعمقة.

ومن المعلوم بأن الاعلام يلعب دوراً هاماً وكبيراً في توجيه الرأي العام، ويؤثر في نفسية الناس سلباً او ايجاباً بحسب ما يذيعه من أخبار وما ينشره من صور ومشاهد، وما يبثه من تحليلات عن واقع عربي محزن نعيشه في هذه الأيام، مما قد يولد الاحباط واليأس عند الناس، ولا شك في أن أكثر الصور والمشاهد ايلاماً، تلك التي تصور الأحداث المؤلمة والمتلاحقة على الساحتين الفلسطينية والعراقية وما بينهما من ترابط وتشابه: مجازر، وقتل وتدمير وتخريب واذلال وتركيع، وحياة قاسية يصعب وصفها. ففي فلسطين يقاوم السكان الاحتلال الاسرائيلي بالحجارة، ويتصدون وحدهم للجيش الاسرائيلي المزود بأحدث أنواع الاسلحة وأشدها فتكاً وتدميراً. ويواجه العراقيون الذين عانوا من حصار ظالم مضى عليه اثنا عشر عاماً، ومن فرق التفتيش التي نزعت اسلحتهم، أقوى قوة على وجه الارض مع حليفتها بريطانيا.

وعلى الرغم من اتضاح وافتضاح المخططات الاميركية والصهيونية وأهدافها الرامية الى فرض السيطرة والهيمنة على المنطقة العربية والاستيلاء على ثرواتها ومواردها، وتفتيت اقطارها، واعادة رسم خريطتها وتغيير أنظمتها، إلاّ أن النظام العربي يبدي - وللأسف - العجز الكامل، ويفقد الرغبة على مقاومة الخطر الذي يتهدده، ولا يحرك ساكنا من اجل رفع الأذى عنه، وعن أمته، بل نجده مستسلماً استسلام الشاة لجزارها، وكل ما يفعله لا يتعدى التوسل والاستجداء والمناشدة التي لا فائدة منها، وانما تكشف عن ضعف يشجع الاعداء ويغريهم بمزيد من الاعمال العدائية.

هناك الكثير من العوامل التي أدت الى فشل النظام العربي، وهي معروفة للجميع، لعل من أهمها انقسام الصف العربي وتشرذمه، وعدم وجود قيادة على المستوى القومي العربي تجمع شمل الأمة، وتوحد الرؤى والمواقف العربية، وتستنفر الناس، وتحشد طاقاتهم وامكاناتهم، وتبني الاستراتيجية التي تصلح لمجابهة التحديات، وتصوغ الوسائل والأهداف القابلة للتحقيق.

لقد نجم عن غياب مثل هذه الزعامة او القيادة القومية، وجود فراغ كبير استغله الأعداء، وأدى الى انفراط عقد العرب، وعدم وجود تعاون وتنسيق فيما بينهم، وصارت كل دولة تركز على أوضاعها وأحوالها المحلية وتهتم بمصالحها القطرية، حتى لو تعارضت مع المصالح القومية.

والعامل الثاني يتجسد ويتجلى في ما يتسم به النظام العربي من ضعف وهشاشة، فهو أشبه بالجسم المصاب بمرض هشاشة العظام، مما يسهل كسره. وسببه ان النظام العربي لا زال بعيداً عن شعبه لأنه لا يرغب او يخشى الاقتراب منه والالتحام به، والرجوع اليه والاحتماء به، وبخاصة في الأزمات. فبدلاً من أن يتخذ النظام العربي من شعبه وأمته مرجعاً له يعززه ويدعمه ويؤيده ويحميه من كل عدوان او تدخل خارجي، فإنه في كثير من الأقطار العربية نجد أن هذا النظام قد اتخذ من القوى الأجنبية مرجعيته وسنده الذي يحميه اذا ما تعرض لخطر سواء كان داخلياً او خارجياً، عربياً أو أجنبياً، وهو لذلك مضطر للمسايرة وإلاّ فإنه يجد نفسه في وضع حرج وصعب لا يقوى على مقاومته.

ان هذه الصورة القاتمة التي يشاهدها الناس اليوم، وتلك المشاهد المفجعة التي تصور ما يجري في فلسطين والعراق تحبط الناس، فقد ترك هذان الشعبان وحدهما في المعركة بينما العرب عاجزون عن نجدتهما، ومنهم من يصمت على ما يحدث ومنهم من يلوم الفلسطينيين لأنهم رفضوا ما سبق وعرض عليهم في كامب ديفيد، ومنهم من يحمل النظام العراقي اسباب الحرب العدوانية التي تشنها الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا عليه.

وإذا كنا لا نلوم المواطن العربي حينما يصاب بالاحباط من واقع مأساوي يعيشه اليوم، إلاّ ان من حقه علينا أن نلفت نظره الى الجوانب الأخرى من الصورة، وهي مشرقة وتبعث على الأمل والتفاؤل.

فصحيح أن النظام العربي فاشل ومحبط ومتخاذل ومنقسم، ولكن هذه الأوصاف لا تنطبق على الشعب العربي والأمة العربية التي راهن الكثيرون على زوالها واختفائها أو ذهاب ريحها وانطفاء شعلتها، ليشيعوا روح التخاذل بحيث تتحقق هزيمة الأمة من الداخل لتسهل هزيمتها من الخارج. وقد سقط هذا الرهان على صخرة الصمود الذي أبداه الفلسطينيون والعراقيون، فأفشل الفلسطينيون جميع الخطط الصهيونية الرامية الى اجبارهم على الرحيل من أوطانهم وتشبثوا بأرضهم وفضلوا الموت على ثرى وطنهم.

وخيّب العراقيون آمال اعدائهم فاستقبلوهم بالتصدي لهم بدلاً من الترحاب والورود كما كانوا يتوقعون وجابهوا القوى العظمى وحليفتها وفضلوا ان يموتوا على ارضهم وهم واقفون بدلا من استسلام مذل.

ومن الصور المشرقة لهذه الأمة اقبال الناس فيها على التطوع للدفاع عن العراق على الرغم من معرفتهم باختلال توازن القوى، ولكنهم اصروا على الجهاد وبذل الارواح والدماء في سبيل رد الأذى عن أي جزء من الوطن العربي. ولولا الموانع والسدود التي تحول دون الانطلاقة الشعبية لنصرة كل بلد عربي يتعرض لعدوان خارجي لزحف الملايين من أبناء هذه الأمة وواجهوا العدو مواجهة لا يقوى عليها او لا يحتملها.

واذا كانت الأمة العربية تتعرض اليوم لهجمة عدوانية شرسة وعدوان سافر، فإن ذلك ليس بجديد عليها فقد سبق ان تعرضت لكثير من الحروب والغزوات التي تريد تدميرها والقضاء عليها واحتلال بلادها واستغلال ثرواتها.

وعلى الرغم من نجاح المحتل في تحقيق الكثير من أهدافه إلاّ أنه سرعان ما استجمعت الأمة قواها واستعادت قدرتها وتمكنت من دحر الغزاة والمحتلين. واعتقد أنه ليست هناك امة تسترخص ارواحها ودماءها في سبيل تحرير أوطانها كالأمة العربية معتمدة في ذلك على عقيدتها وايمانها بدينها وثقتها بنفسها. لقد استطاعت بعض شعوب هذه الأمة تعديل ميزان القوة لصالحها بالاستشهاد، وهذا ما فعله اللبنانيون في جنوب لبنان والفلسطينيون في فلسطين، وسيكون هذا نموذجاً لكل شعب يريد التحرر من الاحتلال. وهناك من الدلائل ما يشير الى ان العراقيين سيطبقونه اذا ما احتلت بلادهم.