بقلم :مها الشريف
ما زال الغرب يدرس الحروب الصليبية ويحاول أن
يلتقط جوهرها ويلملم دلالاتها، فهي بالنسبة له حركة واسعة وكبيرة لها بواعثها
وافاقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، بينما نجد في المقابل
اللامبالاة بهذه الحرب من جانب المسلمين الذين اختصروها في شخص صلاح الدين
الأيوبي، وبذلك يكونون قد اختصروا قرنين من الزمان هما القرن الحادي عشر حتى أواخر
القرن الثالث عشر، الشاهدين على هذه الحروب التي ظلت قائمة في البلاد.
التركيز كان دائماً منصبـّـا على القائد
البطل الذي استطاع هزيمة الصليبيين في موقعة حطين، دون التركيز على تشخيصه لداء
بني قومه وما أصاب دينه، وهو التشخيص الوحيد الذي كان بمقدور المسلمين اليوم أن
يفيدوا منه وأن يستخلصوا منه الدروس والعبر.
عندما اجتاحت جيوش الفرنجة بلاد الشام لم يكن
ذلك بسبب قوتهم العسكرية الخارجة، أو بسبب أعدادهم الهائلة، بل لأنهم وجدوا بلادنا
مشرعة أبوابها أمامهم وممهدة لهم كما يقول أمين معلوف في كتابه »الحروب الصليبية
كما رآها العرب« ويؤكد الكاتب ان الحملات الصليبية كان ينقصها الكثير من التنظيم
والانضباط بالإضافة إلى قلة العدد، وكانت الجيوش العربية - لو اتحدت - تفوقهم
عدداً وعدة، ولكن حكـّـام الإمارات العربية آنذاك كانوا عاجزين عن النظر إلى ما هو
أبعد من أنوفهم، فقد كان كل منهم خائفاً على عرشه وإمارته، وينظر بعين الشك إلى
امراء الإمارات المجاورة في ظل أزمة ثقة تجعل كل أمير يخاف من جاره، فكانت
الدسائس، وتواطأ الجميع على الجميع. وعندما وصل الصليبيون سقطت الدويلات والإمارات
بلا أدنى مقاومة.
لقد رأى صلاح الدين هذه الحقيقة بوضوح وثار
عليها، ولم يكن أمامه إلاّ طريق واحد لوضع حد لهذا الانحطاط السياسي وهو إحياء
الكيان السياسي الإسلامي في ظل دولة واحدة موحّدة، فبدأ بتنظيم دولته التي امتدت
في حلب ونهر الفرات شمالاً حتى القاهرة ونهر النيل جنوباً، وأخذ يستعد للقيام
بحركة شاملة ضد الصليبيين في الشام، فبدأ بتعزيز إنجازاته وانتصاراته بخلق تيار
خلقي نفسي يعمل لصالح الأمة، وقد نجح في هذا بفضل إلزام نفسه بمبادىء الإخلاص
والصدق والعدل وإنكار الذات، فكان بفضل ذلك من القوة بحيث صعب مقاومته، وأصبح
المصدر الذي ألهم جميع العناصر والقوى الساعية إلى وحدة الإسلام في وجه الغزاة،
والنور الذي اجتمعت هذه العناصر حوله.
أحداث كثيرة وقعت مهّدت وساعدت صلاح الدين
الأيوبي حتى يصبح البطل الأول على المسرح، فقد سبقه قادة عظام كعماد الدين زنكي
الذي وضع اللبنة الأولى في بناء الوحدة، وكذلك نور الدين محمود وشيركو وسلسلة من
الأبطال الذين استطاعوا طرد الصليبيين دون أن يكون لقصة هذه الحروب نهاية، والتي
استمرت في صور أخرى خلال تاريخنا الطويل، ومع هذا كان المسلمون ينجحون في كل مرة
ليستأنفوا رسالتهم بعد الاتعاظ بدروس وعبر التاريخ.