بعد بغداد.. إلى أين؟
بقلم : د. باسم يموت
تمر أمتنا اليوم في أحلك مراحل تاريخها
الحديث حيث تتعرض لهجمة استعمارية صهيونية بهدف السيطرة على ثرواتها ومقدراتها.
ويتجلى أمامنا في هذه الظلمة مشهد اقتحام ثاني عاصمة عربية بعد بيروت منذ استقلال
الدول العربية.
من جنين الى بغداد، المخطط السياسي ذاته الذي
رسمته دوائر الإدارة الأميركية المتصهينة بالتنسيق والتشاور مع الحكومات الليكودية
في إسرائيل. فلا ينخدعن أحد بالوجه الحقيقي لهذه الحملة العسكرية، انه صهيوني
الشكل والمضمون والمنشأ، وقد بدأ يتكشّف للعيان مع تطور الأحداث: من الصحافيين الإسرائيليين
في النجف الأشرف بحماية الجيش الأميركي، الى وحدات المارينز التي تدربت في إسرائيل
على اقتحام المدن العربية. والأهم من كل هذا، وما يكشف بالفعل الأصابع الصهيونية
وراء هذه الحملة وأهدافها، هو ما أعلنته الولايات المتحدة الأميركية عن خططها
لعراق ما بعد الحرب. فقد قررت تعيين رئيس لجنة إعادة الاعمار الأميركية الجنرال
المتقاعد جاي غارنر حاكما مدنيا على العراق تعاونه حكومة تتألف بمعظمها من ضباط
ورجال مخابرات وسفراء سابقين أميركيين مع بعض المستشارين العراقيين ربما. وغارنر
هذا هو صاحب التصريح الشهير الذي شجع فيه إسرائيل على المضي في أساليبها الوحشية
لقمع الانتفاضة، وحذر الكونغرس الأميركي من اصدار أي قرار يدينها. وهو على علاقات
ممتازة بأوساط حزب الليكود. ان كان هدف هذه الحرب فعلا كما يقول الأميركيون، تحرير
الشعب العراقي من الديكتاتورية وإرساء نظام ديموقراطي يصون مستقبل البلد، فلماذا
تعيين حاكم صهيوني على بلاد ما بين النهرين؟ الهدف الحقيقي لهذه الحرب وكما حدده
وزير الخارجية الأميركي باول هو إعادة صياغة الشرق الأوسط بما يخدم المصالح
الأميركية.
هذا الشرق الأوسط الجديد الذي ينتظرنا هو
بالتأكيد قائم على أساس تطبيع العلاقات مع إسرائيل، انطلاقا من العراق، في مقابل
التنازل عن الحقوق العربية المشروعة في فلسطين وسوريا ولبنان. وقد فضحت الصحف
الإسرائيلية جوانب من هذه الخطة، عندما تكلمت عن علاقات مستقبلية حميمة مع النظام
العراقي الجديد وعن إعادة فتح خط الأنابيب لضخ البترول من شمال العراق الى ميناء
حيفا.
ولكن، في وسط هذه الظلمة هناك بصيص أمل.
فالشعب العراقي لم يستسلم للغزاة ولم ينهَر أمام الآلة العسكرية الأميركية. يقول
الغزاة ان معركة بغداد هي النهاية، وان سقوط بغداد سيحسم الحرب. يذكرني هذا الكلام
بكلام آخر اطلقه شارون عام 1982 عندما قال ان بيروت هي هدف العملية، وان سقوطها
واقامة نظام متحالف مع إسرائيل في لبنان سيحسمان الحرب. ولكن سقوط بيروت كان فعليا
بداية المعركة للمقاومين الأحرار في لبنان، فبين رصاصات خالد علوان في بيروت
واغلاق بوابة فاطمة وراء آخر جندي صهيوني، مرّ 18 عاما، خضنا خلالها في لبنان
المعركة الفعلية التي اخترنا نحن زمانها ومكانها، ودحرنا في نهايتها الغزاة.
وأقول اليوم ان معركة بغداد هي بداية الحرب
لا نهايتها. فالشعب العراقي لن يقبل بالاحتلال الأجنبي الذي يخفي في طياته
المؤامرة الصهيونية. وسيلتف العراقيون حول قيادات مقاومة، آتية لا محالة. وعلى
المخلصين من العرب الالتفاف حول هذه المقاومة ودعمها لأنها في الحقيقة تدافع اليوم
في العراق عن كل الأمة العربية. فسقوط العراق واستتباب الأمر للغزاة فيه، يعنيان
ان المنطقة العربية كلها أصبحت تحت رحمة أميركا بإدارتها المتصهينة، وإسرائيل، وان
القرار العربي الوطني الحر، أصبح مكبَّلا ومهدَّدا.
العرب الآن أمام مسؤولية تاريخية كبيرة ستحدد
مستقبلهم لعقود قادمة. ان لم يعوا ما يحدث اليوم وما يخطط لهم في المستقبل ويأخذوا
قرارا واضحا بمقاومة هذا المخطط فستسقط الدول العربية عسكريا او سياسيا الواحدة
تلو الأخرى، وسيأخذ الاستعمار بالعصا ما لم يتمكن من أخذه بالجزرة في الخمسينيات
من القرن الماضي عبر حلف بغداد.
الخطوات الضرورية اليوم والتي يجب ان تقدم
عليها الدول العربية في أقرب وقت ممكن هي الآتية:
أولا: رفض الاعتراف بأية حكومة عراقية تؤلفها
الولايات المتحدة الأميركية تحت الاحتلال.
ثانيا: دعم المقاومة العراقية في وجه
الاحتلال الأجنبي بجميع الوسائل والقدرات.
ثالثا: المطالبة بانسحاب قوات الاحتلال من
العراق في أسرع وقت ممكن وإجراء انتخابات حرة بإشراف الأمم المتحدة تنبثق عنها
حكومة شرعية تمثل الشعب العراقي.
وأختم هنا بالكلمة الشهيرة التي قالها الشيخ
ابراهيم اليازجي عام 1868 وكانت إشارة الانطلاق للنهضة العربية في نهايات القرن
التاسع عشر:
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب
فقد طمى الخَطْب حتى غاصت الركب
على أمل ان يطلق هذا النداء نهضة عربية ثانية
طال انتظارها في هذه الظلمة الدامسة.