بقلم : وديع الخازن
يوماً بعد يوم يتكشف دور الطغمة الإسرائيلية
في الحرب على العراق. فما أن شرع وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بإتهام
سوريا بفتح حدودها لتسريب معدّات للعراق ومتطوّعين عرباً، حتى جاء تحذير آخر من
رئيس الديبلوماسية كولين باول، متزامنا مع التهديد الذي أطلقه وزير الدفاع
الإسرائيلي الجنرال شاوول موفاز لسوريا عندما إعتبر <<أنها تعرف ما تملكه
إسرائيل من قوّة ضاربة>>.
وقد نتساءل عن سرّ هذا التناغم بين الموقفين
الأميركي والإسرائيلي في خطة الحرب ضدّ العراق، وكلّ من يقف إلى جانب شعبه. هذا
التناغم، الذي اندفع بوتيرة تصاعدية، لم يكن وليد ما ساقه المسؤولان الأميركيّان
والجنرال الإسرائيلي، بل هو نتيجة سلسلة المواقف الشجاعة التي تجرّأ على اتخاذها
قائد عربيّ في قمّتين عربيّتين متتاليتين في عمان وشرم الشيخ، وفي حوار أجرته معه
جريدة <<السفير>>، حيث أعلن الرئيس بشار الأسد بوضوح التزام سوريا
جانب الشرعية الدولية في معالجة الشأن العراقي، مستنهضاً الدول العربية لتحذوَ
حذوَ سوريا، في معارضة الحرب، وعدم تقديم أي مساعدة للعدوان، أو أية تسهيلات
لتحرّكاته، مثمّناً موقف قداسة البابا يوحنا بولس الثاني الذي قطع دابر الفتنة
التي توختها الصهيونية العالمية الضالعة في هذه الحرب، للإيقاع بين المسيحيين
والمسلمين في الشرق الأوسط وفي جميع أنحاء العالم.
الدول العربية الأخرى لزمت، في معظمها، جانب
الصمت والحذر، بإستثناء ما بدا في الموقف المصري من ملامح تماه مع الموقف
الأميركي. ففيما طالبت مستشارة الرئيس جورج دبليو بوش للأمن القومي بإنهاء دور
المنظمة الدولية، ظهر اقتراح مصري بإنهاء دور الجامعة العربية، وكأنه يمهّد لصيغة
ما تلعب فيها مصر دوراً مركزياً في التشكيلات الأميركية الجديدة لدول المنطقة بعد
التخلّص من النظام العراقي.كما ان بعض المحطات الفضائية الأوروبية كشفت الورقة
المستورة، في الموقف الاردني، عندما اشارت الى مطار في منطقة الرويشد تنطلق منه
طائرات الشبح الأميركية القاذفة، والتي لا يكشفها الرادار، فضلاً عن طائرات مروحية
مقاتلة إلى شمال العراق.
وما أشبه اليوم بالأمس عندما حاولت الولايات
المتحدة، في ظلّ التوازن الدولي بينها وبين الإتحاد السوفياتي آنذاك، أن تشكل حلف
بغداد نظراً لأهميّة موقع العاصمة العراقية كهمزة وصل ما بين الشرق الأوسط والحدود
السوفياتية، ناهيك بأهمية العراق الإقتصادية في مجال النفط، لاسيّما بعدما انتزعت
القوات الأميركية والبريطانية حقول النفط أولا <<لحمايتها>>، وخصوصاً
حقل الرميل الذي يرتبط بعقود مع روسيا الإتحادية وفرنسا. ما أشبه ما يجري اليوم
وما جرى بالأمس، انما في ظل غياب المنافسة الدولية إثر سقوط الإتحاد السوفياتي، مع
فارقٍ أن الولايات المتحدة اعتمدت <<الجزرة>> في المحاولة الأولى التي
لم تنجح بفضل تصدي الرئيس جمال عبد الناصر لها، و <<العصا>> في
المحاولة الجديدة اليوم لرسم معالم سيطرتها على الشرق الأوسط وصولاً إلى تخوم
الأمبراطورية السوفياتية القديمة.
ومهما كانت النتائج العسكرية لهذه الحرب
فإنها لن تمرّ في نتائجها السياسية رغم إرادة الشعوب العربية التي رفضت في عهد
الرئيس جمال عبد الناصر <<حلف بغداد>> وحاربته في لبنان سنة 1958،
والتي ترفض اليوم في عهد الرئيس بشار الأسد الحلف الأميركيّ الجديد الذي تقوده
مجموعة صهيونية في الإدارة الأميركية تحت شعار مكافحة الإرهاب الدوليّ والأنظمة التي
تُشكل سنداً له، كما تدّعي.
التاريخ يعيد نفسه. ومثلما انقلبت أنظمة إثر
محاولة تمرير <<حلف بغداد>> الأول، هكذا ستنقلب الشعوب العربية على
الانظمة المنقادة للولايات المتحدة وفق مصالح لا تمتّ إلى شعوبها بأيّة صلة، لتحلّ
محلّ ذلك أنظمة ترفض الإستعمار الجديد المتجلبب بفضيلة الدفاع عن الحريّة
والديمقراطية ومكافحة الإرهاب.