"حرب الديمقراطية"  و ديمقراطية الحرب!

 

 

بقلم : جواد البشيتي

 

لقد برّ الغزاة بوعدهم الديمقراطي، فالعراق، الآن، وبفضل الغزو هو "واحة الديمقراطية" في الصحراء العربية!

وليس في قولنا بذلك ما يستفز المشاعر الديمقراطية والليبرالية للمثقفين الديمقراطيين والليبراليين العرب، الذين لا يختلفون عن أشقائهم من مثقفي أنظمة الحكم الشمولي، المعادية فعلا لا قولا للحقوق والحريات الديمقراطية للمواطنين العرب، إلا في طريقة تزوير الإرادة الشعبية، وإفراغ الحق الديمقراطي الأول، وهو الحق في "حرية التعبير" للأفراد والجماعات، من محتواه الديمقراطي الواقعي التاريخي، فالمواطن العربي، أحكمه حاكم أوتوقراطي أم "ديمقراطي"، لا يرى ذاته الحقيقية، السياسية والاجتماعية والثقافية والوجدانية، في مرآة حكومته و"برلمانه" وصحافته، ولا حتى في مرآة "أحزاب وقوى المعارضة"، التي تشبه، كثيرا، في تركيبها الجيني، الحكومات.

لو أنّ المواطن العربي، الواقعي التاريخي والذي "صورته الإعلامية" لا تشبهه البتة، امتلك، فعلا، الحق في حرية التعبير فهل نتوقع أنْ يستخدم هذا الحق في غير موضعه، كأنْ يستخدمه في التعبير عن رأيه في حبوب منع الحمل؟!

كلا، فممارسة المواطن العربي لحقه الديمقراطي في حرية التعبير لن تكون ممارسة ديمقراطية حقيقية إلا إذا أكد فيها وأظهر، في حرية كاملة، كراهيته، المبررة سياسيا وتاريخيا، لإسرائيل والولايات المتحدة، مترجما هذه الكراهية، القومية والثقافية والحضارية، بأفعال تدرأ عن وجوده القومي والإنساني مخاطر هذا العدو الصريح، الظاهر لكل من له عين تبصر وأذن تسمع.

نحن لسنا ممنوعين من حرية التعبير عن رأينا في كل الأمور التافهة، التي يكفي أنْ نظل نعبر عن رأينا فيها، وفي حرية تامة، حتى نؤكد موتنا السياسي والفكري والحضاري. العداء الصريح والمثمر لهذا العدو، الذي لم يقصّر عن إثبات وتأكيد عدائه لنا، هو الموضع الذي فيه تتحدانا الديمقراطية على أنْ نكون ديمقراطيين حقا!

وفي العراق، الآن، أنهى "المارينز" عهد الديكتاتورية وتكميم الأفواه وتقييد الأيادي، فالشعب العراقي انتزع حقه الديمقراطي الأول في حرية التعبير وحرية العمل بما يتفق ووجهات نظره السياسية الحقيقية، وبما يجعل الغالبية الشعبية العربية العظمى تغبطه على ما يتمتع به منذ العشرين من آذار المنصرم من حقوق وحريات ديمقراطية.

وبانتزاع المواطن العراقي لهذا الحق الديمقراطي صار في مقدوره أنْ يعبر، في حرية تامة ومن دون أنْ يتعرض للضرب والسجن والتجويع، عن كراهيته لبوش وشارون وبلير، وأنْ يمارس هذه الكراهية، الراقية في معانيها الإنسانية والحضارية والأخلاقية والقومية، ممارسة ديمقراطية لا مثيل لها في مجتمعاتنا العربية، التي تتوق إلى "صندوق الاقتراع" و"حقوق الإنسان" و"حقوق المواطن" والحقوق والحريات الديمقراطية كافة حتى تتخذها سلاحا تحارب به عدوها الصريح والحقيقي، دفاعا عن وجودها القومي، واستقلالها القومي، وسيادتها القومية، وحريتها في تقرير مصيرها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فالحرب، قبل وبعد اندلاعها، إنما أثبتت للمواطن العربي بطلان وزيف "أعياد الاستقلال" و"السيادة القومية" و"القرار المستقل"، كما أثبتت أنّ خلاصنا القومي لن يكون إلا في الديمقراطية، التي تسمح لنا بما تسمح به للمواطن العراقي الآن، فنحن لسنا في حاجة إلى ديمقراطية تجعلنا ننظر إلى غزاة بوش وبلير وشارون نظرة تجعل التاريخ ينظر إلينا على أننا قوم أغبياء، لم يدركوا مصالحهم، ولم يعرفوا، بالتالي، كيف يدافعون عنها!

لو دخل الغزاة أم قصر والفاو والبصرة والناصرية.. في الطريقة التي كانوا يأملون، أي لو خرج المواطنون العراقيون في استقبالهم استقبال الفاتحين المحررين المخلّصين، لحق لبوش وبلير وشارون أنْ ينظروا إلى العربي نظرة ملؤها الاحتقار والازدراء!

إنني لا أدعو إلى مزيد من محاولات الاحتلال الأجنبي للأرض العربية حتى نظفر بما ظفر به الفلسطيني واللبناني والعراقي من ديمقراطية؛ ولكن أليس أمرا يدعو إلى الدهشة أنْ نرى الديمقراطية تزدهر حيث العربي لا يجد عربيا يقدر أنْ يمنعه من التعبير عن كراهيته لإسرائيل والولايات المتحدة، قولا وفعلا؟!

وأحسب أنّ بوش يوشك أنْ يقتنع بأنّ الطريقة المثلى لجلبه الديمقراطية إلى العالم العربي هي أنْ يرسل إليه "المارينز" وطائرات "ب ـ 52" و"الشبح" وصواريخ "كروز" و"توماهوك" و"القنابل الذكية"، التي من فرط ذكائها تدمر القمقم حتى يخرج منه "المارد العربي"!

قبل أنْ تندلع الحرب كان ممكنا الحديث عن هوّة تفصل بين الشعب العراقي ونظام حكم الرئيس صدام حسين، وعن جمر تحت الرماد في العلاقة بين الشيعة والسنة في العراق، وعن سور صيني يفصل بين "الأصولية الإسلامية" و"القومية العلمانية العربية"، وعن قوة بعض الأنماط من العصبية التافهة والتي يمكن، في زمن الهزيمة القومية العربية، أنْ تتغلب على "العصبية القومية العربية" وعلى "الروح الإسلامية" النامية. كان ممكنا الحديث عن "حصن طروادة" التي عبرها قد تسقط العواصم والمدن العربية في القبضة العسكرية والسياسية لمعسكر الأعداء الذي، في بأس ثم في يأس، قادته القوة "العظمى" في العالم. كان ممكنا أنْ يتخذ بعضنا، سرّا أو علانية، شعار "اللهم نفسي" في صوره وأشكاله المختلفة، "خشبة خلاص"، فالولايات المتحدة، وقبل أنْ يمرّغ أنفها في تراب أم قصر والفاو والناصرية والبصرة، وتسقط هيبتها، أوهمتنا بعدما توهّمت هي، أنّها العزيز الجبار المتكبر المهيمن..

لقد تمكّن منّا هذا الوهم حتى ظننا أنّ بالذبيحة العراقية يمكننا التقرب إليها، ونيل مرضاتها، وشراء رأفتها ورحمتها، فالتوسل إليها كاد أنْ يتحول إلى عقيدة سياسية عربية!

وسقط هذا الوهم سريعا في زمن الحرب، والخوف منها شرع يوازنه الخوف من هذا العراق المقاوم الصامد، الذي بإبدائه هذه المقاومة وهذا الصمود أحيا الانتماء القومي العربي، الذي في خندقه القتالي نرى، الآن، "الأصولي الإسلامي" و"القومي العلماني"، الشيعي والسني، المصري والسوري واللبناني والأردني والفلسطيني والسعودي والمغربي.. ، جنبا إلى جنب، فالعدو لديه من الخواص ما لا يسمح له، هذه المرة، بالقتال بسلاح "فرّق تسدْ"!

كان المواطن العربي لا يميّز، ولا يستطيع تمييز، إسرائيل من الولايات المتحدة، شارون من بوش؛ ثم أدرك "الحقيقة الكبرى"، وهي أنّ الولايات المتحدة، التي حمت إسرائيل زمنا طويلا ومدّتها بكل أسباب القوة، تريد، الآن، أشياء أخرى. تريد وضع يدها على الثروة النفطية العربية، واحتلال أراضٍ عربية، وتقويض كل ما يمت بصلة إلى "الكيان القومي العربي"، وتنصيب حكومات تأتمر بإمرتها وإمرة إسرائيل، بدعوى محاربة "الإرهاب" وتجريد صدام حسين من أسلحته الكيميائية والبيولوجية ونشر الديمقراطية في العالم العربي..

ولمّا كان المواطن العربي غير قادر على التعبير الحر عن موقفه الحقيقي من كل ذلك ظنت الولايات المتحدة أنّ الصمت الاضطراري للغالبية الشعبية العربية هو تعبير عن موافقته على "الخلاص" على يديها. وظنت، أيضا، أنّ هذا المواطن قد نسي الجرائم الشارونية، أو المعاني العظيمة للانتفاضة الفلسطينية وللمقاومة الباسلة في جنوب لبنان.

في مناخ شعبي عربي كهذا جاء غزو العراق. وجاء متلفعا بالإصلاح الديمقراطي وبخريطة الطريق، وكأن العرب قوم من الأغبياء، لا يميّزون النهار من الليل ولا الأبيض من الأسود. وكانت النتيجة هي التي نراها الآن، فالمواطنون العرب، من المشرق والمغرب، يتخطون "الحدود الوهمية" لينضموا إلى أشقائهم العراقيين في استقبال الغزاة والترحيب بوصولهم إلى أرض الرافدين!

حتى "القنابل البشرية" الفلسطينية ما عادت تجد فرقا بين أنْ تنفجر في فلسطين أو في العراق، فهنا شارون وهناك بوش، ولا فرق بين هذا وذاك!

الديمقراطية لدينا، ولأسباب تاريخية معروفة، لا تقوم لها قائمة إلا إذا كانت "قومية" المحتوى، فلا شيء يحتاج المواطن العربي إلى أنْ يعبر عن رأيه فيه وعن موقفه منه في حرية تامة سوى قضاياه القومية؛ ولعل خير دليل على ذلك أنّ الشارع العربي لا ينفجر غضبا ونقمة، ويتعرض للقمع الشديد، إلا في حالة اشتداد النزاع القومي مع إسرائيل والولايات المتحدة، فالمطالب القومية لا المطالب الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين العرب هي، في المقام الأول، ما يدفع بهم إلى النزول إلى الشوارع.

وقياسا على ذلك، يمكننا القول أنّ الحياة الديمقراطية، أكانت معلنة أم غير معلنة، تؤكد وجودها وتعبر عنه، في المجتمعات العربية، حيث تستطيع الغالبية الشعبية أنْ تعبر، قولا وفعلا، وفي حرية تامة، عن عدائها لإسرائيل والولايات المتحدة، فما هي الأهمية السياسية للحقوق والحريات الديمقراطية إذا كان ممنوع على المواطنين العرب استخدامها حيث ينبغي لهم استخدامها، وحيث يحتاجون فعلا إلى استخدامها؟!

هذه الديمقراطية "غير المعلنة" هي التي نراها، الآن، تقاتل في بسالة منقطعة النظير في جنوب العراق، فالعراقيون يتمتعون، مذ بدأ الغزو، بما لا يتمتع به أشقاؤهم العرب، وهو الحق الديمقراطي الأول، أي الحق في حرية التعبير، قولا وفعلا، عن عدائهم التاريخي المرير للحلف المعادي المؤلف من بوش وشارون وبلير، فهذا العداء لا يعدله، عراقيا وعربيا، عداء.

كان يكفي أنْ يقع رامسفيلد في إسار وهم أنّ الشعب العراقي يتوق إلى "التحرر الديمقراطي" ولو على يديّ الشيطان الرجيم حتى يرتكب أكبر خطأ عسكري إستراتيجي، وهو إصراره على انتفاء الحاجة إلى قوة قتالية بشرية أكبر، فالمواطنون العراقيون في الجنوب، بحسب وهمه، لن يقاتلوا الغزاة، بل سينضمون إليهم في قتال نظام الحكم العراقي، ولن يستغرق الوصول إلى بغداد، بالتالي، سوى بضعة أيام من "حرب نظيفة"، تقيم الدليل على أنّ الولايات المتحدة كانت محقة سياسيا وأخلاقيا وإنسانيا إذ أصرت على الذهاب إلى الحرب عندما كان العالم كله يرفض هذه الحرب، ويسعى في منع وقوعها.

لقد بلغت به الحماقة مبلغها إذ قال أنّ أهل الجنوب العراقي لا يقاتلون الغزاة ويقاومونهم من تلقاء أنفسهم وعن اقتناع؛ وإنما خوفا من أنْ يتعرضوا لبطش وقمع نظام حكم صدام حسين، ضاربا صفحا عن حقيقة تفقأ العيون، وهي أنّ البطش والقمع يتعرض لهما المواطنون العرب عندما ينزلون إلى الشوراع للتعبير عن رغبتهم في قتال إسرائيل والولايات المتحدة!

الآن، حيث تحطمت أوهام رامسفيلد، شرعت القيادة العسكرية والسياسية العليا للغزاة ترسل بمزيد من الجنود، فمسرح الحرب اتسع إذ دخل الشعب العراقي نفسه المعركة إلى جانب صدام حسين وقواته، وصار ينبغي للغزاة تدمير هذا الجيش الجديد من "المدنيين"، الذين أحبطوا أوهام "البنتاغون" و"وكالة الاستخبارات المركزية" و"البيت الأبيض"، وآخرين.

وأخشى ما يخشاه الغزاة، الذين أعلنوا عزمهم على اقتحام المدن، هو العراقي الذي يتزيّا بالزيّ المدني، والسيارة العراقية المدنية، فهذا العدو الخفي يلقي الرعب في قلوبهم أكثر من الجندي والدبابة!

إنهم يخشونه وهم لم يدخلوا المدن بعد، فكيف ستكون حالهم عندما يدخلونها، وإذا ما تمكّنوا من دخولها؟!

كانوا يريدونها حربا سريعة خاطفة فإذا بهم يضطرون إلى قبول ما أراد العراق، وهو الحرب الطويلة القاسية. كانوا يريدون تحاشي حرب الشوارع والمدن فإذا بهم يكرهون على مغادرة "ملاذهم الآمن" في الصحراء إلى حيث الحرب التي يريدها العراق، ففي المدن والشوارع والمناطق المأهولة يتقرر المصير النهائي للحرب، التي لا يتقرر النصر فيها أو الهزيمة بمساحة الأرض التي خضعت لسيطرة الغزاة؛ وإنما بعدد قتلاهم وجرحاهم وأسراهم، الذي يمكن ويجب أنْ يزداد في داخل المدن وضواحيها.