حمام بغداد المختنق برائحة الدم!
بقلم:
د. علي عقلة عرسان
(1)
اليوم هو
التاسع عشر من أيام الحرب على العراق، الشعب العراقي متماسك صامد، والمقاومة
مستمرة، والجيش والفدائيون وقوة العشائر في ديارها كل من أولئك يتعامل من موقعه مع
قوات التحالف بشجاعة، تسجل لشعب العراق. لم نر في الأيام الماضية على بدء العدوان
من ينضم من الشعب إلى القوة الغازية ويخرج على النظام أو يضعف صورة البلد الصامد
في جبهة متماسكة من الجنوب إلى الشمال ومن الغرب إلى الشرق، على الرغم من الغارات
المستمرة على المدن والقرى، والقصف الوحشي للمدنيين، وتدمير البنية التحتية التي
توفر للناس الخدمات الأولية والأساسية، ورغم تغلغل القوة الغازية في مسارب بين
دجلة والفرات.
والمعارضة
العراقية قسمان: قسم يقف مع العراق والشعب ضد العدوان والاحتلال ويضع المعارضة مع
النظام في مرتبة أدنى من الصراع مع العدوان، وقسم يريد أن يتابع المعتدون حربهم
حتى يسقط النظام. وهم يفترقون في الكلام عن المستقبل إلى شُعَب: شعبة ترافق القوة
الغازية وتعمل معها علناً، وستدخل دائرة الحكم كما تقول لتبني عراق ما بعد صدام
وفق الرؤية والسياسة التي وضعتها «قوة التحالف»، بوصفها جزءاً منها، وشُعْبَة
ستدخل العراق كما تقول لتقاوم الاحتلال بعد الانتصار على النظام وتغييره، وترى
أنها بذلك تكون قد كسبت الحرية للعراق وزال النظام الذي لا تريده، ومن بعد ذلك
ستنظر في موضوع مقاومة الاحتلال.
طريق
الشعبة الأولى واضح واختيارها صريح فهي مع التحالف العدواني وبإمرته من البداية
حتى النهاية، أما طريق الشعبة الثانية فملتبس إلى أبعد الحدود فهي تريد نتائج
العدوان وثوب الوطنية في الوقت ذاته، ويبقى السؤال: كيف ستقوم تلك الشعبة بمقاومة
القوة المحتلة بعد نهاية المعركة على العراق «وانتصار» المعتدين عليه - لا سمح
الله - وتدميرهم لجيشه وتجريده من كل أسلحته؟! هل يتوقعون أن يمنحهم المحتلون
الأسلحة ليخوضوا ضدهم معركة ينالون فيها شرف تحرير العراق من المستعمرين وطرد
الغزاة الأميركيين والبريطانيين من أرض الرافدين؟! وهل تتوقع أن تجمع تلك الشعبة
حولها الشعب العراقي وتجعله في تصديه للغزاة بقيادتهم أقوى مما هو عليه الآن وهو
يتصدى لهم بإمرة النظام، أم تراها تملك ما لا يملك العراق اليوم وستقاوم بشعب آخر
وبأدوات وأسلحة وذخائر أخرى وهي تحت الاحتلال!؟ المنطق الذي يقدمه أولئك لا يستقيم
أبداً والأيام القادمات فيصل فيما يذهبون إليه من قول.. ولا أجدهم إلا ممزقين من
الداخل حيارى بين الولاء لمن يشنون الحرب العدوانية على العراق والولاء للعراق في
حربه اليوم ضد العدوان، إنهم لا يريدون أن يخسروا ثوب الوطنية العراقية العريق ولا
يملكون رؤية تجعلهم يرتفعون فوق الأحقاد والخلافات ويقفون مع الوطن في المحنة حتى
لو كانوا على خلاف مع من يحكمهم.
(2)
بغداد
محاصرة ولا نعرف كم يطول حصارها ولا كيف سينتهي ولا النتائج التي سيسفر عنها،
فالموقف العربي لا يقدم شيئاً للعراق في هذه المواجهة، والجهود الدولية ميتة أو
تكاد وهي في أفضلها لا تريد هزيمة للولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وليست على
استعداد للقيام بتحرك من شأنه أن يضعها في مواجهتهما ويحسم الأمور على وجه مغاير
لما تقرره الحرب، والقوة الغازية تعلن بلسان بوش أنها لا تقبل أن تعطي النظام في
العراق فرصة من أي نوع ليتنفس ويستعيد حضوره السياسي من جديد وسوف تعمل على تدميره
وإنهائه، والعراق الرسمي يقول: إنه سيغتنم الفرصة السانحة ليقطِّع قوات الغزو التي
تسللت في أنحاء كثيرة من جغرافيته ويبدأ مرحلة القضاء عليها بعد أن استدرجها إلى
ما يسميه المستنقع، ويلقن قوة العدوان درساً تاريخياً لا تنساه أبداً.
كل
المراهنات كبيرة وكلها جديرة بالاهتمام، وكل من يربح فيها سيخرج خاسراً على نحو
ما.. المراهنات الأشد خسارة حتى لو ربحت هي تلك التي لا تتمتع بشرف الموقف
والمستند الخلقي لأنها ستكون محكوماً عليها بكل المقاييس، وملوثة بدم العراقيين
الأبرياء الذين يتساقطون على ضفاف النهرين من دون ذنب، ولأن نتائجها ستأتي على
حساب الحق والعدل والشرعية الدولية والقيم الإنسانية والحرية الحقيقية للناس في
الحياة، تلك التي لا يمكن أن يتم الحديث عنها والتمتع بها بجدارة إلا في ظل الأمن
والاطمئنان والاحترام للحياة البشرية والكرامة وحقوق الإنسان.. ولا يمكن أن تكون
هناك كرامة مع ما نشهده من إذلال، فكم من المدنيين العراقيين على مشارف البصرة نطق
بهذه الكلمة «إذلال» وهو يتعرض للإهانة والتفتيش والقهر والقتل من طرف الغزاة
الذين يسمون أنفسهم «محررين»؟! إنهم يحررون الإنسان من حياته، وينتزعون من العراق
سيادته وكرامته، ويبنون مستقبل الحياة في العراق وهم يحرثون أرضه بالصواريخ
المشبعة باليورانيوم المنضب والدبابات وقذائف الكراهية والفتنة التي يثيرونها
ويعتمدون على إثارتها بين العراقيين، ويجعلونها جزءاً من استراتيجيتهم العسكرية في
السيطرة على العراق.
إن ما يحل
بالعراق والعراقيين فظيع، وما يزيد وطأته عليهم وعلينا العجز الذي يجعل الأمة
العربية مكبلة وملقاة على جوانب طريق مرور أرتال قوة العدوان الذي يذرع أرضها
ليدمر هذا الجزء أو ذاك من كيانها، إن ما يجري مؤلم وفظيع والإحساس بالعجز حياله
أشد فظاعة وإيلاماً، ولكن المؤكد في خضم الذهول والهول والغضب وسحب دخان الحرائق
ونيران الصواريخ وقذائف الدبابات أنه لن تموت إرادة العراق، ولن يفنى العراق، ولن
يفنى شعبه، ولن تتغير هويته العربية الإسلامية، ولن يضعُف انتماؤه لأمته، ولن
يتأثر دوره الحضاري العظيم.. ستبقى الحياة غنية وبهية على ضفاف دجلة والفرات،
وسيبقى دجلة يحتضن بغداد وأهلها يتوسدون ضفافه وهو يجتاز العراق من الشمال إلى
الجنوب حاملاً الخير وعبق التاريخ، سيبقى النخيل الفذ يشكل سواد العراق، وسيبقى
الفرات شريان حياة لأهله ومخزناً لذاكرة تاريخية عربية كبيرة، وستبقى ضفاف
الرافدين وشط العرب قناديل حضارة ومشاعل قيم تهدي البشرية إلى طرق إنسانية في
العيش والعمل والعلم والإيمان.
وسيبقى شعب
العراق قمة من قمم نضال الشعوب وصمودها ودفاعها المشرف عن الوطن والحق والحرية
والاستقلال.. وسيزول الغزو وتندحر روح العدوان والعنصرية ويندحر التآمر والخيانة..
وسوف يستيقظ على فجر زمن جديد يبني فيه ويغني الحضارة البشرية كما فعل خلال
تاريخها الطويل.. وسيبقى العراق أولاً وأخيراً عربي الوجه واليد واللسان حتى لو
دخل المحتلون أرضه وأقاموا فيه لزمن.. و«استرطنوا» صنائع لهم فيه.
العراق
سينتصر على العدوان وأهدافه، والعراق سينتصر على العنصرية الصهيونية التي تقف وراء
حرب الإبادة التي تشن عليه، ويشارك من عناصرها أربعون في مراكز القيادة وأكثر من
أربعمئة في عمليات التجسس مع القوة الغازية، وتُستخدم طائرات من دون طيار من صنع
الكيان الصهيوني في هذه الحرب وكذلك صواريخ وقذائف.. الكيان الصهيوني داخل المعركة
في العراق وتقف الصهيونية خلفها في التخطيط والتحريك والدفع السياسي والإعلامي،
وهو يعمل الآن على إعادة تأهيل خط النفط بين الموصل وحيفا ليأخذ من نفط العراق ما
خطط لأخذه بالاتفاق مع لصوص النفط وتجار الحرب في الولايات المتحدة وبريطانيا
فضلاً عما سيتحقق له من حلول لقضية فلسطين تقضي على حق العودة وتأتي وفق
استراتيجيته ورغبته ورؤيته، وما سيكون عليه وضعه في المنطقة بعد ذلك من هيمنة
سياسية وأمنية ومن شراكة عضوية في رسم سياستها بعد السيطرة على العراق، إن تم ذلك
لا سمح الله، فهذه الحرب في جزء كبير منها، مطلب صهيوني وخدمة للمشروع الصهيوني
وأهدافه الاستراتيجية البعيدة.
(3)
يدمي قلبي
عجز الأمة، وصمت العالم الرسمي بأممه المتحدة في نيويورك، وتدمي قلبي المشاهد
الحزينة التي تستعرض العراقيين شهداء تحت أنقاض البيوت، وجرحى يصرخون من الألم في
المستشفيات، أو مشردين في الطرقات يبحثون عن الأمن ويتوقفون عند نقاط التفتيش حيث
يقوم الجنود البريطانيون والأميركيون الغزاة بتفتيشهم.
شعبنا هناك
يتعرض للدمار والموت ويعاني من القهر ويبحث عن إخوته وأشقائه وظلال دمائه ما بين
أرض وسماء في بغداد المجد والتاريخ والأنبياء فلا يجد إلا صوت طلائع عربية تصرخ في
بعض الشوارع: «بغداد يا بغداد كلنا مشاريع استشهاد» وهو بعض هتاف العرب المتطوعين
للدفاع عن بغداد.. أما الجيوش والقوة التي يمكن أن تقرر شيئاً على الأرض وتساهم في
حسم القتال أو ترجيح كفته على نحو ما فليست هناك.. ليست هناك ولن تكون.
حمام بغداد
لا يستقر.. إنه متعب من السفر بين شرقها وغربها، جنوبها وشمالها، حمام بغداد مرهق
يكاد يختنق لأن رائحة الدم تختلط برائحة احتراق النفط ودمار العمران، ويتصاعد هناك
دخان يسد الأفق ويحجب الشمس ويغيب الرؤية ولون السماء.. حمام بغداد متعب إلى حد
مريع ويتساقط أحياناً مع سُحُبَ موت ترسل إلى الأرض والناس رسائل يحملها من يسمون
أنفسهم «محررين» رسائل موت تتراكم فوق بغداد والعراق.. كل العراق.. حمام بغداد فقد
سلامة الطبيعة فنسي الهديل، وفقد الرؤية فأصبح يرتطم في أثناء طيرانه بجدران تميته
أو بطائرة أو دبابة أو قذيفة تحرقه.
مسكين حمام
بغداد ومسكين كل حي في العراق، فزحف الموت يزحف عليه مع زحف الغزو.. مسكين حمام
بغداد، إنه يهيم فوق المساجد والأضرحة والعتبات المقدسة والحسينيات وينوح ويكتب
بدمعه على الأسقف وفضاء المدينة: اللهم جنبنا شر المعتدين فتكتب الاستجابة لدعاء
حمام بغداد الهائم في فضائها بين حريق وحريق.