الاحتمالات
المتوقعة على المسار الفلسطيني
تناقلت
وكالات الأنباء في الأسبوع المنصرم ثلاثة أخبار ذات صلة بما يسمى "عملية
السلام" الجارية فصولها منذ وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها قبل اثني عشر عاما
. كان أولها ما أعلن في إسرائيل عن قرار استبعاد بريطانيا من أن يكون لها دور ، في
كل ما يتعلق بالمشروع المقترح لإعادة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إلى طاولة
المفاوضات وفقا لخطة "خارطة الطرق . " وكان الخبر الثاني ما أعلنه
الرئيس الأمريكي بوش ، أثناء لقائه الأخير مع رئيس الوزراء البريطاني بلير من
ترحيب بتكليف محمود عباس (أبو مازن) وقرب طرحه خطة "خارطة الطرق" . أما
الخبر الثالث فكان تهديد محمود عباس بالاعتذار ، بسبب خلافه مع الرئيس عرفات حول
تعيين وزير الداخلية . إذ بينما يرشح محمد دحلان ، ما زال الرئيس عرفات مصرا على
استبقاء هاني الحسن وزيرا للداخلية
.
وواضح أن ثمة قدر من عدم التوافق بين أول
خبرين ، إذ بينما تقرر إسرائيل استبعاد أي دور بريطاني ، نجد الرئيس الأمريكي ،
ومن على الأرض البريطانية ، وبحضور رئيس الوزراء البريطاني ، يعلن استعداده لقرب
طرح "خارطة الطرق" . والسؤال في هذه الحالة هل إن الرئيس الأمريكي غير
مبال بالقرار الصهيوني ، أم أن ذلك القرار لم يكن نهائيا ، ولا يخرج عن كونه
يستهدف التحذير وليس التقرير ؟ والسؤال الأكثر أهمية وإلحاحا ما هي انعكاسات
التحولات الدراماتيكية المتسارعة في العدوان على العراق على مواقف الأطراف الثلاثة
؟
هل إن التحولات الدراماتيكية المتسارعة في
بغداد ، وما توحي به من نصر مؤزر ومؤكد لإدارة الرئيس بوش ، وبالتبعية لحلفائها الاستراتيجيين من
غلاة اليمين الصهيوني بزعامة شارون . سوف تكون لها تداعياتها الدافعة باتجاه مزيد
من الغطرسة والشره الصهيوني ، بحيث لم يعد الأمر قاصرا على القرار بحجب الدور
البريطاني ، وإنما باتجاه وضع
اشتراطات جديدة للقبول ، مجرد القبول ، بالعودة إلى طاولة المفاوضات .
والرئيس الأمريكي نفسه هل يبقى عند ما صدر
عنه قبل يوم واحد من التحولات الدراماتيكية في بغداد ؟ أم أن ما صدر عنه لم يكن
سوى موقف تكتيكي اقتضته ظروف العدوان ، للتأثير في الموقف الرسمي العربي . وحيث أن
مجريات الأمور في العراق قد أعفته مما كان محتاجا لمداراته . وبالتالي من السهل
عليه التراجع بحجة انتظار ما قد تسفر عنه الأمور في عاصمة الرشيد ، والانشغال
بترتيب الأوضاع الأكثر إلحاحا ؟
والثنائي الرئيس عرفات ورئيس وزرائه المكلف ما هي
التداعيات المتوقعة على موقف كل منهما ؟ وهل يتراجع الرئيس عن تمسكه بهاني الحسن ،
ويقبل بمحمد دحلان وزيرا للداخلية ، وتحولات بغداد تصب في قناته ، كما في قناة
محمود عباس ؟ أم أن "الختيار" سيصر على ما تبقى له من دور في صناعة
القرار ، والاستبقاء على بعض الخيوط في يده ؟ وليس من شك أن محمود عباس هو اليوم
أقوى منه في أي يوم مضى ، وقد بات
موضع رضى القطب الأعظم . كما أن محمد دحلان غدا الرجل الأكثر قابلية للمنصب ،
باعتباره الأكثر استعدادا للتعاطي مع التداعيات المحتملة في الشارع الفلسطيني.
ثم ما هي التداعيات المحتملة على صعيد
المقاومة ، التي تواصل عطاؤها ، وتعددت ابداعاتها ، طوال الشهور الثلاثين الماضية
؟ هل سوف تشهد تهدئة تحسبا لما ستأتي به الأيام ؟ أم أنها سوف تندفع باتجاه التصعيد
تأسيسا على قاعدة الهجوم خير وسائل الدفاع ؟ الأمر في الحالين وثيق الصلة
بالمستجدات والمتغيرات المحتملة على ارض فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر ، وإن
هي لا بد متأثرة بالمتغيرات الدراماتيكية في العراق . ويظل ما يستجد على موقف
حكومة شارون المؤثر الأشد تأثيرا . ذلك لأن الانتفاضة ما كانت لتتفجر لو أن
مفاوضات السنوات السبع التي انقضت ما بين توقيع اتفاق أوسلو وتفجر الانتفاضة تمخضت
عن تلبية الحد الأدنى من الطموحات الوطنية للشعب العربي في فلسطين .
والاحتمال الأرجح أن يقدم شارون ليس فقط على
المغالاة في اشتراطاته ، وإنما أيضا على تصعيد عمليات التدمير والاغتيال والاعتقال
، مغتنما الظرف المستجد ، وماضيا باتجاه فرض مخططه في عدم الزام إسرائيل بأي تسوية
لأي من قضايا الحل النهائي . والاكتفاء بتسوية تضمن أمن إسرائيل واستقرارها ، مع
بقاء كل القضايا التي تهم شعب فلسطين مؤجلة عشرين سنة أو أكثر ، مراهنا على جنرال
الزمن ، الذي لن يبقي من الحقوق وأصحابها شيئا يذكر .
ولسوف يراهن شارون ، ويجد بين المؤثرين في
صناعة القرار الأمريكي من يراهنون معه ، على التداعيات المحتملة للنصر الأمريكي
السريع ، والذي يكاد يكون بلا تكلفة تذكر ، في أوساط الشعب العربي نخبا وجمهورا .
حيث يتوقع أن يزداد العرب ارتكاسا في اليأس والاحباط ، والشعور بالعجز عن التأثير
فيما يخطط لهم ويرسم. وبالتالي يغدو ممكنا تمرير ما كان غير يسير تمريره قبل شهور
قليلة ، يوم أن قال شلومو بن عامي : ليس هناك حكومة إسرائيلية تستطيع ان تقدم على
إعطاء الفلسطينيين ما يرضيهم ، كما أنه ليس هناك سلطة فلسطينية بمقدورها أن ترغم
الفلسطينيين على قبول ما لا يرضيهم .
ذلك ما قاله الوزير الصهيوني ، صاحب
المشاركة الطويلة في المفاوضات الماراثونية السابقة للانتفاضة ولشهور بعد تفجرها .
غير أن الحال اليوم غير ما كانت عليه عندما قال بن عامي الذي قاله . وما دام الحال
قد تغير فهل تتغير المعادلة التي صاغها ، ويغدو ما كان غير ممكن او غير مقبول
ممكنا ومقبولا ؟ ومرة ثانية أقول يظل الطرف الصهيوني صاحب الموقف المحدد للتوقعات
، في حين لن يخرج الموقف الفلسطيني ، السلطوي والمقاوم على السواء ، عن أن يكون هو
المتأثر بالفعل الصهيوني
ولا أقول هذا تأسيسا فقط على أن العدو
يمتلك استراتيجية دائمة وشاملة للصراع ، في حين يفتقر لذلك الطرف العربي ، والفلسطيني منه على وجه الخصوص . وإنما أيضا لان العدوان الصهيوني على
التراب العربي الفلسطيني هو التحدي ، فيما رد الفعل العربي تجاهه هو الاستجابة .
وفي كل الصراعات عبر التاريخ كانت طبيعية التحدي هي التي تحدد إلى حد بعيد مستوى
الاستجابة . وما دام متوقعا ان يصعد شارون
ويشتط ، فالمتوقع والحال
كذلك أن تشهد الساحة الفلسطينية انقساما عموديا حادا .
الذين ربطوا حاضرهم ومستقبلهم بالوصول إلى
تسوية ، مهما كانت شروطها ، سوف يجدون في المستجدات الدولية والعربية ما يبررون به
كل تنازل يقدمون عليه ، بحجة الواقعية واستحالة السباحة ضد التيار . وبالمقابل من
المتوقع أن تشتد صلابة مواقف من كانت المقاومة خيارهم ، لادراكهم أن راس المقاومة
، وبالتالي رؤوسهم ،هي المطلوبة . لكن الصدام بين الاتجاهين مستبعد جدا ، وإن كان
غير مستحيل وقوعه .
وقياسا على التجربة العربية منذ ثلاثينات
القرن الماضي الأكثر احتمالا أن ستكون هناك مداخلات عربية رسمية سريعة لاحتواء
الموقف . وأغلب الظن أن تبعث الحياة مجددا في لقاءات القاهرة ، وصولا الى موقف
مشترك ، فرصة تحقيقه الآن أكبر منها في اي وقت مضى . ولكن ذلك لن يجدي نفعا في
المحصلة . ولسبب جوهري بسيط : لأنه ليس بين صناع القرار الصهيوني من ينظر للسلام
باعتباره غاية وانما وسيلة لتحقيق مكاسب آنية . وقد توفرت لشارون فرصة كبرى لتحقيق
المكاسب دون اي التزامات .
وقد يقال : وماذا عن الموقف الامريكي ؟ والجواب
ببساطة ايضا ، ومتى كانت الادارة الامريكية جادة في موضوع التسوية ؟ ألم تصغ
الادارة الأمريكية قرار مجلس الامن رقم 242 وتسوقه ، وتنتزع القبول به في خريف
1967 ؟ ومع ذلك لم تقدم خطوة واحدة على طريق تنفيذه برغم الاستعداد العربي للتنفيذ
. وإذا كان الرئيس بوش قد تحدث عن "خريطة الطرق" قبل ايام على سبيل
التكتيك ، فالشىء المؤكد أن عهد التكتيك قد انتهى . والمنطقة على عتبات مرحلة
جديدة بكل المقاييس . وخلال مرحلة السيولة الراهنة الاحتمال الارجح ان يمضي شارون
في تصعيده ، وأن تمضي المقاومة في التصعيد المقابل ، وأن تجد الادارة الامريكية ما
يبرر لها تناسي ما قاله الرئيس قبل ايام . ولا يتبقى للمختلفين على من يكون وزير
داخلية الضفة الغربية والقطاع إلا أن يسارعوا بطي خلافاتهم .