حذار يا نقابة المحامين من تسجيل أسماء المتطوعين

 

 

بقلم : د.هاني السباعي

hanisibu@hotmail.com

 

لقد أعلنت  نقابة المحامين بمصر فتح باب الإكتتاب للمتطوعين المصريين الذين يريدون الخروج للدفاع عن شعب العراق الشقيق.. وشاهدنا تدافع أبناء الشعب المصري للتسابق على نيل الشهادة في سبيل الله نصرة لدينهم ومقدساتهم التي ينتهكها العدوان الأنجلوأمريكي على كوفة الخليفة الراشد علي بن أبي طالب وعلى بغداد الرشيد.. وكان هذا المشهد مهيباً ومؤثراً هيج المشاعر وأبكى القلوب قبل العيون.. وكان موقفاً طيباً لنقابة المحامين أن تبادر إلى فتح باب الجهاد.. لكن هناك بعض التحفظات على هذا الإعلان ألخصه في النقاط التالية:

أولاً: بداية لا نشكك في نوايا القائمين على الإشراف على هذا الإكتتاب التطوعي الذي يدل على تواصل الخير بين أبناء هذه الأمة جمعاء. لكن حسن الظن لا يمنعنا أن نميط اللثام على طبيعة تسجيل أسماء هؤلاء المتطوعين للقيام بواجب الجهاد في سبيل الله لنصرة أهل العراق وتاريخه إذ أن كتابة أسماء الناس في كشوف رسمية بهذه الطريقة في غاية  الخطورة على حياة هؤلاء المكتتبين وعلى مستقبلهم وخاصة أن أمامنا تجارب سابقة في التاريخ المعاصر لعلنا نسترجع بعضها على سبيل المثال:

* في سنة 1948 اكتتب شباب جماعة الإخوان المسلمين في سجلات رسمية وخرجوا للجهاد للدفاع عن فلسطين الأسيرة وسجلوا بحق صحائف من ضياء شاهدة في جبين التاريخ على حسن جهادهم وعظم بلائهم..ثم عقب عودتهم تم الترحيب بهم من قبل النظام المصري الملكي في معتقلات خاصة والزج بهم في السجون حيث الهول والتعذيب وتم القبض عليهم من جميع محافظات مصر بكل سهولة نظراً لوجود هذه الكشوفات اللعينة!

* في سنة 1979 عندما اجتاحت القوات السوفياتية السابقة لأفغانستان أعلنت الحركات الإسلامية  النفير في أرض الكنانة وغض النظام المصري الساداتي في ذلك الوقت النظر عن ذلك وأقبل آلاف الشباب للإكتتاب في جامع الأزهر للسفر إلى أفغانستان لنصرة إخوانهم في أفغانستان.. لكن الدولة طبعاً لم توافق واحتفظت بأسماء الناس فقط لأن المرحلة لم تكن تستدعي القبض على هؤلاء الشباب.. مع العلم أن نفس هذه الكشوفات هي التي هدد السادات باعتقالهم قبل قتله في حادثة المنصة 1981 ..

ثانياً: من البديهي كما في الديث الصحيح: « لاَ يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ » لكن للأسف الشديد فإن هذه الأمة قدّرَ لها قادتها المعاصرون أن تلدغ من نفس الجحر عشرات المرات!! فلماذا لا نستفيد من التجارب السابقة مع هذه الأنظمة المتآمرة المغتصبة للسطة في مصر وغيرها.)أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) (التوبة:126)

 ثالثا: اعلان نقابة المحامين فتح باب الإكتتاب للذهاب إلى العراق لرد الغاصبين المعتدين.. أعتقد أن هذا الإكتتاب لو كان في ظل نظام شرعي لكان مقبولاً .. لو كان هذا الإكتتاب في ظل نظام يرقب في هذه الأمة إلا أو ذمة لقلنا حسناً.. لو كان هذا الإكتتاب في ظل نظام لم يبع مصر سماءها وأرضها وماءها لقلنا نعم.. لو كان هذا الإكتتاب في ظل نظام لم يفتح قناة السويس لعبور هذه السفن العملاقة التي ترسل الحمم والحقد على شعب العراق لقلنا على بركة الله.. لكن أن يعلن فتح باب الإكتتاب تحت مظلة نظام مغتصب فاسد اداريا وخلقيا .. نظام فاشل في دنيا ودين.. فهذا ما لا نوافق عليه ونحذر منه.. فسيبيع هذا النظام هذه الأسماء المدونة في الكشوفات وسيقدمها للأمريكان لمطاردتها في كل مكان... وسينتقم من هؤلاء الشباب حينما تحين الفرصة خاصة إذا ما وضعت الحرب أوزارها وصار سيناريو الحرب على ما تريده إدارة الشر في أمريكا!!

رابعاً: والمرء يتساءل: لماذا الآن يتم فتح باب الخروج للجهاد والعراق تحترق ويتنهك عرض أرضها وتغتصب عفة سمائها؟  فأين كان هذا النظام القابع على أنفاس المصريين لماذا لم يجهز قوافل المتطوعين ولو سراً قبل هذا العدوان؟ لو كان في هذا النظام بقية خير لحررأراضيه .. ولماذا لم يحرك النظام هذه الجماهير للخروج لتحرير أم الرشراش المصرية التي بدل العدو اسمها زوراً وبهتاناً بعد اغتصابها عام 1949 بميناء (إيلات) تخليداً لذكرى مندوبهم في الأمم المتحدة الجنرال إيلات لدوره في انشاء الكيان المغتصب لأرض فلسطين.. أعتقد أن الإجابة واضحة في قوله تعالى: ()وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة:46)

فهذا نظام لا خير فيه لذلك حرمه الله من بركة هذا الخروج والإعداد له فكيف لقاتلي شعوبهم أن يكونوا أوفياء بررة؟!!

خامسا ً: وهناك أيضاً تساؤل برئ:  كيف سيصل هؤلاء المتطوعون إلى العراق؟! هل عن طريق الأردن التي أرشدت على الحافلة التي خرجت من عمان إلى بغداد وتم قصفها من قبل الطيران الأمريكي في عملية استعراضية وقتل معظمها وأسرمن عاش منهم من مصريين وسوادانيين ويمنيين وتونسيين وليبيين وجزائريين ومغاربة ومن كل الجنسيات العربية!! هذه هي المحطة الأولى.. أم هل سيدخلون العراق عن طريق سوريا الي بات طريقها محفوفاً بالمخاطر.. وقصف الحافلة السورية ليس ببعيد عنا!! حتى ولو غضت سوريا الطرف وسمحت بدخول المتطوعين عبر حدودها.. فستنتظرهم القاذفات الأمريكية داخل الأراضي العراقية بوشاية أذناب الأمريكان في أجهزة الأمن المصري!!

سادساً: المخابرات الأمريكية ستراقب حجم الإقبال الجماهيري على الإكتتاب ومن ثم تقايض النظام المصري قائلة له: أنت غير مقبول لشعب مصر ولن توافق على تولية ابنك جمال خلفاً لك!! بل إن هذه الجماهير لو أتيحيت لها الفرصة ستمزقك إرباً إرباً.. فأين المفر إلا مفر أمريكا !! فلزام على النظام المصري أن يعلن في المدائن أن عبادة الشيطان هي الدين الجديد للملك المعظم: (مصرو..ميكي) ويجب عليكم يا أهل مصر:أن تطيعوه!!

سابعاً: هذا الإكتتاب امتصاص لغضب الجماهير المحرومة من التعبير عن رأيها في شوارع مصر وميادينها العامة التي صارت ملكاً للأمريكان!! ولا يخفى علينا أن اعلان فتح باب الإكتتاب تم بموافقة الدولة والأجهزة الأمنية وهدف هذا المكر الأمني: أن يقول الناس إن حكومتهم  لم تقصر.. وها هي ذي مصر قد فتحت باب التطوع!! طبعاً  بطريق غير رسمي  رغم أن تطبيق سفر هؤلاء المتطوعين لن يتم بالطريقة التي يتمناها القائمون على هذا الإكتتاب في نقابة المحامين إن لم نقل إنه من شبه المستحيل أن يتحقق أصلاً. بل هو مجرد عملية استعراضية لكسب تعاطف الجماهير وصهر غضيها في بوتقة الإكتتاب فقط من باب (ابراء الذمة ليس إلا) .. وتحويل مسار ثورتها وحنقها على أفاعيل النظام المصري المشبوهة.. فهو نظام متآمر وشريك  في العدوان على العراق سابقاً وحالياً.. بل إن هذا النظام نفسه هو الذي زين لدويلات الطوائف في الخليج أن توافق على وجود قواعد أمريكية على أراضيها.. لم لا وقد سبق الجميع في وجود ست قواعد في أرض مصر في رأس بنياس وغرب مطار القاهرة وغيرها..ومناورات النجم الساطع في أرض سيناء وصواريخ (توماهوك) التي تنطلق من البحر الأحمر لهدم مآذن العراق وقتل النساء والولدان والعجائز.. التي تمزق أحشاءهم قنابل الأعداء ببركة الحكومة السنية في أرض عمرو بن العاص!! وتعذيبهم أسرى جوانتانامو لصالح المحققين الأمريكيين!! فهل هذا نظام أمين لهذه الأمة ؟! هل هذا نظام أمين على سجلات أسماء المتطوعين من أبناء أرض الكنانة؟! إنه نظام جلب العار والشنار لهذه الأمة العظيمة التي قاد أزمتها مجموعة من العبابيد المناكيد الذين أحلوا قومهم دار البوار:

إذا كان الغراب دليل قوم *** يجرهم إلى جيف الكلاب

ثامناً: كيف نطمئن إلى إعلان فتح باب الإكتتاب والسفير الأمريكي (ديفيد وولش) هو المندوب السامي والحاكم الفعلي لأرض مصر؟!! وإلا فماذا عسانا أن نفسر ما صرح به سفير الشيطان (ديفيد وولش) لوسائل الإعلام متسائلاً بكل صلف وغرور: ماذا يفعل الدبلوماسيون العراقيون في مصرولماذا لا يتم طردهم؟ فيرد عليه أحمد ماهر وزير الخارجية: هو حر ولنا رأينا!! بدل أن يطرد هذا المجرم المعتدي يرد عليه ببرود دبلوماسية الخذلان والهوان من نظام خائن يرتزق بدماء هذه الأمة ويقتات بأشلائها.. لكي يبقى أطول فترة ممكنة في الحكم وكأن مصر تكية لهم ولعوائلهم!!

تاسعاً: هذه الأنظمة هي العقبة الكأداء أمام تقدم الجماهير والقيام بواجبهم لنصرة أمتهم.. ومن ثم يعجب المرء لماذا لا تبادرهذه الجماهير بالتخلص من هذه العقبة التي هي أس المصائب والهوان الذي حل بهذه الأمة.. هذا النظام الذي استغل ثروات الأمة ونشر الفساد والأمراض والأوجاع في أهل مصر وحبس أيضاً التظاهرات في صحن جامع الأزهر .. ذلك الجامع الذي لم يستطع الفرنسيون ولا الإنجليز أن يغلقوه أو يحبسوا الجماهير الغاضبة فيه بل إنه كان منطلق الثورات التي تخرج منه إلى شوارع مصر المحروسة.. لذلك فهذا نظام يكافح نخوة الجماهير ويستأصل كرامتها ويعمل على حقنها بمصل الدياثة ولقاح الإنبطاح.. فطالما كانت التظاهرات حبيسة صحن الجامع الأزهر.. وسجينة أسوار الجامعات ومعلبة في أندية الكرة للتنفيس فقط فلن تعدو أن تكون ظاهرة صوتية سرعان ما تضعف الحناجر وتبح الأصوات ويعود الناس إلى مضاجعهم وفرشهم وضميرهم مرتاح جداً لأنهم خرجوا في تظاهرات مزمجرة  وعبروا عن مشاعرهم وعدسات وسائل الإعلام صورتهم وهم في غاية الحماس ونددوا بالعملاء والخونة وحرقوا أعلام الأعداء.!! أعتقد أن هذا ترويض لغضب الجماهير ولن تحل مشكلة هذه الأمة هكذا وبهذه الطريقة ستغتصب بلاد الإسلام واحدة بعد أخرى.. لن تنهض هذه الأمة ولن تعود الأمة إلى رشدها طالما أن حكم هذه الشعوب بأيدي حاكم عكا الخائن أيام الصليبيين!!  لن تنهض هذه الأمة وهي غافلة عن العدو الحقيقي الذي يقتات بدماء الشعوب المستضعفة في فلسطين وأفغانستان والعراق وهلم جرا ..

وفي الختام نحمل نقابة المحامين الأضرار التي ستلحق بهؤلاء المكتتبين لأن القائمين عليها لم يأخذوا حذرهم وحيطتهم وهم يسجلون أسماء هؤلاء المتطوعين في الوقت الذي يعلمون أن هذه السجلات ستعود لأجهزة الأمن المتربصة بهذا الشعب المسكين تلك الأجهزة التي لا هم لها إلا حماية أعداء الأمة وحراسة النظام وبطانته.