وَهَلْ يُستحلَف المؤتمَن؟

 

 

بقلم : محمد مصطفى المقرئ

almoqri3@hotmail.com     

 

  قبل أسبوع كتبت :

  " اإذا خان الحاكم ـ كفر أو لم يكفر (1) ـ بل إذا ثبتت خيانته ، ووضحت عمالته لأعداء أهل ملته ، حيث مكن لهم من بلاد المسلمين ، وحكمهم في الدماء والفروج والمعاملات وغيرها (من خلال قوانينهم) ، وأطلق أيديهم في عقيدتها وثقافتها ومناهجها ، وحتى في أنماط حياتها ، وفتح أمامهم مجالاتها الجوية ، ومياهها الإقليمية ، وحدودها البرية ، وموانئها ومطاراتها ، وسمح لهم باتخاذ بلادنا قواعد لقتال بعض الأمة ، بل وأعانهم على ذلك سراً أو علناً ، بوجه من وجوه الإعانة .. فضلاً عن المشاركة معهم بجند أو عتاد أو سلاح ..

  فما التكييف الشرعي لمثل هذه الحالة ؟

  وما حكم المتلبس بها من والٍ أو نظام أو جند ؟

  وهل يصح الدفع بعذر الإكراه في مثل هذه الحالة ؟

  وهل يستدام الحكم بصحة ولاية من هذه حاله ، فيما لو كان من أهل الولاية الشرعية من حيث الأصل ؟

  بالله عليكم .. ارووا غليل الملايين  الحائرة .. تنتظر كلمة منكم .. كلمة تبل حلوقاً ظمأى ملؤها العلقم ، كلمة نتعزى بترديدها وإن عجزنا عن إنفاذها ، أو كلمة تريح ضمائرنا ، وتبرئ ذممنا مما هو كائن ، وليكن كله في ذممكم ، وفي أعناقكم ..

  بالله عليكم أجيبونا .. فإني مستحلفكم برب الشعوب المغلوبة على أمرها .. برب الدماء المراقة لبعضنا بأيدي بعضنا الآخر .. برب الحرمات المنتهكة ، والأعراض المستباحة ، والشرف المداس .

  أجيبونا ـ فإنها أمانة ـ وأنتم لها أهل ، والله حسيبكم ، وهو حسبكم ونعم الوكيل .. " .

  كان هذا النداء ولم يزل ، ولم تزل الأمة ترقب أن يطل عليها حملة الأمانة بقولهم في الخيانة ، وفي الخائنين ..

  وأصنع اليوم ـ بقلمي ـ شقاً ـ بين السطور ـ لتنفذ منه أشعة من الهدى ، تنبعث من قبس لبعض أسلافنا الصالحين ..

  فاسمعي يا أمة الإسلام ..

  ما من قوم تندرس معالم الحق بينهم ، وتضعف معانيه في نفوسهم .. إلا استحالت القيم لديهم أمراً نسبياً ، يرى من اغترف منها غرفة أنه تضلع وبلغ الشبع !!

  قيم .. ولكنها باهتة كالحة ، لا تراها إلا كوشى الثوب المخلولق .. مجرد أثر لا يكاد يلحظ ..

  وإذا صار الناس إلى هذا .. ندرت فيهم التوفية والوفاء .. فإذا هم ـ فيما يجب عليهم ـ يخسرون !!

  فإذا الصدع ببعض الحق .. حق كله ، أو كله حق !!

  وإذا أداء جزء الأمانة .. مجزيء عن جميعها !!

  وإذا إقامة شعبة من الدين ـ أو أكثر ـ  مبرئة للذمة من الدين كافة !!

  ولقد يكون ذلك من المؤمن ، ولكن أيقبل أن يكون من مؤتمن على الدين ؟ قال تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران:187) .

  إن أعظم فجيعة للأمة أن يتخلى عنها علماؤها ؛ ذلك أن تخليهم ـ سيما عند الملمات ـ هو بمثابة الإعلان عن انهيار خط دفاعها الأخير .. نعم لم يزل فيهم من هم للأمانة أهل .. ولكن المصيبة فيمن ليسوا كذلك ، وذلك لأمور :

  أولاً : تسببهم في جعل قضايا الأمة العقدية والمنهجية ، ومسائلها المجمع عليها تبدوا لقطاع عريض من الأمة وكأنها مسائل خلافية .

  ثانياً : توفير مسوغ (مغلف بلبوس الشرع) ، يمنح المبطلين ومرضى القلوب وضعاف الإيمان فرصة التشويش على الحق وأهله . فضلاً عما يجدون فيه من تبرير لأهواء قلوبهم .

  ثالثاً : تحييد قطاع عريض من الأمة يبقى متحيراً أو متردداً ، ممن يتشتت بين الخلافات والمتعارضات ، في حين لا تتوفر له قدرة على استخلاص الحق واستبيانه .

  رابعاً : تحيز طوائف من الأمة إلى الباطل .. بحسن نية ـ ظناً منهم أنهم ينصرون الحق ـ أو بسوء قصد ـ تستراً فيما يوافق مآربهم من فتاوى وأقوال .

  خامساً : منح الطغاة مبررات التمادي في قمع أهل الحق ، بدعوى الانحراف ومخالفة الشرعية والافتئات على أولي الأمر !!

  فما الذي أصاب طوائف من أهل العلم فجعلهم على هذا النحو من الترهل والهوان والرضا بالدنية في الدين ؟

  ضعف البناء الإيماني؟ خلل في الصياغة العقيدية؟ كدر في توحيد الله جل وعلا؟ قصور الهمة وانحطاطها عند رتبة المنصب واللقب؟ فتنة الدخول على السلاطين وتلمس رضاهم؟ بريق الإعلام الذي لا يهش ولا يحتفي إلا لنوعية بعينها؟ إغراء الاتصاف بالاعتدال والوسطية والتعقل والحكمة .. .. إلى غير ذلك من الصفات المصابة بلوثة "النسبية"؟ قياسات مصلحية خاطئة ، وحسابات شخصية وحزبية؟ إعجاب كل ذي رأي برأيه في ظل غياب مرجعية شرعية موحدة؟ الهزيمة النفسية أمام الواقع البائس؟ وهن العزائم ، وفقدان اليقين؟

  أم كل ذلك اجتمع في تشخيص واحد؟

  إن مما لا ينقضي منه العجب أن تضطر إلى استحلاف المؤتمن ، مع أنه لا معنى لاستئمانه إن حوجك إلى استحلافه !!

  ولكني أفعل ، وأستحلفهم .. أستحلفهم ؛ فلعلهم غافلون ، أو ذاهلون ، أو معمى عليهم ، أقول: أو ربما أقحمت عقولهم في الدوائر المفرغة للحسابات الخاطئة .. لعل ، وربما ، وقد ، ويحتمل .. .. أستحلفهم وأستحلفهم .. لعل وعسى ...

  وأقلب في صفحات التاريخ فإذا بالأنموذج المنشود يجسده أعرابي بدوي متصحر!! إي وربي .. أعرابي مغمور لم تذكر الروايات اسمه ، ولا محلته ، ولا شيئاً من ترجمة له يفصح عنه .. اللهم إلا ما ذُكر من شأنه ، فيما عددته مثلاً أعلى ..     

 روى أبو القاسم النيسابوري عن صعصعة بن صوحان ، قال : خرجنا مع الحجاج حاجاً إلى بيت الله الحرام ، فبينما نحن في بعض الطرقات إذ نحن بصوت أعرابي يلبي بين الغيضة (الموضع يكثر فيه الشجر ويلتف) ، فلما فرغ من التلبية ؛ قال : " كلامك اللهم لك . من قال مخلوقٌ هلك ، وفي الجحيم قد سلك ، والجارياتِ في الفلك ، على مجاري مَنْ سلك . قد اتبعنا رسُلك ، ما خاب عبدٌ أَمَّلك ، أنت له حيث سلك " .

  فقال الحجاج : تلبية موحد وربِّ الكعب ! لا يفوتنكم الرجل .

فأسرعَ ما كان حتى أتى بأعرابي على ناقة بَرَحاء بلجاء (برحاء : شديدة . وبلجاء : بيضاء) .

  فقال الحجاج : من أين أقبلت يا أخا العرب؟ وإلى أين تريد ؟

  قال : جئت من الفج العميق .

  قال : من أي الفجاج أنت ؟

  قال : من العراق وأرضها .

  قال : من أي العراق أنت ؟

  قال : قال من مدينة الحجاج بن يوسف .

  قال : فما سيرته فيكم ؟

  قال : سيرة فرعون في بني إسرائيل ! يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم !

  قال : فهل خلفته ظاعناً أو مقيماً ؟

  قال : بل ظاعناً .

  قال : إلى أين ؟

  قال : إلى الحج . ولن يتقبل الله منه .

  قال : وهل خلَّف أحداً بعده ؟

  قال : نعم . أخاه محمداً .

  قال : فما سيرته فيكم ؟

  قال : ظلوم غشوم ، واسع البلعوم ، عاصٍ مشئوم .

  قال له الحجاج : هل عرفتني ؟

  قال الأعرابي : اللهم لا .

  قال الحجاج : أنا الحجاج بن يوسف .

  قال الأعرابي : أشرُّ والله من ظلت الخضراء ، وأقلت الغبراء ، ويشرب من الماء ، بغيض مبغوض ، لعين ملعون ، في الدنيا والآخرة .

  فقال الحجاج : والله يا أعرابي لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحداً قبلك .

  قال الأعرابي : إن لي رباً يخلصني وينجيني منك !

  قال : يا أعرابي ! إني سائلك .

  قال : إذاً ـ والله ـ أخبرْك .

  فقال : أتحسن من القرآن شيئاً ؟

  قال : نعم .

  فقال : أسمعنا ..

  فاستفتح الأعرابي وقال : ]إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [(النصر:2) ]وَرَأَيْتَ النَّاسَ[ "يخرجون من" ]دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً [(النصر:2).

  قال : ليس هكذا يا أعرابي .

  قال : وكيف ؟  

  قال : ]يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً[ (النصر:2) .

  فقال الأعرابي : قد كان ذلك قبل أن يتولى الحجاج ، فلما ولي صاروا يخرجون من دين الله !

  ثم سأله الحجاج عن رسول الله r ؛ فأجاب فأحسن .

  فسأله عن الخلفاء الراشدين ؛ فأجاب فأثنى .

  فسأله عن معاوية ؛ فأجاب فأحكم .

  فقال الحجاج : فما تقول في يزيد بن معاوية ؟

  قال الأعرابي : كما قال من هو خير مني لمن هو شر منك .

  فقال الحجاج : ومن هو خير منك وشر مني ؟

  فقال الأعرابي : موسى عليه السلام خير مني ، وفرعونُ شرٌ منك .

  قال الحجاج : فما قال فرعون لموسى ؟

  قال : ]قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى* قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى[ (طـه:51، 52) .

  فقال الحجاج : فما تقول في عبد الملك بن مروان ؟

  فقال الأعرابي : ذلك ـ والله ـ أخطأ خطيئة ملأت بين السماء والأرض .

  فقال الحجاج : وكيف ذلك ؟

  قال الأعرابي : ولاك على أمور المسلمين تحكم في أموالهم ودمائهم بجور وظلم !

  قال صعصعة (الراوي) : فعند ذلك هَمَّ الحجاجُ بالسيف ، وأشار إلى سيافه ليضرب عنق الأعرابي . قال : فحرك الأعرابي شفتيه ؛ فخر السيف ناحية ، والسياف ناحية ، وولى الأعرابي ذاهباً ،

  فقال الحجاج : بحق معبودك إلا خبرتني بأي دعاء دعوت ؟

  فقال الأعرابي : بدعاء إن علمتك إياه غفر الله لك ، ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من الشيء . ثم قال الأعرابي : يا حجاج ، قلت : اللهم يا رب الأرباب ، ويا معتق الرقاب ، ويا هازم الأحزاب ، ويا منشيء السحاب ، ويا منزل الكتاب ، ويا رازق من تشاء بغير حساب ، يا ملك ويا تواب . يا راد موسى إلى أمه ، ويوسف إلى أبيه يعقوب ، أسألك أن ترزقني وتكفيني شره . إنك على كل شيء قدير " (2) .

  صدع الأعرابي بذلك كله عند من كان سيفه وسيافوه أسرع إلى الرؤوس من إشارته ، ولم يكن الحجاج خائناً لأمته ، ولا مضيعاً لبلاده ، ولئن كان سيفه مسلطاً على المسلمين قيراطاً فقد كان على المشركين أربعاً وعشرين !!

  لقد كان الأعرابي يرسم لنا ـ في موقفه هذا ـ كيف نترجم نهي النبي ص : " لا يمنعن أحدكم خشية الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهد عليه ، فإنه لا يباعد من رزق أو يقرب من أجل أن يقول بحق إذا رآه أو شهد عليه " (3) .

  أيها الأعرابي المغمور .. أنت ـ ورب الكعبة ـ مثلنا الأعلى ..

  أجل .. أنت ، وأنت لست إلا قبساً من تاريخنا الذاخر ..

  فعلمنا .. ..

  علمنا التوحيد فما أغنت عنه الأسفار ، ولا أسعفتنا المتون ولا الشروح ، علمنا كيف لا نخشى إلا الله ، بل كيف نتمثل عقيدة الإيمان في مثل موقفك ؛ فلا يتزحزح اعتقادنا في أن الأمر كله بيد الله نفعه وضره .. (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنعام:17) .

  علمنا ... وأنت لم تضف إلى السماحة والفضيلة ، ولا خلعت عليك ألقاب جليلة ، ولا نوديت بالعلامة ، ولا  نُسبتْ إليك إمامة ، ولا تَوليْتَ الإفتاء ، ولا نصبت لمشيخة القضاء !!

        يتبع .. إن شاء الله تعالى

 

ـــــــــــــــــ

 

  هوامش وإحالات :

 

  (1) [وذلك تجنباً لأن يُشغب علينا بمسألة "تكفير المعين" وهي لا موضع لها  ها هنا ] .

  (2) [ "عقلاء المجانين" : (ص199ـ 202)] .

  (3) رواه أحمد في المسند . ..