فتوى الأزهر يجب أن تستثمر
لعل أبرز ما
يميز تلك الحرب الأنجلو أمريكية على العراق ذلك الإجماع غير المسبوق من مختلف
الطوائف الدينية الرسمى منها وغير الرسمى على تجريم هذه الحرب وتحريمها ووجوب
التصدى لها ومواجهتها ففى سوريا مثلا أفتى المفتى العام للجمهورية السورية الشيخ
أحمد كفتارو بوجوب الجهاد وأشار إلى أهمية العمليات الاستشهادية فى مواجهة عدو
كهذا الذى تواجهه الأمة الآن وقد حذا هذا الحذو سائر علماء الدين دون استثناء فى
مختلف الأقطار الإسلامية والعربية حتى فى تلك البلاد التى تقف مع العدوان سرا أو جهرا وتبلور هذا فى مواقف كثيرين من علماء الدين داخل الكويت نفسها عبروا
من خلال مقالات ودعوات عن رفضهم التام لهذه الحرب مغلبين بذلك عاطفة الدين على هوى
الحكام المتخاذلين وقد رأينا ثمار ذلك فى إقدام بعض الكويتيين على مهاجمة معسكرات
الأمريكان وقواعدهم داخل الكويت.
ورغم هذا
تبقى فُتييان من بين هذه الفتاوى وتلك الدعاوى أزعم أن لهما من التأثير ما ليس
لغيرهما إحداهما فتوى علماء الشيعة داخل العراق وخارجها بوجوب الوقوف فى وجه العدو
ومحاربته دفاعا عن الدين والأرض موجهين بذلك ضربة قوية ضد رهان طالما راهن عليه
الأمريكان فى حربهم هذه وهو ظنهم أن أهل العراق خاصة الشيعة منهم سوف يقفون
بجانبهم حين يدخلون العراق وأنهم سيستقبلونهم استقبال الأبطال المحررين وليس
استقبال الغازين المحتلين لكنهم خسروا رهانهم بعد دخولهم أرض العراق حيث فوجئوا
بما لم يتوقعون وعرفوا وقتها أنهم كانوا يهرفون بما لا يعرفون وأدركوا أن
مخابراتهم التى يروجون لها دائما مفخمين من قدراتها بما أقنع العالم بأثره بأنها
تعرف دبيب النمل قد بان خورها وظهر وهنها ، فقد ووجه الغازون فى العراق بمقاومة
شيعية شرسة تأجج أوارها فى البصرة وكربلاء وغيرهما من البلاد الشيعية داخل العراق مما
جعل كثيرا من قادتهم العسكريين يصرحون بأن خططهم العسكرية قد وضعت لمجابهة عدو غير
هذا الذى يواجهون.
والفتوى
الأخرى فتوى الأزهر سواء تلك التى صدرت من مجمع البحوث الإسلامية التى صرحت بتجريم
هذه الحرب ووصفها بأنها حرب صليبية ، أو تلك التى صدرت عن شيخ الأزهر وتناقلتها
وسائل الإعلام من اعتبار هذا العمل الأمريكى البريطانى عملا إرهابيا وأن سبيل
مواجهته هو الجهاد فمثل هذا الكلام الذى صدر من الأزهر نصا أو ضمنا يجب علينا أن
نستثمره وألا ندعه يمر هكذا فهو عامل مساعد على تعبئة الجماهير ضد كل قوى الغزو فى
كل مكان من عالمنا الإسلامى مهما تلونت هذه القوى أو اتخذت لها من الأسماء والنعوت
ما يخالف حقيقة ما ترمى إليه وتبرز أهمية هذه الفتوى فى كونها قد حثت على الجهاد
وحضت عليه حيث أعلنت أن باب الجهاد والتطوع مفتوح أمام كل راغب وصرحت بأن القيام
ببذل النفس والتضحية بها فى سبيل الفتك بعدد من الأعداء هو استشهاد فمثل هذا
الكلام فى هذا الوقت يجب أن يستثمر على صعيد الحرب العراقية وكذلك على صعيد الحرب
فى فلسطين - حرب الأقصى - التى تواجه الآن إجراما إسرائيليا متفاقما قد استغل
انشغال وسائل الإعلام بما يجرى على الساحة العراقية عما يجرى فى فلسطين من قتل
وسلب وهدم واعتقال طال العشرات بل المئات من أبناء شعبنا الفلسطينى ولذلك يجب أن
تعبأ الجماهير بتبنى فكرة الجهاد والاستشهاد فى العراق وفلسطين أيضا مسترشدين فى
هذا بفتوى الأزهر الذى نُكنُّ له كل تقدير واحترام لما له من تاريخ طويل فى الذود
عن حياض الدين والوطن فكم من ثورة انطلق من الأزهر شررها وكم من مقاومة فى وجه
الطغاة تولى الأزهر أمرها وكم من محاولات هدامة وقف الأزهر فى وجهها حجر عثرة لا
يسمح لها بالمرور أو العبور فالأزهر رمز كرامة مصر بل العالم الإسلامى كله ولا
نتصور مصر بدون الأزهر الذى نرحب بعودته عودا حميدا فى اهتمامه بقضايا الأمة
والدفاع عن هويتها ومقدراتها وإننا لننتظر من الأزهر المزيد والمزيد وكل الجماهير تدرك
هذا الدور العظيم الذى قُدِّر للأزهر عبر التاريخ أن يكون مضطلعا به بدليل أنه
الآن أصبح المركز الذى تنبعث منه عقب صلاة الجمعة من كل أسبوع لا أقول المظاهرات
بل الصحوات التى نرى فيها الوجه الحقيقى للشعب المصرى الأبى الذى لم يرض المذلة
ولا الظلم ولا الاستعمار يوما تدرك الجماهير
ذلك وتقوم بتلك الصحوات رغم أن الخطب فى الجامع الأزهر ليست من النوع الثورى الذى
يهيج المشاعر ويلهب الحماس ولكنه الإيمان من قبل الشعب بالدور الحقيقى للأزهر الذى
كان دائما خط الدفاع الأول عن الدين والعرض والأرض ، وذلك هو الذى أقلق السفارة
الأمريكية حين صدرت فتوى مجمع البحوث الإسلامية بشأن الحرب على العراق وجعلها
تتساءل عن مضمون هذه الفتوى وما ترمى إليه وذلك لأن الأمريكان يدركون ماذا تعنى أن
تصدر عن الأزهر فتوى كهذه ولذلك كانت الفضائيات العربية التى وصلت إلى حدّ
العالمية الآن كقنوات الجزيرة والعربية وأبو ظبى – كعادتها - أكثر حصافة وفطنة من
قنواتنا المصرية حيث تناقلت حديث شيخ الأزهر فى مؤتمره الصحفى الذى عقده وقرر فيه
ما ذكرناه وظلت تكرره وتعيده مرات ومرات فى عدة أيام متتاليات عبر نشراتها
الإخبارية ومن خلال الشريط الإخبارى المتحرك فى هذه القنوات التى تشعرنا كمصريين
بشئ من الخجل حين نقارن إعلامنا بها ونحن الأمة العربية الرائدة لكن لماذا نركز
على نعى تخلف الإعلام المصرى عن مكانه وهو يمضى مع تقهقر الدور السياسى المصرى الذى
تخلف عن مكانه الرائد والقائد للدول العربية ؟ وإلا فكيف نهنأ بعيش حين نرى
إخواننا فى العراق يقتلون بأسلحة نحن الذين فتحنا لها مجالنا البحرى وقمنا على
حراستها بقناة السويس حتى تصل آمنة مطمئنة لسحق إخواننا وكل ذلك بدعوى أن
الاتفاقات الدولية تنص على عدم إغلاق القناة إلا إذا كانت مصر فى حالة حرب مع
الطرف المعنى ونقول ما الفرق بين العراق ومصر وهل ضرب العراق إلا مقدمة لضرب مصر
وغيرها من الدول العربية وأين اتفاقية الدفاع العربى المشترك إذا كنا حريصين على
اتفاقاتنا الدولية - وكأن هذه الحرب مبررة دوليا -خاصة أن العراق الآن ليس فى حالة
حرب بل هو فى حالة عدوان قد وقع عليه ومن ثم فلا يكفى حتى إغلاق قناة السويس فى
وجه القوات الغازية بل لابد من مقاطعتها سياسيا واقتصاديا بل محاربتها أيضا
والوقوف مع إخوتنا فى العراق الذى نشهد بأن فضله على الدول العربية – باستثناء غزو
الكويت – واقع لا ينكر.