بقلم : د.نورة السعد
لستُ وحدي من يعيش القهر على ما يصيب أهل
العراق.. لست وحدي من يذهل من صمتنا نحن العرب ودماء العراقيين تسيل ان لم تتفحم
اجسادهم بنيران تقنية حرب التحرير القادمة من سماء ديموقراطية امريكا وبريطانيا..
أعلم ايها القراء ان الحديث أصبح مملاً في هذا السياق المليء بالتزوير والتضليل
الإعلامي والتخبط لصالح القوة التي تزعم أنها العظمى.. ولا عظيم سوى الخالق..
فمن ركام هذه الاجسام المحترقة في العراق وفي
فلسطين وفي افغانستان وفي كل ارض عليها مسلمون تطاردهم نيران الحقد الصهيوني وليس
الصليبي.. -لأن الكنائس رفضت هذه الحروب-. من هذا الركام.. ونحن في يومنا السادس
عشر لاحتراق العراق لم نزل نردد الكلام نفسه، ونتابع القنوات الفضائية التي بعضها
يخادع ويضلل ويبث صور جنود امريكيين يحملون اطفالاً قيل إنهم عراقيون في محاولة
كاذبة لإيهام البسطاء انهم يحملون عطف العالم المتحضر لهؤلاء الاطفال.. ومن العجيب
ان تنشر بعض الصحف العربية هذه الصور دون تعليق مستمد من الاجساد المتفحمة في
الاسواق الشعبية العراقية.. وليس من ابواق إعلام التضليل والكذب التي تجد سوقاً
رائجة لها في احدى قنوات دولة خليجية!!
"روجينا" قيل إنها طفلة عراقية
ولدتها امها في قاعدة امريكية (وحَنّ) عليها جندي امريكي!! ولا ادري ان كانت هذه
(الكذبة) قد انطلت على البسطاء وليس البقية فقط؟! فلماذا هذه العراقية تحظى بعطف
حاملي القنابل العنقودية وبقية القذائف والاسلحة الفتاكة؟؟
"روجينا" اسم جنبي لا أعرف إن كانت
هناك اي امرأة عراقية ترضاه لابنتها في ظل هذا الاحتلال للارض ولثرواتها.. ما اردت
قوله.. اننا نعيش في مرحلة خطيرة ليس لانهم قد بدأوا في التطبيق العملي لمخططاتهم
وتحقيق حلمهم لدولة اليهود الصهاينة المغتصبين ارض فلسطين فقط، ولكن لاننا ومن
خلال جيوب العملاء بيننا نسهم في تسويق (نموذجهم) لاستلاب كوامن اليقين في بناء
الفرد المسلم..
"روجينا" في حضن هذا الجندي
العدو.. ليست سوى ورق ملون لكذبة كبرى.. تتمزق اجزاؤها امام شظايا مخ الطفلة
العراقية التي لا تزال صور خصلات شعرها تختلط بكتل مخها وهي نائمة للابد بفعل
قنابل الاعداء - وسواها كثر ممن حملت شاشات القنوات صورهم.. فيا إعلامنا العربي
مزّق هذه الخدع والكذب وانقل الحقائق.. فلن يجد ترحيبا ولا حباً ولا فناجين القهوة
لهم.. وما ينشر سوى خدع اعلنتها احدى السيدات اللبنانيات ونشرتها صحيفة الدستور عن
اخيها الذي يعمل في الكويت وفوجئت بنشر خبر عن استلام العراقيين لمساعدات من
الكويت ووجدته بينهم!!
ما أردت التأكيد عليه ان اهل العراق ليسوا
اعداءنا وينبغي نصرتهم والدفاع عنهم، وعدم ترويج الاكاذيب.. ومن يتابع الصحف
العربية سيجد الفرق بين تعليق الصحف المسيرة لخدمة الاعداء والناطقة باللغة
العربية فقط ولكنها مغسولة بنسق ثقافي وعسكري لهؤلاء الاعداء في المنطقة.. وبين
تعليق للصور نفسها لصحف لها موقف واضح وشريف تجاه هذه الحرب علي العراق.
.. ولكن رغم كل هذا الدمار والحرائق في ارض
العراق.. هناك (وحدة إنسانية) لم يحدث لها مثيل في معظم دول العالم.. لا فرق بين
مسلم ومسيحي ولا بين مذهب وآخر.. (وحدة انسانية) ترفض الطاغوت والظلم..
وما مفهوم (المصالح المشتركة) لهؤلاء الاعداء
ومن يساندهم إلا علاقات تلتقي البهائم على مثلها حين تلتقي على العشب ومواطن
الماء.. فتكون قطعاناً متآلفة مع بعضها البعض متعادية مع من يهدد هذه (المصالح
المشتركة) من القطعان الاخرى.. وهو ما تتناقله وسائل الإعلام حالياً من الاختلافات
على غنائم ما بعد الحرب على العراق!!
ولكن (الوحدة) التي تتعاظم الآن سواء على
مستوى شعوب المنطقة إلا القلة!! او على مستوى شعوب العالم المتقدم حتى الشعوب التي
تشارك حكوماتها في الحرب..
هذه الوحدة منبثقة من التآلف والتوحد على
(القيم) الانسانية التي يجاهدون من اجلها. وهي رفض الحرب والظلم.
وما يحدث في ثنايا جسد الامة الاسلامية الآن
هو نوع من هذا (التوحد) بصرف النظر عن البقعة الجغرافية او اللغة او الجنس.. ما
يحدث الآن هو تلاقي جميع الاطياف السياسية والثقافية وحتى المذهبية ضد هذا العدوان
على العراق..
ما يحدث الآن هو سنة الله في الارض والخلق -
هو انبعاث جديد (لأمة القرآن).. التي قامت على رباط العقيدة.. فالدفاع عن العراق
ليس دفاعاً عن نظام حزب البعث.. ولكن عن اهل العراق.. فالانظمة زائلة.. اما الشعوب
فهي باقية.
هذه الأمة... التي على الرغم من كل ما أصابها
من عوامل المرض والكوارث الداخلية والخارجية... لم تزل من الوجود بعد اربعة عشر
قرنا من مولدها.. وهي فترة لم تعشها امة اخرى من امم التاريخ.. وليس هذا فقط بل
انها تشهد اليوم ما يشبه ان يكون مولدا جديدا تعاني مخاضه بكل آلامه في هذه
اللحظات الرهيبة من تجييش الاعداء ضدها بدءاً من درة الثقافة والتاريخ العراق..
** وليكن لنا خير معين قوله تعالى {قل موتوا
بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور. ان تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها
وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط}.