مانديلا يرفض مصافحة بوش.. والعرب يقبلون يد بريمر
بقلم : سعد هجرس
ليست هذه هي المرة الأولي التي يضعنا فيها
المناضل الأفريقي ـ والعالمي ـ نلسون مانديلا في مأزق سياسي وأخلاقي.
لكن لعل هذه المرة هي الأكثر إحراجاً (لنا
بالطبع).
والمسألة باختصار هي ان الزعيم نلسون مانديلا
قرر ان يرفض مقابلة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عند زيارته لجنوب أفريقيا
غداً.
وأعلن ان سبب مقاطعته للرئيس بوش هو إظهار
احتجاجه علي السياسة الأمريكية تجاه العراق.
وقال مانديلا للصحافيين عقب لقائه بوزير
الخارجية الفرنسي، الشاعر والأديب دومينيك دوفيلبان، ان إصرار الرئيس بوش علي
انتهاك ميثاق الأمم المتحدة، وازدراء المنظمة الدولية، ومهاجمة بلد مستقل، هو عمل
أدنته من قبل بأشد الكلمات .
وعندما سأله الصحافيون عما اذا كان يعتزم ان
يعرب عن غضبه للرئيس الأمريكي شخصياً عندما يقابله وجهاً لوجه أثناء زيارته لجنوب
أفريقيا في الفترة من 8 الي 10 يوليو الجاري، قال مانديلا: إنكم تفترضون اني
سأقابله. ولكني لا افترض ذلك. وقد قلت ما أردت قوله. وليس علي ان أكرره .
هذا الموقف المشرف ليس جديداً، او مستغرباً
علي المناضل الافريقي، والعالمي، مانديلا
فقد كان في مقدمة من عارضوا العدوان الانكلو
ـ امريكي علي العراق، ومن أوائل من فضحوا الأهداف الاستعمارية، والإمبريالية،
والإمبراطورية، لهذه الحرب الظالمة التي ضربت عرض الحائط بالقانون الدولي والرأي
العام العالمي.
ومثلما كان عظيماً ومبدئياً في التنديد
بالعدوان الانكلوامريكي علي العراق، كان عظيماً ومبدئياً ـ قبلها ـ في تحديد موقفه
من الحرب التي دق الرئيس جورج بوش طبولها ضد ما أسماه بـ الإرهاب في أعقاب أحداث
11 سبتمبر إياها.
فكما نعلم.. سارع مانديلا بعد هذا الزلزال
الي التنديد بالإرهاب، وتأييد أمريكا في إعلانها عزمها علي شن الحرب عليه،
والانقضاض علي أوكاره المزعومة في أفغانستان.
واصدر بيانا متسرعاً قال فيه انه علي الرغم
من ان الحرب كارثة، فانها مبررة في هذه الحال لانها الطريقة الوحيدة الممكنة لكشف
الإرهابيين الذين رفض نظام طالبان تسليمهم الي الولايات المتحدة .
وبعد إصدار هذا البيان المتعجل لم يذق
مانديلا طعم النوم، حتي اصدر بياناً ثانياً يقول فيه بتواضع :
ان مباحثات لاحقة مع أسرتنا وأصدقائنا
ومستشارينا أقنعتنا بان موقفنا قد يكون مبالغاً فيه بعض الشيء ومنحازاً جداً، لان
الدعم المبدئي لهذه الحرب يعطي الانطباع بأنني افتقر الي الإحساس وأنني استخف
بآلام الشعب الأفغاني الي هذا الحد.. يتحلي مانديلا بضمير حي.
فالمكانة العالمية التي يتبوأها ـ عن جدارة
واستحقاق ـ في قلوب الأغلبية الساحقة من البشر المبهورين بمسيرته النضالية
البطولية المظفرة، لم تمنعه من ان يعترف بخطئه دون لف او دوران، وان يقدم نقداً
ذاتياً نزيهاً ومذهلاً، يعترف فيه بصريح العبارة انه اخطأ في بداية الأمر وانساق
وراء الهستيريا الأمريكية التي تسترت وراء لافتات الإرهاب لتخلط الأوراق بين ما هو
إرهاب حقاً وبين أشكال المقاومة الوطنية المشروعة للسياسات الاستعمارية والإمبريالية.
والمدهش في هذا النقد الذاتي الرائع ان
مانديلا لم يستنكف ان يقول انه جاء نتيجة مناقشاته مع أسرته وأصدقائه ومستشاريه
الذين أقنعوه بان موقفه الأول جاء مشوباً بالتسرع، ووصل به في النهاية الي
الانحياز الي السياسة الأمريكية الإمبريالية.
هكذا يكون الزعماء حقاً.. متواضعين،
وديمقراطيين، إنسانيين.. موضوعيين.. لا يدعون العصمة ولا يزعمون احتكار الحكمة ولا
تأخذهم العزة بالاثم عندما يخطئون.
ولعلنا ـ نحن العرب ـ ان نتعلم بعض هذا النقد
الذاتي من الزعيم الأفريقي، والعالمي، نلسون مانديلا.
والنقد الذاتي المطلوب لا ينصب فقط علي
موقفنا من هوجة الحرب علي ما يسمي بالإرهاب، حيث هرولنا وراء الشعارات الامريكية
دون تفكير، وتسابقنا لتقديم العون إلي الإدارة الأمريكية في تلك الحرب الهستيرية،
رغم أن أول ضرباتها تركزت علي عالمنا العربي والإسلامي!
النقد الذاتي المطلوب يمتد أيضاً، وأساساً،
إلي موقفنا من الصديق الإستراتيجي الأمريكي، الذي داس علي صداقتنا بالحذاء، ولم
يأبه بكلمات التوسل العربية للاحجام عن ضرب العراق، وشــــن عدوانه علي بلاد
الرافدين في تحد صارخ للقانون الدولي والرأي العـــام العالمي.
ورغم التنديد العربي الكلامي بالاحتلال
الأمريكي لعاصمة الخلافة العباسية، فانه كان ـ ولا يزال ـ مجرد كلام لا رصيد له من
الفعل أو الجدية.
والأدهي والأمر أن الأقوال العربية كانت في
كثير من الأحيان عكس الأفعال التي تتم في الخفاء وتتضمن دعماً حقيقياً للعدوان
الأمريكي بالقواعد والتسهيلات وما خفي كان اعظم، وهو دعم ربما لم تحصل عليه أمريكا
من أحد غير العرب بهذا السخاء والغباء.
وبعد أن وقعت الفأس في الرأس وأسفرت الحرب عن
احتلال العراق، واصل العرب عادتهم في ذرف الدموع علي بغداد، والتباكي علي سيادة
العراق المستباحة، لكنهم ـ عملياً ـ لم يفعلوا أي شيء يعطي مصداقية لهذه الدموع
وتلك البكائيات.
العكس هو الذي حدث أيضاً.. ففي أول فرصة،
وعندما دعـــــا المنتدي الاقتصادي العالمي الشهير باسم منتدي دافـــــوس ، بإيعاز
من الإدارة الأمريكية، إلي عقد قمة استثنائية علي شواطــــئ البحر الميت بالأردن،
هرولت الوفود العربية الي لقاء ممثـــل الاحتلال الأمريكي للعراق، بول بريمر، دون
أن تنطق بكلمة واحدة تستنكر الاحتلال وتطالب بإنهائه وإعطاء الشعب العراقي حقه في
تقرير المصير.
وبالمثل هرولت الوفود العربية لتطبيع
العلاقات مع إسرائيل، دون أن تنطق بكلمة واحدة تدين الإبادة الجماعية للفلسطينيين،
أو حتي تنتقد الجدار العازل الذي تبنيه الدولة اليهودية، والذي يضرب الاقتصاد
والشعب الفلسطيني في مقتل، بينما تطالب تل أبيب العرب بإزالة كل الحواجز التي
تعترض سبيل السلع الإسرائيلية إلي الأسواق العربية وتحطيم كل العقبات التي تعرقل
إنشاء السوق الشرق أوسطية ومنطقة التجارة الحرة مع أمريكا !
وعلي النقيض من هذا الانفصال بين الأقوال و
الأفعال ، يأتي موقف الزعيم الأفريقي، والعالمي، نلسون مانديلا نموذجاً للاتساق
بين الكلام و السلوك .
حيث لا يكتفي بإصدار بيانات التنديد
بالاحتلال الأمريكي للعراق، بل يشفع ذلك برفض لقاء الرئيس الأمريكي (بجلال قدره)
تعبيرا عملياً عن هذا الموقف السياسي المحترم.
بينما نتسابق نحن العرب ـ أصحاب القضية ـ إلي
خطب ود أي مارينز أمريكي، وفتح قاعات كبار الزوار له، وفرش السجادة الحمراء تحت
قدميه.. وكأن شيئاً لم يكن.
فشكراً جزيلاً للمناضل الأفريقي، والعالمي،
نلسون مانديلا الذي أظهرت لنا نزاهته مقدار بلادتنا.
ولعل الإيقاع المتصاعد للمقاومة الوطنية
العراقية ضد قوات الاحتلال الأنكلو أمريكية، متزامناً مع سقوط الأقنعة، والأوهام،
عن الوجه الحقيقي، الاستعماري، للمشروع الإمبراطوري الأمريكي في المنطقة العربية
بأسرها، وليس العراقي فحسب، أن يعيد بعض الشعور والإحساس الي جلودنا السميكة!