قبل أيام أعلنت حركتا حماس والجهاد الإسلامي
نص المبادرة المشتركة لتعليق العمليات العسكرية ضد العدو الصهيوني لمدة ثلاثة
أشهر. وسوغت الحركتان هذه المبادرة بالحرص على وحدة الصف الفلسطيني والوحدة
الوطنية التي تحققت على اختيار المقاومة، وبالمساهمة في تعزيز الحوار الفلسطيني
على قاعدة الاستمساك بحقوق شعب فلسطين وحمايتها، وبمنع التفرق والصدام الذي يسعى
العدو الصهيوني إلى صنع الذرائع لإيقاعه بين أبناء الشعب الفلسطيني المقاوم،
وبالتجاوب مع جهود كثيرة في الساحتين الفلسطينية والعربية بذلها من لا يُشَكّ في
حرصهم على وحدة الصف الوطني الفلسطيني. وهذ التسويغ كله قائم على
الاحتفاظ المؤكد بحق الشعب الفلسطيني المشروع في مقاومة الاحتلال وإنهائه من كل
الأرض الفلسطينية واستعادة الحقوق الوطنية الثابتة.
وتضمنت هذه المبادرة: هدنة مدتها ثلاثة أشهر
(وصفتها المبادرة بأنها تعليق للعمليات العسكرية)، واشترطت لاستمرارها ثلاثة شروط
هي: الوقف الفوري لكل أشكال العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، وعددت المبادرة
صنوفاً وصوراً لهذا العدوان على سبيل التمثيل والتدليل لا على سبيل الحصر والتحديد.
والإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين في سجون
العدو الصهيوني وفي مقدمتهم المحكوم عليهم بعقوبات طويلة المدة.
والتوقف عن المساس بالمقدسات الإسلامية
والمسيحية عامة، والحرم القدسي بشكل خاص. ثم انتهت المبادرة إلى النص على أنه إذا
لم يلتزم العدو بهذه الشروط أو أخل بها أو بأي منها فإن المقاومة تعتبر نفسها في
حل من مبادرتها، وتحمّل العدو الصهيوني مسؤولية ذلك الإخلال أو عدم الالتزام.
عندما سمعت أنباء هذه المبادرة، وتتبعت الصيغ
المتعددة التي عرضت لإعلانها، ثم أكدت الأنباء اتفاق الجهاد الإسلامي وحماس عليها
تذكرت كلمات مضيئة للأستاذ الجليل المستشار طارق البشري، قال: إن عملي القضائي
وجهني دائماً... إلى الجانب التطبيقي للأفكار والعلوم والنظرات ذات الطابع
السياسي، وعادة ما يسبقني نظري فيها إلى مآلاتها في التطبيق. وعادة ما يجري تصنيف
الأفكار عندي... بمراعاة أثرها في السياق الواقعي المشهود في المآل التطبيقي لها.
إن المنهج العلمي التجريبي نفسه يجعل آخر خطوة من خطوات الاستقراء والاستخلاص هي
مدى اتساق النتيجة التي أفضى إليها البحث مع غيرها من النتائج الواقعية (ص92 من
كتابه: شخصيات وقضايا معاصرة، دار الهلال صفر 1423-مايو 2002). وهكذا أخذت أنظر
إلى هذه الهدنة التي أعلنها الفصيلان الأهم في ساحة المقاومة الفلسطينية حماس
والجهاد، لأبحث عن مآلاتها في الواقع العملي، وأثرها في السياق المشهود.
وجدت الأثر الأول لهذه المبادرة أن الصف
الوطني الفلسطيني تجنب خطر انشقاق كان وقوعه منتهى أمل الصهاينة، ومن يفكرون لهم
ويؤيدون -بالباطل دائماً- كل مطالبهم ودعاواهم. ولا يختلف اثنان ممن خبروا حقائق
النضال الشعبي أن سلاحه الأقوى هو وحدة المناضلين وتكاتفهم.
لقد سعى ساعون بالشر، من قبل، للفرقة بين
حماس والجهاد، باعتبار الفرقة بينهما معاً، من جهة، وبين السلطة الفلسطينية
وفصيلها الأهم فتح كانت، في نظر هؤلاء الساعين بالشر، واقعاً قائماً فعلاً. ولكن
إخلاص شباب الفريقين الإسلاميين، ووعي القيادتين السياسيتين لهما، وتماسك
مجاهديهما داخل الأرض المحتلة، جعلهما يفوتان الفرصة على أولئك السعاة، ويغضان
الطرف عن محاولات الفتنة الوضيعة، ويفضحان مشروعات الوقيعة بينهما بالاتصال
المباشر الذي يكشف الحقائق ويفضح ويبين زيف الأباطيل. بل لعلي أقول -دون إذاعة سر-
إن الفريقين في تعاونهما الصادق تجاوزا عن أخطاء حقيقية وقعت من هنا أو هناك
وجعلاها تمر بلا حساب أو عتاب لأن الهدف الأسمى -مقاومة الاحتلال الصهيوني- كانت
تصغر عنده كل المؤثرات الواقعة على سبيل الخطأ من أي من الطرفين. فإذا كانت هذه
المبادرة تحقق -فوق وحدة طرفيها- وحدة الصف الفلسطيني كله، فكفى بذلك (مآلاً)
و(أثراً واقعياً) يجعل كل مؤيد لحقوقنا في فلسطين يقف معها ويزكيها.
ووجدت المبادرة/الهدنة قامت على أسس لم يقبل
الشعب الفلسطيني أبداً التفريط فيها: الحق في المقاومة، الحق في إنهاء الاحتلال،
الحق في التمسك بالثوابت الوطنية: أي بحق العودة، وحق إقامة الدولة الفلسطينية
وعاصمتها القدس، وقف أشكال العدوان الصهيوني كافة على الأفراد
والجماعات والمدن والقرى
والبيوت والأراضي الفلسطينية، وقف الإبعاد للأفراد والقيادات، الإفراج عن
المعتقلين كافة، المحافظة على المقدسات الإسلامية والمسيحية جميعاً.
فإن قبل العدو الصهيوني هذه الأسس للهدنة،
فمن الذي يرفضها من المقاومين والذين يؤيدونهم بالدعاء في كل بقعة فيها أطهار
شرفاء من الأرض كلها؟
ووجدت المبادرة/الهدنة قد أبقت في يد
المقاومة خيارها كله. فتضمنت صراحة، وبلا مواربة أو مداراة، أنه إذا لم يلتزم
العدو الصهيوني بهذه الشروط، أو إذا أخل بأي منها فإن المقاومة تعتبر نفسها في حل
من مبادرتها، وتحمّل العدو الصهيوني تبعة هذا الإخلال أو تبعة عدم الالتزام بشروط
المبادرة.
فهي مبادرة لا تعطي الدنية، ولا تعبر عن موقف
ضعف، ولا تدل على قبول بما يخالف المبدأ الأساس للمقاومة: تحرير الوطن كله من الاحتلال
كله.
بل هي مبادرة تجعل الكلمة الفصل في بقاء
تعليق العمليات أو انتهائه، بيد المقاومة نفسها، فهي لم تسلّم زمامها لأحد، ولم
تتخل عن قرارها لأحد. هي في الواقع تجعل عصمة المقاومة في يدها! كما قال لي الأخ
الحبيب الدكتور رمضان شلّح عبر الهاتف، وهو يشرح لي ظروف الأيام العصيبة التي مرت
بالمقاومة منذ بدء التفكير في المبادرة إلى أن تم الاتفاق عليها.
يومها سألني الأخ الدكتور رمضان شلّح عن رأيي
في قوم يرون أنه من الضروري إصدار تأصيل فقهي لهذه المبادرة، حتى يكون العمل
الجهادي الإسلامي كله مرتبطاً بالمرجعية الإسلامية! فكان رأيي -ولا يزال- أن هذه
المبادرة عمل سياسي/حربي أساسه تحقيــق المصلحــة ورفع المفســدة. والذي يعرفه
العلماء وطلاب الفقه أن دفع المفسدة مقدّم -شرعاً- على جلب المصلحة! ومثل هذا
العمل السياسي/الحربي تحكمه في وقته الظروف والملابسات والحقائق الواقعية، ولا
يحتاج إلى سابقة يستند إليها، أو فتوى قديمة يعتمد عليها. بل إن أهل كل زمن عليهم
تحقيق المصالح لأنفسهم وأقوامهم وأوطانهم في حدود ما يقدرون عليه، وعلى نحو ما
يهديهم إليه نظرهم بعد استفراغ الوسع كله، وبذل الجهد كله، والتأمل المحيط في كل
ما حولهم من عوامل قوة وعوامل ضعف. والقيد الوحيد الذي يرد على مثل هذا القرار هو
أن يتم اتخاذه بعد المشاورة الشاملة التي تتسع لكل ذي رأي مهما اختلف توجهه، أو
تباين، مع نظر الكثرة من إخوانه، نظره. ثم يكون الحكم تبعاً لما تراه الأغلبية من
أهل الشأن، أياً ما كان مجاله، وقديماً قال الإمام محمد عبده: إن الجمهور أبعد عن
الخطأ من الفرد في الأكثر. والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد
وأكبر... وقد كان (الرسول) صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه، ويرجع عن رأيه إلى
رأيهم (تفسير المنار، جـ4 ص199).
وقد تمت الشورى في هذه المبادرة على أوسع
نطاق -كما أخبرني بذلك الدكتور رمضان نفسه- وشارك فيها قادة الداخل وقادة الخارج،
وقادة العمل السياسي وقادة العمل العسكري، واتفق الجميع على صوابها. وهذا هو سندها
الشرعي الذي لا تحتاج إلى سند سواه. ورجوت أخي رمضان أن يطلب إلى أهل الفقه في
فلسطين ألا يحاولوا قياس هذه المبادرة على وقائع من التاريخ الإسلامي، أو من
السيرة النبوية، أو على فتاوى العلماء السابقين، لأنها من الاجتهاد الواجب في شأن
من شؤون العصر السياسية والوطنية، وقد فتح الإسلام بابه للمؤهلين له إلى يوم
القيامة، وكفى بذلك دليلاً وتأصيلاً.
إن من أهم الأدلة على صحة موقف المقاومة في
هذه المبادرة ذك الإرباك الذي صنعته في صفوف الصهاينة. ومن تابع في محطات
التلفزيون الصهيونية كمية المناقشات عن معنى كلمة هدنة في اللغة العربية، وعن
مآلات شروط المبادرة والالتزامات التي أوردتها، وعن أثرها على الكيان الصهيوني إذا
توقفت قواته المسلحة عن ارتكاب جرائمها ضد الشعب الفلسطيني، من تابع ذلك، وقرأ ما
تنشره بعض الصحف العربية، مترجماً عن الصحف الصهيونية، من تحليلات سياسية لهذه
المبادرة، علم علماً يقينياً أنها كانت عملاً موفقاً، وأن النية الخالصة لا تأتي
إلا بخير. ثم ليقرأ معي الآية التي خُتِم بها بيان المبادرة، وهي قول الله تبارك
وتعالى لنبيه:
?وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين. وألف
بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف
بينهم إنه عزيز حكيم? (الأنفال: 62-63).