وقف إطلاق النار في فلسطين: قوة.. وثقة ونضج!

 

 

بقلم :طارق مصاروة

 

نعتبر قرار حماس والجهاد وفتح بوقف إطلاق النار في فلسطين، قراراً صادراً عن قوة، وثقة وانتصار.. فإذا كان شرطاً إسرائيليا ً- أمريكياً رقم واحد للوصول إلى إنهاء احتلال أرض 4 حزيران 1967 وإنشاء دولة فلسطين فهو إذن الدليل الحاسم على أن مقاومة الاحتلال المجدية هي العنف وقبول التضحيات الكبيرة ولا يهم الفلسطينيين كل هذا الكلام الصغير عن الإرهاب الرادع الوحيد للعدوان والاحتلال، وإقامة السلام بمعناه الحقيقي الوارد في كتابه الكريم: ?وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم?!! وهي الإشارة الحقيقية للمعنى الحقيقي لترهب.. ونرهب.. والإرهاب، فالصورة الملوثة التي أشاعها الأمريكيون وحلفاؤهم مقصود منها الاستسلام للاحتلال، والعدوان العسكري وإرهاب القوة، فهل بديل مواجهة شعب فلسطين لجرائم الصهيونية هو قبول الاحتلال؟

وهل يمكن أن يكون شرط المقاومة هو قتال الجيش الإسرائيلي بمواصفات القتال الإسرائيلية؟ وهل أن على الفلسطينيين إعداد جيش مواز للجيش الإسرائيلي ليكون رفض الاحتلال شيئاً آخر غير الإرهاب أم أن بديل المقاومة هو الجلوس إلى مائدة فندق فخم، والتوقيع على وثيقة الاستسلام المطلق، باسم التفاوض الهادئ المتحضر؟

لقد قبلت المقاومة الفلسطينية وقف القتال لمدة محددة، ولهدف محدد، فإذا كانت خارطة الطريق ليست أكثر من خديعة، فإن اليد ما تزال على الزناد.. وقد تعلم الفلسطينيون عدم الوثوق بأحد، لا بالأشقاء ولا بالقوى الدولية.

لقد حاولت جهات فلسطينية وعربية أن تصور القوى الإسلامية السياسية بأنها قوى متعصبة، لها وسائل عنيفة لا يقبلها العالم المتحضر.. وخاصة حين تزايدت الأعمال الاستشهادية التي ضربت في العمق الجغرافي والنفسي الإسرائيلي.

والحقيقة أننا نسمع منذ سنوات صوت قادة حماس والجهاد، ونلاحظ أن فتح بدأت تنحاز لهذا الصوت، ولم نكن نقبل الخديعة.. فلغة هؤلاء المقاومين البواسل، هي لغة مباشرة، واضحة، شفافة ولكنها ليست - لهذه الأسباب - لغة المتعصبين الذين يعيشون عصراً غير هذا العصر، فهؤلاء قادة حركات سياسية، ولهم أهداف سياسية، ويعرفون كيف يقودون معاركهم مع العدو، فإذا كان لخارطة الطريق أو لأوسلو أي إنجاز حقيقي فإن هذا الإنجاز ليس ناتجاً عن شطارة المفاوض الفلسطيني.. وإنما عن كلفة الاحتلال الباهظة، ولأن المفاوض الفلسطيني كان يطرح الحل السلمي كبديل للحل الدموي الذي تفرضه حماس والجهاد، وأكثرية القوى النضالية الفلسطينية.

تنسحبون من أرضنا بالتفاوض السلمي أو تنسحبون بالقوة، وما جرى في لبنان حين وقع شطار التفاوض معاهدة أيار الإذعانية وصدقوا أن حزب الله، ورجال المقاومة الوطنية لا يقدمون للبنان سوى الدمار، والاحتلال الإسرائيلي والاستعداد الأمريكي - البريطاني الدائم لمساندته على الأرض، هو النموذج الذي حاول أرييل شارون تقديمه لإسرائيل وللأمريكيين، وذلك بفرض السلام بالدبابات.. فكانت معركة التحرر في الجنوب اللبناني هي النموذج المقابل الذي أسقط شارون عام 1982، وأسقط الكسندر هيغ وزير الدفاع الأمريكي معه، وكانت وراء الانسحاب غير المشروط.. ودون ألاعيب التواقيع في البيت الأبيض.

لقد عاد شارون إلى السلطة قبل عامين بوعد واضح للإسرائيليين، بأنه يحتاج إلى مئة يوم فقط لفرض الأمن على الفلسطينيين، وها قد مضى أكثر من عامين.. أعاد فيهما شارون احتلال كل مدينة وكل قرية وكل مخيم أخلاه الجيش الإسرائيلي بعد أوسلو، ووضع فيه حواجز الحصار على مداخل كل تجمع بشري فلسطيني، وجزأ كيان الفلسطينيين الجغرافي والبشري، ودعا الإسرائيليين إلى الاستيطان على رأس كل جبل، وكل تلة.. وضمن التأييد الأمريكي وخاصة بعد 11 أيلول وزلزاله في نيويورك وواشنطن.. لكن شارون احتاج للبقاء في السلطة إلى موافقة حماس والجهاد وفتح على وقف إطلاق النار!!، فالمقاومة العنيفة الفلسطينية هي الند الوحيد للعنف الإسرائيلي - الأمريكي، وهو الوحيد القادر على إقناع قوي العدوان بأن على الاحتلال أن يرحل!!

إننا نشهد الآن التحرك ذاته في مواجهة الاحتلال الأمريكي - البريطاني للعراق، فقد جاء المعتدون باسم نزع سلاح التدمير الشامل من يد حكومة العراق، وجاءوا محررين للشعب العراقي من الطغاة والطغيان، وثبت أن لا أسلحة دمار شامل في العراق فهذه أسلحة لا يمكن إخفاؤها لأنها تحمل على صواريخ بعيدة المدى، أو تلقى من الطائرات بوسائل غاية في التعقيد، وأن الطغاة والطغيان العراقيين سيكونون أقل كثيراً من طغاة الجنود الأمريكيين وطغيان قادتهم التي يحتاجها المفوضون السامون، والجنرالات وماكنات الاستخبارات والمخابرات.. فلا يوجد الآن قصر من قصور الدولة إلا وهو في حالة اشغال كامل.

إن المقاومة المسلحة والعتيقة، هي الخيار الوحيد الآن أمام العراقيين الذين فقدوا كيانهم السياسي، ودولتهم، ونظامهم الإداري.. وفقدوا أمنهم وسلامتهم الشخصية، وخبزهم اليومي، فأي خيار بقي لهم بعد أن لم يعد سراً على الاحتلال العسكري، وأنه سيمتد لسنوات، وأن حكومة مؤقتة غير واردة؟ وهل سيصبح المقاومون العراقيون إرهابيين؟

لقد فوجئنا بتصريحات آية الله محمد باقر الحكيم الذي يدعو العراقيين إلى نبذ العنف في التعامل مع سلوكيات الجيش الأمريكي - البريطاني، في الوقت الذي يدعو فيه حزب الله اللبناني إلى المقاومة المسلحة لطرد الاحتلال.. كالمقاومة التي تفرض عليه الخروج من فلسطين.

وأغلب الظن أن رئيس المجلس الثوري الإسلامي في العراق له حسابات إيرانية أكثر أهمية من حساباته العراقية، فمن الواضح أن العلاقات الأمريكية - الإيرانية تمر في مرحلة صعبة، وأن طهران تحاول استرضاء العدوانية الأمريكية بأية طريقة، وأن عدم استعمال الورقة العراقية.. وأن الورقة الشيعية في العراق قد يكون وسيلتها إلى اتقاء تحرك مجاهدي خلق المرابطين بأسلحتهم الثقيلة في العراق حتى الآن، والذين لهم القدرة على تحريك طلبة الجامعات في طهران ومدن إيران الكبيرة.

ومع دعوات محمد باقر الحكيم.. فإن الضربات التي أنزلتها قوى المقاومة العراقية في البصرة وفي مدن وقرى كثيرة في الجنوب، تدل على أن دعوات الاستهدان لا تلقى استجابة، فالعراق يتحول يومياً إلى أهوار تغطس فيها أقدام الغزاة، ومقتل لهم، وقد كان على توني بلير أن يعيد قراءة تاريخ بريطانيا الحديث.. وأن يأخذ العبرة من ثورات 1917 و1920. في جنوب العراق، وأن يسترجع حجم الخسائر البشرية البريطانية التي بلغت عشرات آلاف من القتلى ومئات الآلاف من الجرحى!

وكان قبول لندن لأشواق العراقيين التحررية.. وإقامة الدولة الحديثة هو مخرجها الطبيعي من الهزيمة.

نقف أمام الجبروت الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة من نضاله التحرري.. ونجد أنفسنا أمام المقاومة اللبنانية والمقاومة العراقية، فالعدو هنا في فلسطين ولبنان والعراق هو عدو واحد، والشعب المستهدف بالاحتلال، ومصادرة الحرية والاستلاب هو الشعب الشعب الواحد الممتد من غرب الهلال الخصيب إلى شرقه، ولعلنا لا نخدع أحداً إذا قلنا أن احتلال بقية الوطن قائم ولا يحتاج إلى جيوش أمريكية أو بريطانية أو إسرائيلية، وإذا كان لا بد من مقاومته.. فإن هناك مقاومة بغير السلاح والعنف هذه المرة وتبدأ المقاومة للاحتلال الصامت برفض مخططاته السياسية والاقتصادية أولاً، وبالوقوف الحازم إلى جانب الشجعان الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين غير آبهين بالقرار الفلسطيني المستقل أو بشيعية حزب الله أو بنظام صدام حسين البائد .. فلسطين ولبنان والعراق هي في هذا الوطن أكبر من استقلال القرارات القطرية، وأكبر من التشييع وأكبر من صدام حسين ونظامه، فالحكومات وشعاراتها زائلة.. أما الباقي الوحيد فهي الشعوب التائقة إلى الحرية والكرامة والمقاتلة في وجه الطغيان المحتلين، وعملائهم وأذنابهم... قبول حماس، والجهاد، وفتح، والشعبية بوقف إطلاق النار في فلسطين ليس تنازلاً وإنما هو إعلان واضح لقوة المقاومة، وثقتها بنفسها ونضوجها وتعاملها مع أمتها والعالم بما تمليه ظروف النضال، فالمقاومة الفلسطينية لا تعيش في الفراغ، والصبغة الدينية لتكون الجماعات المقاتلة لا تعني التحجر، والجهل والتعصب وعدم فهم ما يجري حولها.