بقلم :هاني شقير
مع إفراج السلطات الجزائرية عن القياديين في
<<الجبهة الاسلامية للإنقاذ>> الشيخين عباس مدني وعلي بلحاج بات
السؤال المطروح: من هو المستفيد من خروج الشيخين وعودتهما المحتملة الى العمل
السياسي؟
في الجواب على ذلك لا بد من الاشارة الى
الصراع الخفي الدائر بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من جهة والجيش من جهة ثانية
مع ما يرتبط بذلك من تداخلات سياسية ذات طابع خارجي متمثلة بصراع المصالح بين
الولايات المتحدة وفرنسا، حيث تسعى الأولى الى تعزيز حضورها في القارة السمراء من
خلال تكريس نفوذها السياسي في الجزائر، بينما تتمسك الثانية بمواقعها التي ورثتها
عبر قرون من خلال استعمارها لمعظم أرجاء قارة إفريقيا.
من هنا يتطلع المراقبون الى دينامية في التعاطي
مع الواقع الجزائري بعيداً عن الحدة في المواقف لا سيما أن أسباب المأزق الجزائري
التي دفعت بالشيخين مدني وبلحاج الى غياهب السجون ما تزال قائمة. وعليه، فالمطلوب
منهما ان يصوغا برنامجاً سياسياً أساسه الديموقراطية ونبذ فكرة الإقصاء من
قاموسهما السياسي وذلك لبعث الثقة ليس الى السلطة الجزائرية فحسب بل الى المعارضة
على اختلاف توجهاتها وخاصةً البربرية منها لأن كسب ود هذه الفئة يعزز فرص نجاح
التعددية الحزبية في صياغة مشروع وطني جزائري يضم بين صفوفه مختلف شرائح المجتمع
السياسي من أجل السير بالبلاد الى مرحلة جديدة من العمل السياسي بعيدا عن لغة
العنف والتهديد.
ان التحدي الذي ينتظر مدني وبلحاج يمتحن
قدرتهما على دخول المعترك السياسي الجزائري بفاعلية كفيلة ببث الروح في حركتهما
السياسية التي فقدتها بغيابهما ولم تستطع أي من القوى الإسلامية الراديكالية
تعويضها أثناء غيابهما، ما عدا محاولة رئيس حركة مجتمع السلم الشيخ محفوظ نحناح في
بداية التسعينيات (بعد اعتقال مدني وبلحاج) ان يملأ الفراغ الذي اصاب الحركة
الاسلامية الجزائرية وهو سرعان ما تماهى في مواقفه السياسية مع السلطة بكل
تعقيداتها وتلاوينها وجهد لاستعطاف السواد الأعظم من جماهير جبهة الإنقاذ التي تم
حلها في ذلك الحين ولكنه لم يوفق الى تحقيق ذلك، بل ان الشارع الإسلامي الجزائري
رسم علامات استفهام حول طبيعة العلاقة بين نحناح وحركته وبين بعض أجنحة السلطة بما
فيها الأجنحة المخابراتية.
ولعل المستفيد الوحيد من غياب الشيخين مدني
وبلحاج كان النائبة لويزة حنون على رأس حركة التروتسكيين <<حزب
العمال>>. البعض تعجب من مفارقة أن يملأ التروتسكيون فراغ الإسلاميين حيث
استطاعت حنون بخطابها <<المتطرف>> أن تجذب الآلاف من مناصري وجماهير
<<الانقاذ>> لتحرز حركتها في الانتخابات النيابية التي حصلت في العقد
الأخير من القرن الماضي مقاعد نيابية أكد المراقبون والدبلوماسيون على اختلافهم
أنها لا تعبر عن حقيقة الحجم الشعبي للتروتسكيين بالمطلق بل ان الأصوات التي
نالوها هي أصوات من أدلى بصوته من جماهير <<الانقاذ>> مع العلم أن
السواد الأعظم من هذه الجماهير قد قاطع الانتخابات في ذلك الوقت.