المأساة في ثياب المهزلة

 

 

 

بقلم :الياس سحّاب 

 

كان الانطباع السائد لدى من يتعاطى القضية الفلسطينية بتعقل وهدوء وموضوعية وواقعية، أن وصول أبو مازن الى سدة القرار الفلسطيني (برغم الاعتراض على الطريقة والشكل والأسلوب)، قد تثبت الأيام والتصرفات، أنه مجرد وصول ممثل لتيار فلسطيني وطني، خلافه مع الآخرين، لا يتجاوز كونه خلافا في وجهة النظر، بين تيارات وطنية فلسطينية مختلفة، وأنه إذا تمكن الفلسطينيون من إبقاء هذه الخلافات في وجهات النظر تتفاعل في إطار الوحدة الوطنية وبغير لاقتتال الوطني (الحرب الأهلية) فإن الأمر لن يتجاوز فقط مرحلة الإضرار بالقضية، الذي يمثل الخوف الأكبر، بل قد يتجاوز ذلك للتحول الى تحريك إيجابي ينتقل بالقضية الى الأمام، بقوة دفع تفاعل صحي وحيوي للتيارات الوطنية الفلسطينية، على اختلاف وجهات نظرها.

كان هذا هو الانطباع السائد لدى البعض، او لعله الأمل المرتجى، غير أن تصرفات السيد محمود عباس وتصريحاته، ومفردات القاموس الجديد الذي أصبح يستخدمه بمعدل مفردة جديدة كل يوم او أكثر، كل ذلك بدأ يبدد هذا الاعتقاد السائد وهذا الأمل المرجو، وينحو بالقضية مناح جديدة، يصعب معها عدم الالتفات الى التشابه فيما يحصل الآن (على الصعيد الفلسطيني) وما حصل سابقا على الصعيد العربي عندما اتخذ الرئيس السابق أنور السادات قرار التحول بالقضية الى إطار كامب دافيد، وما سبقها وما تلاها.

وللتذكير، فان خطوة الرئيس السادات لم تؤد فقط الى إخراج مصر، بحجمها التاريخي والمعاصر، ومن البؤرة الداخلية للصراع العربي الاسرائيلي، حتى تحولت (في أحسن الأحوال) وسيطا بين طرفي الصراع، بعد أن كانت قلب الصراع وعقله وعموده الفقري، (وهذا بحذ ذاته تراجع خطير في الموقف العربي ما زلنا نعايش تحولاته السلبية) بل أدت خطوة الرئيس السادات الى ما هو أخطر من ذلك، فأفرغت الصراع من كل حقائقه التاريخية ومحتواه التاريخي، عندما نجح الرئيس المصري السابق في وضع حجم ووزن وثقل مصر الرسمية وراء شعاره الشهير القائل بأن الصراع لا يعدو كونه <<حاجزا نفسيا>> بين العرب واليهود، وأنه قام بدور تاريخي في كسر هذا الحاجز النفسي وتجاوزه، عندما قام بزيارته الشهيرة الى القدس.

البعض لا يزال مصرا على أن السادات إنما سبق عصره بهذه الخطوات، ولكن البعض الآخر يعتبر أن الهزال الفظيع للموقف العربي الراهن، وانعدام الوزن العربي الحالي في كفتي ميزان الصراع، إنما هو الحصاد المر لتلك البذور التي زرعت ذات يوم أسود في أواخر عقد السبعينيات من القرن المنصرم.

وبينما كان التعقل يقتضي وقفة عربية لتأمل دروس المراحل السابقة ومنعطفاتها التاريخية الفاصلة، إذا برئيس الحكومة الفلسطينية يخرج علينا بالصيغة الفلسطينية للتفسير الساداتي للصراع، مع أن ذلك التفسير أثبت عبثيته. فإسرائيل، في قاموس أبو مازن، لم تعد عدوا بل مجرد خصم، والقضية لم تعد صراعا تاريخيا على أرض الوطن، بل مجرد خلاف سياسي، والمقاومة الفلسطينية لم تعد بالتالي مقاومة عنيفة للاحتلال (قد نختلف عليها كأسلوب وقد لا نختلف) ولكنها أصبحت إرهابا وتخريبا، هو <<الخطر>> الأساسي الذي يهدد <<السلام>>.

لم يعد الخلاف إذن على الاسلوب، ولكن الصراع كله، يراد له أن يزيف تزييفا كاملا، بالقاموس الفلسطيني (بعد القاموس الساداتي) حتى يسهل طي الملف، بأتفه ما يمكن من اللمسات التجميلية السطحية.

فإذا قدر لهذا القاموس الجديد الْقديم أن يفرض بالقوة الجبرية على ساحة الصراع، فمعنى ذلك أنه هو الحقيقة الجديدة الوحيدة، وأن كل ما عداه هو وهم نفسي لم يكن له وجود أصلا:

1 فلا المؤتمر الصهيوني الاول انعقد في العام 1897، ليقرر أن فلسطين هي أرض الميعاد التي لا بد من العودة إليها لإنشاء الوطن القومي اليهودي.

2 ولا الحملة الدبلوماسية الاوروبية والعالمية الممهدة للمشروع، أصدرت قرارها الشهير بأن لا مشكلة في المشروع، لأنه سيمنح فلسطين، التي هي أرض بلا شعب، الى اليهود، الذين هم شعب بلا أرض.

3 ولا أصدر السيد بلفور وعده الشهير للسيد روتشيلد بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين.

4 ولا نشطت الحكومة البريطانية طوال ثلاثين عاما، في تنفيذ تفاصيل وعد بلفور على أرض فلسطين، بعد تحويله جزءا لا يتجزأ من وثيقة انتدابها على فلسطين.

5 ولا أصدرت الأمم المتحدة، تحت ضغوط مكثفة من واشنطن، قرارا بتقسيم فلسطين.

6 ولا شرد شعب فلسطين عن أرضه في العام 1948، وبقي حتى هذه اللحظة محكوما بالحرمان من أرضه، او أي جزء منها، اضافة الى حرمانه من كل حقوقه الانسانية، وعلى رأسها حقوقه السياسية.

7 ولا أكملت إسرائيل في العام 1967، احتلال فلسطين التاريخية، وأجزاء من مصر وسوريا، ولبنان بعد ذلك، فأتمت بذلك المرحلة الاولى من المشروع الأساسي، ومهدت للانتقال الى المرحلة التالية والنهائية، لتتحول إقليميا مركزيا حاكما في المنطقة العربية بعد تحويلها الى <<الشرق الأوسط>>.

إما أن كل ذلك بلغة علم النفس، مجموعة من الأوهام والهواجس النفسية والهلوسة والتهيئات، او أن القاموس الحالي للمسألة هو الوهم الأكبر.

او أنها، بلغة الأدب، المأساة التي تلبس ثياب المهزلة.

أما بلغة السياسة، فمن المؤكد ان المسألة تجاوزت كونها مجرد خلاف على أسلوب وأشكال مقاومة الاحتلال، والحصول على الحد الأدنى من الحقوق السياسية لشعب فلسطين.