بين الـ بي بي سي و القدس العربي والآخرين

 

 

 

بقلم :د. عبدالوهاب الافندي

 

لأول وهلة لا تبدو هناك علاقة قوية بين الهجمة التي تتعرض لها هذه الايام هيئة الاذاعة البريطانية من قبل الحكومة هنا ومن قبل اسرائيل، وبين الحملة التي تقودها بعض الاطراف ضد القدس العربي سوي تعلق الحملتين بتغطية الحرب علي العراق. ولكن هناك رابطا اخر اهم بين الحملتين، وهو ان من تولي هذه الحملة يطالب بصك براءة من نفس الجهة التي يشنع عليها ويصفها بكل نقيصة، مما يعني تناقضا مع النفس. فلو كانت هذه المؤسسات كما يصفون لما كان هذا الحرص علي المطالبة بشهادة البراءة منها بالذات.

فلو اخذنا حملة المستشار الاعلامي لرئيس الوزراء البريطاني علي الـ بي. بي. سي ومطالبتها بالاعتذار نجد ان المستشار لا يخالف في صحة ما روته الاذاعة البريطانية، ولكنه يرفض استنتاجاتها. الهيئة روت عن مسؤول مخابراتي رفيع المستوي ان الحكومة تلاعبت في تقرير المخابرات حول اسلحة العراق بحيث يؤيد اكثر وجهة نظرها الداعمة للحرب. الحكومة البريطانية لا تكذب الـ بي. بي. سي في روايتها عن المصدر، ولكنها تكذب المصدر وتقول ان الهيئة ما كان لها ان تكتفي بمصدر واحد.

الي هنا والقصة تبدو منتهية: الهيئة روت، والحكومة كذبت الرواية من اعلي مستوياتها، والجمهور سمع الروايتين وهو بالخيار ان يصدق ايا منهما شاء. ولكن يبدو ان الشعب كان اميل الي تصديق رواية الـ بي. بي. سي ، او علي الاقل اخذها مأخذ جد، بدليل ان البرلمان الذي يهيمن عليه انصار الحكومة قرر تشكيل لجنة للتحقيق في الامر.

وهناك ما يبدو اعتقاد لدي مكتب رئيس الوزراء بان تقرير اللجنة لن يكفي لتبرئة الحكومة، وانها تحتاج الي اعتراف من الـ بي. بي. سي بالخطأ حتي تتحقق لها التبرئة.

المفارقة بالطبع هي ان الهيئة لو انصاعت للضغوط الحكومية، او لضغوط اسرائيل المماثلة فانها ستفقد مكانتها، وبالتالي تصبح صكوك البراءة والادانة منها غير ذات قيمة.

وبالمثل فان الحملة علي القدس العربي ، خاصة الجانب المتعلق منها باتهامات بعض الجهات العراقية تعاني من نفس الاشكال. فعند البعض فان وصف القدس العربي للهجمات علي القوات الامريكية بأنها مقاومة ومطالبتها برحيل القوات المحتلة، يعتبر تمجيدا لفلول النظام الصدامي، ومحاولة لزعزعة استقرار العراق وحرمانه من فرصة استعادة حريته وكرامته.

ولو كانت القدس العربي حقا بوقا صداميا او بوقا لأي حكومة اخري لما اعارها هؤلاء القوم التفاتة، فقد كانت لصدام ابواقه، وهناك ابواق اعلامية لا تحصي في العالم العرب كلها تردد ما تقوله القدس العربي ، انما بعنف وتطرف اشد. الحكومات العربية كلها عارضت الحرب لسانا علي الاقل، والكل يطالب بانسحاب المحتل. والصحف العربية من المحيط الي الخليج تتحدث عن الاحتلال والمقاومة.

ومهما يكن فان القدس العربي لا تقرأ في بغداد، وبالتالي فان ما يكتب هنا عن المقاومة لا يمكن اعتباره تحريضا للعراقيين لكي يلقوا بانفسهم في التهلكة.

اذن فما هو السبب في افراد القدس العربي دون غيرها بنقد وتشنيع ومطالبتها بترديد مقولات منتقديها؟

السبب الاول هو ما بنته الصحيفة لنفسها من صدقية ومكانة تفترض احترام ما تقوله، وحاجة هؤلاء لاستعارة ما يفتقدونه في هذا المضمار منها، ولو كانت مقولات هؤلاء ومواقفهم تقوم بذاتها لكان اولي ترك القدس العربي لتبوء باثم صداميتها وتسقط في اعين العباد.

ولا يعني هذا بالطبع ان كل ما تتبناه هذه الصحيفة من مواقف سليم، ولا كل ما تقوله صواب، ولكنها تستمد مكانتها من رفضها ان تتحول الي نشرة حكومية او صحيفة موقف واحد، ومن كونها تنسجم الي حد كبير مع نبض الشارع العربي وتملك في نفس الوقت الشجاعة للوقوف ضد التيار، او علي الاقل فتح المجال لاقلام لا تخشي ذلك.

الطريف ان اولئك الذين يتوسلون للصحيفة لكي تتصدق عليهم بالصدقية، ويتهمونها بتصدير المشاكل لهم، هم الذين يريدون ان يلقوا بنقائصهم عليها. فلا احد يمنع القوم من تقبيل اقدام جنود الاحتلال والانبطاح لهم بل بالعكس فان هذا هو التوجه السائد، ولكن البعض يؤلمهم احيانا وجود اصوات رافضة ويتبنون مبدأ اخرجوا آل لوط من قريتكم انهم اناس يتطهرون !

وعلي كل فان القدس العربي حيث تطالب مثل كل العرب برحيل المحتل من العراق لا تقصد من ذلك افساح المجال لعبد الباري عطوان حتي يتسلل تحت جنح الليل علي رأس جيش من المحررين وكتاب رسائل البريد لاحتلال بغداد وتنصيب حكومة هناك، وعليه فان السؤال الموجه للطرف الاخر هو لماذا يخافون من فكرة حكم العراقيين لانفسهم؟ ولماذا يريدون اطالة عمر الاحتلال اذا لم يكن الغرض هو استخدام جيش الاحتلال لقمع العراقيين الذين يخالفونهم الرأي؟

من الواضح انه لو كانت هناك مشكلة في العراق فهي بين بعض العراقيين وضمائرهم اولا، وبين طوائف وقطاعات الشعب العراقي ثانيا. ونحن نأمل صادقين الا تكون القدس العربي قد اصبحت المنبر والصوت الوحيد الذي يردد صدي صوت الضمير المعذب لمن تؤرقهم ضمائرهم، ويتمنون اسكاتها عبر اسكات صداها. ومهما يكن فان الصحيفة لن تستطيع مساعدة هؤلاء المعذبين وانقاذهم من ورطتهم، حتي لو تحولت الي نسخة من المطبوعات الاخري التي لا تؤرق ضمير القوم بغض النظر عما تكتب.

وقد كان الاولي بمن لهم رأي مختلف ان يوجهوا خطابهم مباشرة للشعب العراقي ويدلون بحجتهم بدون اقحام هذه الصحيفة في امر لا يد لها فيه، اذ انها لا تملك منح الصدقية لمن يفتقدها سواء اكان ذلك صدام حسين ام الساعين لخلافته باخلاص واحسان.