الاتحاد الأوروبي يدعم الأنغلوساكسون في صراع الثقافات

 

 

 

بقلم :ابراهيم يسري

 

في اجتماعات قمة سالونيكي الهامة باليونان والتي ترسي السمات النهائية لشكل الاتحاد الأوروبي وترسم مشروع دستوره، أسفرت بيانات الرؤساء، عن تجاوز خلافهم مع واشنطن بسبب تجاهلها لهم في حرب العراق بعد بوادر صفقة تم التوصل اليها بين شطري الأطلنطي، عن انكارهم لحق الشعوب الاسلامية في مواجهة القهر والاحتلال والقمع بالمقاومة، وانضموا في ذلك لمبدأ بوش الذي يعتبر كل مقاومة ارهابا بصرف النظر عن أسبابها وبواعثها، فقد وصموا المقاومة الفلسطينية بالارهاب، وقد سبقتها المقاومة الأفغانية وتليها المقاومة العراقية، ونادوا بوقف عمليات المقاومة والقضاء علي منظماتها رغم أنها مقاومة ضد الاحتلال الذي لا يحظي بأي مشروعية في القانون الدولي، ورغم أن حق المقاومة مكفول في المجتمع الدولي.

و يمكن تفهم ذلك في ضوء الرعب الذي يسود عواصم أوروبا من عمليات المقاومة التي تنسب الي منظمات اسلامية، والاجراءات المشددة التي تتخذها حكومات أوروبا لمناهضة أي عمليات تتصف في نظرها بالارهاب، علي نـمط أحداث 11 سبتمبر في أمريكا، ورغم عدم استهداف أي دولة أوروبية بعمليات تدميرية كبيرة، الا أنه يبدو أن أوروبا قد اقتنعت في اطار نظرية صراع الثقافات، ورغم مبادرات بعض زعمائها بعدم وجود مبررات لحرب ثقافية مع الاسلام وتحذيرهم من تعميق هذا الصراع، بأن عليها ان تخوض صراعا طويلا لتطويع الاسلام قد يمتد في نظر بعض دعاة تلك النظرية الي ثلاثين عاما. ويقول بعض فلاسفة هذا الصراع أنه لم يعد يقف أمام هيمنة الغرب الكاملة علي العالم بعد زوال الاتحاد السوفييتي، الا مجموعة الدول الاسلامية، وأن تطويع الاسلام قد يمتد لزمن طويل قدره البعض بثلاثين عاما.

فالجهود تتضافر الآن من اجل القضاء علي المقاومة الفلسطينية وفرض التسوية الاسرائيلية الأمريكية بمباركة أوروبا علي الشعب الفلسطيني، ويتلو ذلك أو يتعاصر معه، عملية شاقة وطويلة لانكار الحق في المقاومة علي شعب العراق ثم سورية ثم ايران والبقية تأتي وأيضا لابتكار اسلام علي المقاس الغربي بلا جهاد ولا مقاومة ولا حجاب ولا حية ولا همة وبمعايير أخلاقية غربية. والحقيقة أنه يصعب علينا أن نلوم الغرب علي ذلك بعد بيانات قمتي شرم الشيخ والعقبة التي أنكر فيها العرب علي الفلسطينيين الحق في المقاومة ووصفوها بالارهاب.

و في الصراع العربي الاسرائيلي نعرف جميعا المأزق الحاد الذي وقع فيه شارون بعد عجزه الواضح عن قمع الانتفاضة والوفاء بوعوده لناخبيه وأعضاء حزبه الليكوديين رغم كل ما استخدمه من ممارسات وحشية تدعمها آلة الحرب الجهنمية الاسرائيلية، ونعلم ان الحل الذي توصل اليه شارون وبوش معا هو أن يشعلوا نار الفتنة والاقتتال الفلسطيني الفلسطيني ويلقوا بعبء تصفية المقاومة علي بقايا السلطة الفلسطينية بعد تزويدها بالأسلحة والمدرعات (قدرها دحلان بملايين الدولارات) والتدريبات.

و هكذا تبني آرييل شارون منذ تسلمه السلطة وحتي تاريخه، موقفا لم يتراجع عنه للبدء في التفاوض علي تسوية النزاع الفلسطيني الاسرائيلي، وهو تناول المسألة الأمنية أولا بالقضاء علي فصائل المقاومة الفلسطينية التي يتهمها بالارهاب، وعدم الخوض في أي جانب سياسي للنزاع قبل أن يحقق الأمن لشعب اسرائيل، وقد تبنت الادارة الأمريكية هذا المنهج الذي انعكس بوضوح في تقرير ميتشيل وتفاهمات تينيت، وفي خطاب كولين باول في جامعة نورث كارولينا، وأخيرا قدمه الرئيس بوش كشرط أساسي للبدء في جهود التسوية وفقا لخطة خارطة الطريق، وأكده في قمتي شرم الشيخ والعقبة في 3 و4 يونيو الجاري.

و في هذا السياق تصور شارون مؤيدا من الرئيس بوش أن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ليس جادا ولا مخلصا في العمل علي القضاء علي المقاومة، وبالتالي حاصروه وأجبروه علي انشاء منصب رئيس للوزراء، وتعيين أبو مازن محمود عباس في هذا المنصب وهو الذي يعترض علي عسكرة الانتفاضة ويؤمن بان عمليات المقاومة ليس من شانها أن تخدم مساعي التسوية للنزاع، ويقترب بذلك من وجهة نظر شارون التي يدعمها الرئيس بوش.

و ازاء هذا الموقف الاسرائيلي المتزمت والذي يحظي بدعم كامل من ادارة الرئيس بوش، حاولت جهات فلسطينية وعربية العمل علي طرح حلول وسطية، تحقق وقف عمليات المقاومة لفترة تطول أو تقصر، حتي تجبر حكومة الدولة العبرية علي التطرق لموضوعات التسوية النهائية للنزاع، والتوصل الي اقامة دولة فلسطينية وفقا (لرؤية) الرئيس بوش. وفي هذا الاطار دار حوار فلسطيني ساخن بين السلطة ممثلة في أبي مازن ومحمد دحلان وزير داخليته النشط، وبين فصائل المقاومة الفلسطينية الفاعلة في الساحة وأهمها حماس والجهاد الاسلامي وكتائب الأقصي التابعة لحركة فتح.

كذلك ساهمت القاهرة بجهود مكثفة في هذا الاتجاه، ودعت فصائل المقاومة الي حوار في القاهرة بينها وبين السلطة، وتمت جولة الحوار الأولي في القاهرة، و قد غلب عليها الطابع التمهيدي حيث تم التعرف علي موضوعات البحث، ولم يكن لها أن تتوصل الي قرارات انتظارا لجولات قادمة.

و بعد قمتي شرم الشيخ والعقبة التي وصمت المقاومة بالارهاب، وأهدرت حق الشعوب المقهورة في المقاومة المعترف به دوليا، حيث تعهد محمود عباس بالقضاء علي العـــــنف والارهاب أيا كانت دوافعه، سادت الأوساط الـسياسية الفلسطينية حالة من التوتر والاحتقان نتيجــــــة موقف أبي مازن في العقبة مما استوجب من رئيــــــس الوزراء الفلسطيني ان يجري حوارا مع فصــــائل المقاومة لشرح موقفه وطمأنة تلك الفصائل بأن حكومته حريصة علي الحقوق الفلسطينية الأساسية وهي حق العودة والقدس وحدود 1967 وتفكيك المستوطنات في مرحلة المفاوضات التي ستعــــقب وقف عمليات المقاومة.

و في هذه المرحلة، ووسط جو من التفاؤل الحذر الذي ساد بعض الأوساط الفلسطينية، فجر شارون قنبلته المدمرة بمحاولة اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد القادة السياسيين لحماس، الأمر الذي ردت عليه حماس بعملية القدس التي أودت بحياة ستة عشر مواطنا اسرائيليا، واستمر مسلسل الاغتيالات والتدمير بين الجانبين، وكادت الأمور تتطور الي منحي خطير لولا أن أعطت واشنطن اشارة الي الأطراف بضرورة التحلي بالحكمة ومواصلة الحوار وفقا لطروحات خارطة الطريق.

وفي هذا الاتجاه ساهمت القاهرة أيضا بجهود واتصالات قام بها رئيس جهاز المخابرات المصرية ونائبه مع أبي مازن من جهة وفصائل المقاومة من جهة أخري. وقد قوبل هذا الجهد المصري بارتياح تلك الفصائل التي أدارت الحوار مع الوفد المصري بحسن نية وتقبلت فكرة عقد دورة ثانية للحوار الفلسطيني الفلسطيني بالقاهرة في وقت لاحق، غير أن عمليات المقاومة استمرت علي وتيرتها في مقابل عمليات الاغتيال والقتل وهدم المنازل التي داومت عليها الدولة العبرية. وطرحت بعض الجهات اقتراح قيام اسرائيل بالانحساب من غزة وبيت لحم وتسليم مسؤولية الأمن للسلطة الفلسطينية مع تحميلها مسؤولية منع عمليات المقاومة في تلك المناطق، وما زال الاقتراح يترنح بين الأطراف.

و من المهم في هذه المرحلة التي تتكالب فيها الضغوط والمحاولات من اجل القضاء علي المقاومة الفلسطينية، أن نناقش أهداف هذا الطلب ومدي مصداقيته، والامكانيات العملية المتاحة لتطبيقه، ذلك لأننا نزعم أنه يتنافي مع المعطيات الموضوعية للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي من جهة، كما يتضمن خلطا للأوراق وخداعا في التناول من جهة أخري.

و نفصل فندعو الي تأصيل مسار البحث في الموضوع ونقول أن الصراع يدور بين طرفين، أحدهما طرف معتد ظالم ومحتل يتمتع بتفوق ماحق وتخدمه آلة حربية طاغية وتدعمه أمريكا بقوتها ونفوذها كأقوي دولة في العالم، والثاني طرف ضعيف فقير قليل الامكانيات يعاني من شظف العيش والفقر والقهر وانتهاك كرامته وسلب أرضه وهدم منازله وقتل أبنائه. ومن هنا فاذا صدقت النوايا فمن الأولي أن يتخذ الطرف القوي الخطوة الأولي بان يبدأ الانسحاب ويزيل الحصار ويوقف عمليات القتل والاغتيال وتدمير المنازل ويفكك المستوطنات غير العشوائية، وبهذا يمهد لاقناع الطرف الضعيف بوقف عمليات المقاومة ويدخل معه في تفاوض لتسوية باقي موضوعات النزاع. والطرف القوي وهو اسرائيل مؤيدة بأمريكا لن يخسر شيئا لأن بامكانه في أي لحظة ان يعود الي احتلال الأرض وسفك الدماء وفرض الحصار.

أما الطرف الضعيف وهو فلسطين فليس لديه من وسائل الضغط الا المقاومة، فاذا فكك تنظيمات فصائل المقاومة، فانه يذهب الي مائدة المفاوضات عاريا محروما من أي وسيلة للضغط في مقابل وسائل الضغط القوية التي ستستعملها اسرائيل لفرض شروطها، وتبقي نتيجة المفاوضات محسومة لصالح اسرائيل مئة في المئة، ويخسر الجانب الفلسطيني كل ثمار الانتفاضة. ومما يؤكد شكوك الفلسطينيين أنه عاصر تاريخا طويلا من الممارسات السياسية الاسرائيلية منذ 1948 والتي نقضت فيها الدولة العبرية تعهداتها، وابتلعت الاتفاقيات التي وقعتها لتزداد توسعا في الأرض واذلالا للفلسطينيين والعرب، كذلك لا يوحي التأييد والانحياز الأمريكي الكامل والمتواصل لسياسة اسرائيل التوسعية العدوانية بامكان تقبل أي تدخل أو وساطة أو حلول أمريكية بحسن نية، فالتعامل الفلسطيني مع واشنطن يتم دائما من منظور التماثل والتلاحم مع سياسة اسرائيل.

و عليه فان نقطة الضعف في سياسة حكومة الليكود وفي خطة خارطة الطريق وما قبلها، هي أنها لا تقدم الا حلا للمشكلة الأمنية الاسرائيلية، دون الاهتمام بتحديد آليات موثوق بها للمضي قدما في استعادة الفلسطينيين لحقوقهم في القدس وعودة اللاجئين وتفكيك المستوطنات وحدود 1967، فاذا أضفنا الي ذلك أن شروط التسوية الفلسطينية التي كشفت عنها مفاوضات كامب ديفيد وتصريحات رجال الادارة الأمريكية لا تعطي الفلسطينيين من حقوقهم الا النزر اليسير فلا قدس ولا عودة ولا حدود 1967 ولا دولة حقيقية كاملة السيادة.

علي هذه الخلفية نقول أن أي جهد تبذله أطراف فلسطينية أو عربية لوقف الانتفاضة قد يتبدد وتذروه الرياح ويجب الاقلاع عنه، حيث أنه يجب أن نتفهم صعوبة تقبل الشعب الفلسطيني التجاوب مع هذا المطلب الذي يدعوه الي أن يسقط من يده وباختياره الورقة الوحيدة الفاعلة التي يملكها وهو الطرف الضعيف في وجه طرف يفوقه بكثير في القوة والامكانيات فضلا عن تاريخ هذا الطرف الأسود في ارتكاب المذابح والقتل وهدم المنازل والتوسع واحتلال الأرض ونهب الممتلكات الفلسطينية، بدلا من ذلك فان المدخل الأصح للأطراف التي تحاول التدخل بحسن نية بين الطرفين هو أن تقنع الطرف القوي وهو اسرائيل مدعومة بأمريكا، أن تبدأ بالانسحاب وفك الحصار والتوقف عن القتل والاغتيال والافراج عن المعتقلين حتي توفر الجو الصالح لاقناع المقاومين بوقف عمليات المقاومة لاتاحة الفرصة لجهود التسوية السلمية.

أما اذا اتسع هذا المنهج بدفع توجهات العولمة وتكريس سيطرة الشمال الغني علي الجنوب الفقير كما ظهر لنا في ديربان، ليشمل كل مقاومة اسلامية لظلم أو احتلال أو استغلال أو تدخل في شؤون العقيدة مما أسماها بعض المحللين الحرب العــــالمية الرابعة، فان هذه لعبة خطرة ومدمرة علي الانسانية تهدد وجود واستقرار الجنس البشري في الألفية الثالثة. ولا بد من أن تتكاتف جهود المفكرين والمنظرين الي اســــتشراف الوسائل الكفيلة بالتوفيق بين الثقافات وتكاملها وتعايشها في تعاون وسلام.