فَذْلَكاتٌ
لُغَويةٌ سياسيّة (4)
(من
وَحْي الواقع البعيد عن منهج الله عز وجل)
(
لو قلّبنا النظر في لغتنا العربية ، لوجدناها قد وَسِعَت
كلّ
المفاهيم والمصطلحات ، لكن بالنسبة للسياسة ،
فاللغة تغوص في عُمْقِ أعماقها .. أي في
الصميم ) .
فَذْلَكَةُ
الثاء *:
(
ثَقِفَ ) وأخواتها
ثَبَتَ
، ثَلَمَ ، ثَكِلَ ، ثَابَ
، ثَارَ ، ثَأرَ ، ثَغَبَ ، ثَرَدَ ، ثَرَا ،
ثَخُنَ
(ثَقِفَ)
الرجلَ في الحرب ، أي : أَدْرَكَهُ !.. وقد ورد في محكم التنـزيل قوله عز
وجل : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ
أَخْرَجُوكُمْ) (البقرة : من الآية 191) .. أي : حيث وجدتم أعداءكم
المشركين وأدركتموهم في حربكم معهم .. فاقتلوهم ، لأنهم بالمقابل يرومون قتلكم
والتنكيل بكم .. لكن في عصرنا الحاليّ - عصر النظام العالميّ الجديد - لا معنى
لكلمة (ثَقِفَ) ، لأنها انقرضت !.. فإذا كانت حربنا مع عدوّنا قد توقّفت (أو
أُوقِفَت) وانتهت .. فما حاجتنا إلى كلمة (ثَقِفَ)؟!..
بما أننا نعيش عهداً ذهبياً من السلام
والأمان والاطمئنان والرخاء ، بدأ منذ أكثر من نصف قرن ، واشتدّ منذ مؤتمر مدريد ،
ووصل إلى ذروته منذ بدء الاجتياح الأميركيّ للبلاد الإسلامية والاجتياح الصهيوني
اليهودي للضفة الغربية الفلسطينية .. بما أننا نعيش هذا العهد السلاميّ الذهبيّ ..
فإنه من الواجب علينا أن نُدخِلَهُم - أي أعداءنا - من حيث أخرجونا !.. وأن نمتثل
إلى أمر : وقَـبِّلوهم ، بدلاً من : واقتلوهم !.. لأنّ حالة السلام والأمان مع
عدوِّنا قد (ثَبَتَتْ) ، أي : استقرّت !.. وعلى كل مواطنٍ عربيٍ
ومسلمٍ ، أن يعتمد طريقة : (ثَلَمَ) في تعامله مع عدوّه ، الذي سلب أرضَه ،
وشرَّدَ قومه ، وسرقَ مالَه ، وذبح أطفالَه ، وقتّل شعبَه بشيوخه ونسائه !..
و(ثَلَمَ) السيفَ ، أي : جعله غير قاطع ، وما حاجتنا إلى السيوف القاطعة
البتّارة الحادّة ؟!.. فالسيوف في زماننا هذا ، لا تُستَخدَم إلا لتقشير (البطاطا)
و(الباذنجان) ، أو لتقطيع (البصل) و(البندورة) ، لأنها لا تصلح - بعد ثَلْمِها - لأكثر
من ذلك !..
إذن : على كل مَن (ثَكِلَ)
وَلَدَهُ ، أي : فَقَدَه ، أو (ثَكِلَ) قريبه أو عائلته ، أي : فقدهم
كلهم على يد عدوِّنا الحبيب .. أن يثوبَ إلى رُشده ، و(ثابَ) معناها : رجع
أو تاب !.. أما إذا (ثارَ) ، أي : هاجَ وانتشر غضبه ، وراودته
نفسه في أن يعمل بأسلوب : (ثَأرَ) ، أي : قتلَ قاتِلَ قومه .. فإنّ
أبطال السلام والتحرير الأشاوس ، سيلجؤون إلى فعل : (ثَغَبَ) ، أي : ذَبَحَ
، إذ يُقال : ثَغَبَ الشاةَ ، أي : ذبحها !.. مع ملاحظة أنّ الشعوب المسلمة
كلها - في نظر أبطال السلام والصمود والتحرير - ليست إلا قُطعاناً من الشياه،
والمشكلة الوحيدة التي تعترض أولئك الأبطال الأشاوس لإنجاز عمليات الذبح ، هي عدم
وجود آلاتٍ حادّة ، لأنها كلها خضعت لفعل : (ثَلَمَ) ، تعبيراً عن النيّة
الصادقة في السلام مع عدوّنا الطيّب المحتلّ !.. ما يدفع أبطالنا المذكورين للّجوء
إلى فعل : (ثَرَدَ) ، أي : ذبحَ بآلةٍ غير حادّة ، إذ تُقتَلُ
الذبيحة من غير أن تُقطَعَ أَوْدَاجُها !.. ومن الجدير بالذكر ، أنه لا خوف
على الذبائح من الألم والمعاناة - على ذمّة البيت الأبيض والبنتاغون - ، لأنّ
أبطالنا متمرّسون في هذه الطريقة من الذبح الراقي ، وقد حازوا في ذلك على أرقى
الشهادات الأميركية والغربية لتصفية المعارضين ، بأسلوبٍ حضاريٍ مُبْتَكَرٍ رشيق
!..
أما (ثَرَا) ، فتعني : نما أو
كَثُرَ ، إذ يُقال مثلاً : (ثَرَا مالُ الطائفة الحاكمة المتسلّطة على رقاب
الشعب .. بشكلٍ مذهل ، فازداد عدد الفقراء في الوطن ألْفَ ضِعف) !.. ويُقال
أيضاً : (ثَرَا القومُ فأصبحوا مِلْيارَيْن ، لكنهم غُثاء كغُثاء السَيْل) !..
أي : كَثُروا بشكلٍ هائلٍ ، لكن من غير وزنٍ أو تأثيرٍ أو قوّةٍ حقيقية !..
لماذا ؟!.. لأنهم استكانوا لسياط جلاّديهم ، إلى أن (ثَخُنَتْ) ، أي : غَلُظَت
وصَلُبَت ، وأصبح القوم يتحمّلون تلك السياط الثخينة الصلبة التي لا تتحمّلها
الثيران الضخمة !.. و(الثَوْر) هو : الذَكَرُ الضخم من البقر .. وقد
أُطلِقَت حديثاً على الإرهابيّ المجرم : (آرئيل شارون) ، فعندما يُقال : هاجَ
الثَوْرُ .. فإنّ ذلك يعني : هاجَ شارون !.. وشارون ليس ثَوْراً ، ولا بقرةً ، ولا
حتى نَعْجةَ .. لكنّ وسائل الإعلام السلامية المهزومة المضبوعة ، فجّرَت (ثورةً)
ضاريةً حين استلم شارون مقاليد الحكم في الكيان الصهيونيّ .. فجعلت منه (ثَوْراً)
هائجاً لا يمكن ترويضه ، إلا بالتنازل عن ورقة التوت الأخيرة ، التي تستر عَوْرَةَ
السلام المزعوم !..
وبذلك
، فإنّ وسائل الإعلام العربية والإسلامية أصبحت (مَنْعوجَةً) ، بعد أن كانت
(مَضبوعةً) منذ أوائل التسعينيات من القرن المنصرم ، أما في أوائل الألفية الثالثة
، فقد أصبحت (مَشرونةً) نسبةً إلى المجرم الإرهابيّ الجبان : آرئيل شارون !..
وهكذا ، ينتهي فعل : (ثَقِفَ) في
دورته ، الذي يعني : أدركَ عدوَّه .. إلى فعل : هَرَبَ من عدوّه فأدركه -
أي عدوُّهُ - !.. وهَرَبَ : فعل له أهمية خاصة ، سنتحدّث عنها في فذلكة (الهاء) إن
شاء الله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
الفَذْلَكَةُ - كما ورد في المعجم الوسيط - تعني : [ مُجْمَلُ ما
فُصِّلَ وخُلاصَتُهُ ] ، وهي [ لفظة محدَثة ] .