حيناً بعد حين يؤكد لنا الأميركيون خسران
المراهنة على أي شيء إيجابي يقدمونه لصالح إقامة سلام حقيقي في الشرق الأوسط، ومن
حق أي واحد أن يتساءل عن جدوى العودة إلى تلك المراهنة، بعد كل ما خبرناه من مواقف
لواشنطن كانت دائمة الانحياز لإسرائيل، وبالتالي دائمة العداء للفلسطينيين. ليس
ذلك فحسب، وإنما ظل اقتراب الولايات المتحدة من الملف الفلسطيني محكوماً بالرؤية
الإسرائيلية ومحابياً مصالح ومتطلبات الدولة العبرية دون غيرها، ذلك كله صحيح لا
ريب، ولكننا أمام الإلحاح الإعلامي والسياسي الذي يتبنى كل حين فكرة جديدة لحل
مشكلة الصراع في المنطقة، أصبحنا نتعلق حتى بالآمال المشكوك فيها، وأحدثها ما سمي
بخريطة الطريق، غير أننا حتى ونحن نعيش ذلك الوهم فإن المسؤولين الأميركيين لا
يقصرون في تبديده على وجه السرعة، الأمر الذي يؤدي إلى ارتدادنا وإرجاعنا مرة أخرى
إلى نقطة الصفر، أعني إلى الحقيقة المتمثلة في اليأس من المراهنة على الدور
الأميركي.
سيقول قائل إن هذا الكلام لا جديد فيه، وهذا
ما أسلم به أيضاً، لكنني أضيف أنه إذا لم يكن هناك جديد في حقيقة الموقف الأميركي،
فإن ثمة جديداً في الشواهد والحيثيات التي تعزز يأسنا من الموقف الأميركي، وحذرنا
من الاطمئنان إليه أو التعويل عليه.
أحدث ما قرأت في هذا الصدد تقرير نشرته صحيفة
"يديعوت أحرونوت" في 30/6/2003، وذكرت فيه أن السيدة كوندوليزا رايس
مستشارة الأمن القومي الأميركي اطلعت المسؤولين الإسرائيليين خلال زيارتها الأخيرة
لتل أبيب، على اتجاه الإدارة الأميركية إلى استثمار حوالي مليار دولار في البنى
التحتية للضفة الغربية وقطاع غزة "ليلمس الفلسطينيون الآن، ومع بدء تطبيق
خريطة الطريق، أن ثمة تغيرات مهمة تطرأ على حياتهم"، حيث اعتبرت أن من شأن
الاستثمار الكبير في "رفاهية الفلسطينيين" أن يسلب حركة حماس ادعاءها
أنها الجهة الوحيدة التي تعنى بضائقة الفلسطينيين. ومما نقلته الصحيفة الإسرائيلية
أن الأفكار التي طرحتها رايس تستهدف إعادة تأهيل البنى التحتية في الأراضي
الفلسطينية المحتلة، لتشمل شق طرق جديدة وإقامة مستشفيات ومؤسسات إنمائية إنسانية
تشكل بديلاً حقيقياً للمؤسسات التابعة لحركة حماس.
وأضافت "يديعوت أحرونوت" أن رايس
أوضحت لمضيفيها الإسرائيليين أن الولايات المتحدة لا تنوي التوصل إلى حل
"وسط" مع حماس، ولكنها ستواصل مساعيها الدولية لعزل الحركة وتجفيف منابع
تمويلها (وهو الموضوع الذي طرحه الرئيس بوش على من اجتمع بهم من الزعماء العرب في
شرم الشيخ مؤخراً)، وقد علق مسؤول إسرائيلي كبير للصحيفة على هذا الكلام قائلاً:
إن الخطة الأميركية الجديدة هذه، في حال تنفيذها تعد تصديقاً رسمياً وتوقيعاً على
شهادة وفاة حماس.
حين قرأت هذا الكلام قلت إن "العمى
الاستعماري" واحد في كل العهود، فقد قفزت إلى ذاكرتي على الفور قصة الجنرال
ديجول مع الجزائر، حين اشتدت مقاومة الاحتلال الفرنسي، فأشار عليه البعض بأن
الجزائريين يعانون من مشاكل اجتماعية ضاغطة عليهم، خصوصاً في السكن، وأن سلطة الاحتلال
إذا اهتمت بإقامة مساكن للناس وتوسعت في المشروعات العمرانية، فإن ذلك سوف يمتص
غضبهم ويهدئ من خواطرهم، ومن ثم ستنطفئ نار الثورة، وينشغل الناس بحياتهم الخاصة.
وقد نفذت الفكرة بالفعل، وأقيمت بعض المشروعات السكنية، ولكن المقاومة ظلت على
شدتها، وفشل "الحل العمراني" في تهدئة الغضب وامتصاص مشاعر الرفض
والمقاومة.
كان ذلك الحل تعبيراً عن جهل الجنرالات
الفرنسيين بالجزائريين والاحتقار لهم، إذ لم يكن أولئك المستشارون على دراية
بحقيقة مشاعر الشعب الجزائري، المعتز بكرامته وعروبته ودينه، ولم يخطر على بالهم
أن الجزائريين الذين يضحون بدمائهم لكي ينالوا الاستقلال، لن يقبلوا بأن يقايضوا
حلمهم بعدة شقق سكنية، ولذلك توهم المستشارون أنهم إذا حلت مشاكلهم الاجتماعية
فسوف ينسون مسألة الاحتلال، وكأن غاية ما يريدون أن تستقيم أحوالهم المعيشية، ولا
يهم بعد ذلك أن يكونوا أحراراً أو عبيداً وأذلاء.
السيدة رايس وأقرانها في الإدارة الأميركية
يخطئون إذ يعتبرون أن حماس هي المشكلة، وأن القضاء عليها هو الحل الذي سيريح
الجميع في "إسرائيل" والولايات المتحدة. كما يخطئون حين يظنون أن تأييد
الجماهير لحماس والتفافهم حولها نابع من أنها تؤدي لهم خدمات إنسانية وتعليمية
وغير ذلك، فذلك هو الجهل بعينه، أما الاحتقار فمفروغ منه، لأن الإدارة الأميركية
ورئيسها لم يعبروا عن اقتناعهم بأن الفلسطينيين بشر لهم حقهم في الحياة الكريمة،
وأعلنوا أكثر من مرة تأييدهم لما يقوم به الاحتلال ضد الفلسطينيين من عمليات سحق
وترويع، ليس فقط بتبريرهم تلك الممارسات على أنها "دفاع عن النفس"، ولكن
أيضاً عن طريق تزويد الإسرائيليين بالسلاح لمواصلة ما يقومون به من سحق وترويع
وإذلال.
إن حماس تجسد روح المقاومة لدى الشعب
الفلسطيني، الذي لم يتوقف عن تلك المقاومة منذ لاحت في الأفق شواهد الأطماع الصهيونية
في فلسطين، وما الخدمات التي تؤديها إلا عناصر جانبية في المشهد، فضلاً عن أنها من
قبيل "الدفاعات" التي تعزز الصمود والمقاومة، وهي تلبي حاجات للناس
حقاً، كما أن الناس مأزومون حقاً، لكن أولئك الناس وإن أرضاهم أو خفف عنهم محنتهم
توفر بعض الخدمات لهم، إلا أن هناك شيئاً أهم من ذلك كله يتجاهله الأميركيون، هو
شوقهم إلى الاستقلال الذي يوفر لهم العزة والكرامة، ويرفع عنهم مهانة الاحتلال
وذله اليومي.
بمنطق الأزمة أيضاً فسروا العمليات
الاستشهادية، ودأبت تحليلاتهم على الحدث عن أن الذين يقدمون على تلك العمليات هم
من الشباب المحبطين واليائسين، الذين لم يجدوا سبيلاً للتعبير عن يأسهم إلا بتفجير
أنفسهم وسط الإسرائيليين، وهذا الأصرار على مسألة اليأس يخفي حرصاً
على التهوين من شأن أولئك
الشبان وتصويرهم بحسبانهم ضحايا، لنزع صفة البطولة عنهم، ونفي أي دور للعزة
والكرامة فيما يقدمون عليه، يريدون أن تظل عملياتهم وصورهم مرتبطة في أذهان الناس
بالانتحار يأساً من الحياة، وليس بالاستشهاد دفاعاً عن حلم الحياة الكريمة.
هذا الجهل أو التجاهل يتجسد مرة أخرى في كلام
السيدة رايس وغيرها من ممثلي الإدارة الأميركية، ذلك أنهم بإلحاحهم على أن حماس هي
المشكلة، ومطالبتهم المستمرة باستئصالها عبر تكفيك بنيتها التحتية كما يقولون، لا
يملكون شجاعة الاعتراف بأن الاحتلال هو المشكلة، وأن وجود حماس أو غيرها من منظمات
المقاومة الوطنية هو نتيجة مباشرة لذلك الاحتلال. والحقيقة الأخرى التي يتعامون
عنها أنه حتى إذا تم القضاء على حركة حماس أو الجهاد فإن هذه لن تكون النهاية،
وإنما سيخرج من رحم الشعب المقاوم آخرون يقومون بنفس الدور ويواصلون مسيرة النضال،
من ثم فإنهم إذا ما أرادوا حقاً أن يجتثوا المقاومة من جذورها، ويتخلصوا منها إلى
الأبد، فلا سبيل إلى ذلك إلا بالقضاء على الشعب الفلسطيني كله وإبادته عن آخره.
أما إعلان الحرب على حماس والجهاد، وملاحقة
عناصر المقاومة ومصادر التمويل (العمليات الاستشهادية لا تحتاج إلى تمويل، كما أن
انتفاضة الحجارة لم تكن بحاجة إلى تمويل من أي نوع)، ومحاولة رشوة الشعب الفلسطيني
ببعض الخدمات وخطط الاعمار، فذلك كله سيظل من قبيل التعلق بالأوهام أو تعاطي المسكنات، لأنه طالما ظل
الاحتلال قائماً فليس أمام الفلسطينيين سوى خيار المقاومة، في وجود حماس والجهاد
أو في غيابهما.
إن استهلال خريطة الطريق بهذا النهج في
التفكير والتدبير يضاعف من أزمة الثقة في الموقف الأميركي، ويبدو من الأمل الذي
يحاول البعض إقناعنا بالمراهنة عليه، ذلك أن بداية الخريطة إذا كانت على هذا
النحو، فهي تدلنا على نهاية الطريق، الذي هو ليس طريق السلامة بأي حال.