امريكا والمحكمة الجنائية الدولية

 

 

 

بقلم : منير شفيق

 

كان الاسلام هو اول من اخضع كل فرد في دولته لحكم الشرع «القانون»، والكل يذكر فضلاً عما ورد في القرآن الكريم والسنة من التأكيد على هذه الحقيقة ما روي عن العهد الراشدي من انفاذ القاعدة الشرعية على الحاكم قبل غيره، وعلى القوي قبل الضعيف. ومن هنا اشتهر، ولاسباب اخرى بالطبع، الحكم الراشدي بالعدل واستحق اسم الراشدي.

 

على الرغم من هذا السبق، وما ترتكز اليه هذه القاعدة في الحكم الا ان الديمقراطية الغربية حاولت الاستئثار بالادعاء انها صاحبة نظرية تساوي جميع المواطنين امام القانون، وزعمت تطبيق القانون بلا استثناء لاحد. ولكن هذا كان مقتصراً على النظرية او الدستور. اما التطبيق فكان دائماً غير ذلك وعلى عدة مستويات: فالاقوياء مالياً والمتنفذون في دوائر السلطة كانوا يفلتون من هذا القانون الا العدد القليل القليل منهم عندما يكون الجرم مشهوداً امام الرأي العام، ويكون هنالك من هو اقوى في حالة تنافس شديد مع كبش الفداء، الذي لا بد منه بين الفترة والاخرى لكي يؤكد على القاعدة من اجل التستر على اختراقاتها الكثيرة. اما الى جانب الاقوياء والمتنفذين فهنالك اللامساواة بين القانون على اسس عنصرية كما هو حادث مثلاً في الولايات المتحدة بين البيض الامريكيين الانكلوساكسون البروتستانت «الواسبس» وانضم اليهم اليهود من جهة وبين السود والهسانك «من الاصل الاسباني» وانضم العرب والمسلمون بعد 11 ايلول 2001 الى هاتين الفئتين من جهة اخرى.

 

من هنا يجب ان نفهم العقلية الامريكية الرافضة للخضوع للمحكمة الجنائية الدولية، حيث قاومت تشكيلها من خلال معارضة شديدة للاتفاقية الدولية الخاصة بتشكيل المحكمة لملاحقة مجرمي الحرب ومنتهكي حقوق الانسان ومرتكبي الجرائم بحق الانسانية. فبعد توقيع الاغلبية الساحقة من دول العالم على الاتفاقية وفشل الادارة الامريكية في احباط التوصل اليها، راحت الادارة الامريكية تمارس الضغوط على دول العالم بما فيها الموقعة على الاتفاقية لعقد معاهدة ثنائية معها تستثني رعاياها من عسكريين ومدنيين ورجال مخابرات من تطبيق الاتفاقية عليهم وتقديمهم للمحكمة الجنائية الدولية.

 

هذا الموقف يكشف، فيما يكشف، اولاً عن زيف ادعاء النظرية الديمقراطية الامريكية حيث يتساوى الجميع امام القانون، وثانياً عن حتمية ارتكاب ممثلي الدولة الامريكية من عسكريين ومدنيين لجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وانتهاكات حقوق الانسان «والشعوب قبل ذلك»، ولهذا ثمة دول كثيرة تتعرض الآن للضغوط السياسية والابتزاز الاعلامي والتهديدات بقطع المساعدات من اجل التوقيع على اتفاقيات ثنائية تتعهد فيها الدول المعنية بعدم تطبيق احكام القانون الدولي المتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية على ممثلي الحكومة الامريكية.

 

ولكي نفهم، بصورة افضل، وضع الولايات المتحدة ازاء الاتفاقية الدولية ومحكمتها، آنفتي الذكر، لنرقب ما حدث ويحدث في افغانستان وما حل بالمعتقلين في سجن غوانتانامو «القاعدة العسكرية الامريكية في كوبا»، وما حدث ويحدث في العراق، وما يقوم به جيش الدولة العبرية واجهزتها الأمنية، وبمشاركة امريكية في فلسطين، من جرائم حرب وضد الانسانية، وانتهاكات لحقوق الانسان والشعوب.

 

وبكلمة، ان الادارة الامريكية ما دامت تتبنى سياسات عدوانية تعتمد القهر والقمع والارهاب وتتطلب اطلاق اليد بلا حسيب او رقيب او قانون انساني او مدني او دولي لا تستطيع الا ان تستثني نفسها من الخضوع للقانون وما تدعيه من مبادئ ديمقراطية وتضرب بالارادة الدولية والرأي العام العالمي عرض الحائط.