المشروع الحضاري الإسلامي..حالة ملحة
بقلم :د. محمد مورو
الحاجة إلى المشروع الحضاري الإسلامي أصبحت
حالة ملحة على الصعيدين العالمي والإسلامي، بل قل إن مستقبل البشرية عموماً،
ومستقبل العالم الإسلامي خصوصاً أصبح مرتبطاً بهذا المشروع ارتباطاً شديداً بل
حيوياً.
ففي عالم يسوده الظلم والعنصرية والنهب
والقهر والعنف والتطهير العرقي، واضطهاد الأقليات، في عالم المنفعة اللاأخلاقية
التي أدت إلى إفساد البيئة والحياة فوق بركان نووي وذري، في عالم يموت فيه سنوياً
50 مليوناً بسبب الجوع منهم 15 مليون طفل، في عالم يستأثر فيه 20% من السكان
بخيراته على حساب 80% من هؤلاء السكان، في عالم الاغتراب بسبب سيطرة الآلة وحالات
الانتحار حتى في البلاد الغنية ذاتها عالم الاكتئاب واللامعقول والإسفاف وقهر
الإنسان، في هذا العالم تبدو الحاجة إلى مشروع حضاري يؤكد على قيمة الإنسان،
ويتعامل مع الكون والطبيعة من منطلق الصداقة والتناغم والانسجام، وليس الصراع
والسيطرة والمنفعة اللاأخلاقية، مشروع حضاري يؤكد على المحافظة على البيئة وربط
الإنتاج بحاجة الإنسان دون إخلال بالتوازن البيولوجي أو الاجتماعي، مشروع حضاري
يؤكد على اللاعنصرية والعدل والحرية والمساواة والمسئولية الأخلاقية والاجتماعية
عن الفقراء والمستضعفين، عالم بلا فقر ولا مجاعة ولا ازدواج معايير، عالم بلا
اضطهاد للأقليات، أو ممارسة التطهير العرقي، عالم التعاون بين البشر وليس نهب
بعضهم لحساب البعض الآخر، عالم بلا استبداد وبلا قهر وبلا عنف، وهذا كله لا يتوفر
إلا في القيم الحضارية الإسلامية التي أثبتت سموها على المستوى النظري والمذهبي،
وعلى المستوى التطبيقي، الأمر الذي تفتقده كل المنظومات الحضارية الأخرى، وخاصة
المنظومة الحضارية الغربية التي عانى العالم الكثير بسببها ومازال يعاني، وعلى
المستوى الإسلامي فإن الحاجة إلى المشروع الحضاري الإسلامي أكثر حيوية، لأن العالم
الإسلامي هو الذي سوف يحمل تلك القيم الحضارية إلى العالم، ولأن العالم الإسلامي
في مجمله خاضع للقهر والنهب والاستبداد بسبب الحضارة الغربية، وبالتالي فإن
المشروع الحضاري الإسلامي هو وحده الطريق لهذا العالم الإسلامي نحو التحرر
والتنمية والنهضة، ولا شك أن فشل مشروعات النهضة التي استندت إلى القيم الغربية في
العالم الإسلامي تؤكد بدورها على أن المشروع الحضاري الإسلامي هو وحده القادر على
حشد الجماهير وانتزاع طريق السيادة الحضارية والنهضة والتنمية وحل كل المشكلات
والتحديات التي يعاني منها أو يواجهها العالم الإسلامي.
وهكذا فإن المشروع الحضاري الإسلامي لا بد أن
يأتي على مستويين: المستوى العالمي وهو المستوى الذي علينا أن نقدم من خلاله إلى
العالم طريقاً جديداً مثيراً للخروج من مأزق العالم المعاق ومآسيه وظلماته، وهو
المستوى الذي يتضمن التأكيد على قيم الحرية، والعدل، واللاعنصرية، وعدم ازدواج
المعايير والمحافظة على البيئة والتناغم معها، والمسئولية عن المستقبل ونصرة
الفقراء والمستضعفين، وحماية الأقليات ووحدة المصير الإنساني وغيرها من القيم
الحضارية الإسلامية.
والمستوى الإسلامي، وهو المستوى المرتبط
باستنهاض همم المسلمين نحو التوحيد والوحدة والجهاد، وبناء نمط من التنمية مستقل
وغير تابع، الأمر الذي يشكل البداية على طريق التحرر من الاستعمار والهيمنة
الغربية، وتحقيق النهضة والتقدم والاتفاق، ومن ثم يأتي بعد ذلك حمل القيم الحضارية
الإسلامية للعالم بأسره