على طريق
المقاومة
بقلـم : محمـود
شنب
الأحداث العظيمة لا تأتى مصادفة ... كل شئ يتم وفق
حسابات دقيقة ومعقدة ولكن فى الخفاء .
فمثلاً ... لم تكن زيارة السادات لإسرائيل مصادفة .. لقد
خُطط لها من قبل أن يصبح السادات حاكمًا لمصـر ، كما لم يكن اختيار مبارك خلفـًا
للسادات مصادفة ـ وقد رأينا ثمرة هذا الاختيار ونتائجه ـ حتى قانون الطوارئ
المعمول به فى مصـر منذ أكثر من عشرون عامًا لم يكن مصادفة ولا لدواعى أمنية أو
لحماية جبهتنا الداخلية ، وإنما كان من أجل تحولات ضخمة سوف تشهدها المنطقة ولن
يرضى عنها الشعب المصرى ، والأيام هى التى أرتنا حقيقة ذلك ، وما زال فى الجعبة
الكثير والدليل تجديد العمل بقانون الطوارئ .
السادات ـ منذ البداية ـ كان صناعة أمريكية خالصة ، وقد
وضع خده مداسًا لعبد الناصر حتى تحين الفرصة المناسبة للانقضاض على كل الثوابت
وتسليم المنطقة لأمريكا تسليم مفتاح ، وقد مهد السادات لذلك طويلاً ، وكان أشهر
أحاديثه وضوحًا مقولة "إن أمريكا تملك 99% من أوراق قضايانا" وقد خدمته
الظروف كثيرًا ـ مثل كمال أتاتورك ـ وذلك بعد نجاحه فى عبور القناة وهزيمة إسرائيل
فى 73 حيث أصبح ذو صوت مسموع ومنطق مقبول وحجة قوية جعلت الشعب المصرى يوقع له على
بياض وهو لا يعرف حقيقته أو حقيقة نواياه ، فاستدار على كل شئ وفعل ما لا يتخيله
عقل والشعب غافل فى نشوة النصر ، وليس صحيحًا أنه رجل عاش من أجل الحرب ومات من
أجل السلام .. الصحيح أنه رجل عاش من أجل أمريكا ومات من أجل إسرائيل .. رجل استخف
قومه فأطاعوه وأدخلهم مدخل كريهًا أوصلهم إلى نفق مظلم لا نهاية له ، وكلها أقدار
الله يسبب الأسباب ويخلق لكل فترة ما يناسبها من البشر ولا شئ يحدث إلا وفق مشيئته
، وما فعله السادات كان أحد الأسباب التى عن طريقها يتم تأجيل حل القضية حتى يتحقق
وعد الله بعد تجمع اليهود وعلوهم العلو الكبير والأخير مثلما هو حادث الآن ... حتى
اختيار الصليبيين لفلسطين كوطن قومى لليهود لم يكن غير اعجازًا يُظهر مدى صدق
القرآن وعظمته ، وهو اختيار يُظهر للمؤمن المتدبر أمور عديدة وبالغة الأهمية ـ
بمعنى أنه اذا ما افترضنا جدلاً أن "بلفور" قد أخطأ وأعطى وعده لليهود بإقامة
وطن لهم فى شبه القارة الهندية أو فى أحدى الدول الغربية أو فى أى مكان آخر فى
العالم بعيدًا عن الأرض المقدسة والمسجد الأقصى ، وسنتصور جدلاً أن اليهود قبلوا
ذلك وأقاموا دولتهم هناك ... كيف ستستقيم الأمور مع آيات القرآن الكريم وأحاديث
رسولنا العظيم ؟!!
كيف كنا سنصل إليهم ونحاربهم ونخلص العالم من شرورهم ؟!!
وما هو الدافع والمبرر ؟!!
ولمن ينطق الحجر والشجر وينادى : يا مسلم خلفى يهودى فتعالى
واقتله ؟!!
إن كل ما يحدث فى الكون ينضبط مع مشيئة الله وقدرته ،
ولو نظرنا إلى أمريكا التى تناصبا العداء على طول الخط وتقدم لإسرائيل كل أنواع
المساعدة والدعم سنجد أن الله قد جعلها سببًا تعلو من خلاله إسرائيل العلو الكبير
..
أريد أن أصل إلى أن كل ما يحدث فى الكون هو من صنع الله
ليبلونا ... أنصبر أم نكفر .. أنضل أم نهتدى .. أنجاهد أم نجبن .. أنصدق أم نكذب ،
ويستمر وعد الله واختباره ... يقول جل شأنه : (( أم حسبتم
أن تـُـتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله
ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون )) 16 ـ التوبة .
وتستمر القضية ولكن بوسائل غير الوسائل وأشخاص غير
الأشخاص وتتكاثر الفتن ويشتد البلاء ويترك الناس الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
ليأمروا بالمنكر وينهون عن المعروف ، وتصبح فتن يصير فيها الحليم حيرانـًا ،
وتستمر القضية (( ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل
الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعًا فيجعله فى جهنم أولئك هم الخاسرون )) 37 ـ الأنفال .
ولو تأملنا حال أمتنا العربية والواقع الذى تعيشه سنجد
أن الله قد جمع كل حكام السوء والضلال فى فترة واحدة تصديقـًا لقوله تعالى : (( ويجعل الخبيث بعضه على بعض )) فنراهم ـ دون مبرر ـ قد
تجمعوا على الباطل وتمسكوا بالضلال وركنوا للحياة الدنيا واطمأنوا لها ، وقد أتوا
مجتمعين فى وقت واحد ليركمهم الله جميعًا فى نار جهنم وبئس المصير ، ففى الوقت الذى
يحرضنا فيه القرآن على القتال والجهاد فى سبيل الله يحرضهم بوش على الاستسلام والسعى
لإرضاء الشيطان !!
يقول تعالى : (( يا أيها النبى
حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ـ يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال
)) .
ويقول بوش : ( يا حكام العرب حرضوا المؤمنين على الخنوع
والاستسلام وحسبكم الكفار ومن اتبعكم من المنافقين ) ... وقد اختار الحكام دعوة
بوش وتركوا دعوة الحق !!
يستجير بنا الاخوة فى فلسطين ولا مجيب لهم ولا مغيث
وكأنهم هم اليهود أو كأننا نحن اليهود ، وقد أرانا الله محنتهم وقسوة اليهود عليهم
عبر تكنولوجيا الإعلام والاتصالات لنعيش الحدث دقيقة بدقيقة ولحظة بلحظة لتقام
علينا الحجة ويسقط عنا الجهل .
لقد أمرنا الله بأن نـُجير المشرك إن استجار بنا ، ونبلغه
مأمنه .. فكيف يكون الحال والمستجير أول جار وأقرب مسلم وأعز مجاهد ؟!!
نخشى أمريكا وإسرائيل والله أحق أن نخشاه .. يقول تعالى
فى سورة المائدة : (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا
اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا
يهدى القوم الظالمين ـ فترى الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن
تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا فى
أنفسهم نادمين )) 51
، 52 .
إن موقع مصـر الطبيعى مع فلسطين والفلسطينيين ـ موقعنا
مع الحق وما يأمر به الدين ـ موقعنا حيث تكون معارك الإسلام فى بغداد وكابول
الشيشان ولبنان وفلسطين .
لقد أضل السادات مصـر ... وتبعه مبارك باخلاص عجيب
وأصبحت مصـر من أهم ركائز الإستعمار فى المنطقة تخذل من يجاهد وتساند من يخون
وتعطى الظهر لكل قضايا الأمة حتى انفرط عقدنا وغاب دليلنا وتفردت بنا أمريكا دولة
وراء دولة وطغت إسرائيل وبغت وتمادت فى إجرامها وفجورها .
من يوم أن انتقلنا إلى صفوف الأعداء ونحن لا نجد إلا
المرض والبطالة وضنك المعيشة ... وصدق الله العظيم (( والبلد
الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكدًا )) وقد أصبحنا فى
النكد صباح مساء ..
نقف بالساعات فى طوابير من أجل كسرة خبز ونحن نملك أجود
أرض وأعذب ماء ، ونستورد كل عام من أمريكا ما قيمته 786 مليون دولار من الغلال ـ
وهذا المبلغ يكفى لإستصلاح كل أراضى مصـر وزراعتها بالحبوب ـ لكن القيادة تأبى
وتفضل مد اليد والتسول عن العرق والإنتاج !!
يحصل أولادنا على مؤهلات لا قيمة لها غير التعليق على
الجدران !!
تعرت النساء فى الشوارع من يوم أن تعرت الأوطان فى
البلاد والقارات !!
يوسف والى يحصدنا كحصد النار للهشيم ولا أحد يستطيع عزله
أو محاكمته !!
... كل ذلك يحدث من يوم أن تركنا دعوة الحق واستجبنا
لدعوة بوش .
الآن يشتد الصراع ما بين الحق والباطل فى كل من
أفغانستان والعراق وفلسطين ، فأين نحن من تلك الأحداث وأين موقعنا فى المنازلة ..
ماذا قدمنا ولماذا أجرمنا وإلى أى مدى سنستمر فى الضلال ؟!!
لقد نجحت المقاومة الشعبية فى كل من أفغانستان والعراق
وفلسطين لسبب واحد هو أن تلك الدول لم يعد بها حكومات ولم يعد لها رؤساء ، وأصبح للمجاهدين
القدرة على أن يمتلكوا الفعل ورد الفعل واستطاعوا أن يستدرجوا أمريكا إلى حيث
أرادوا ، وأصبحت الجبهات عديدة ومتسعة وأصبح لا يمر يوم دون أن يُراق فيه الدم
الأمريكى والصهيونى بطريقة تشرح صدور المؤمنين وأصبحت أمريكا تستجدى العالم كله
للوقوف معها فى وجه المقاومة التى تسميها إرهاب ، وهذا ـ لو نعلم ـ فضل من الله
عظيم .
فى إسرائيل يأتى كل رئيس وزراء جديد ويلتزم أمام شعبه
بالقضاء على المقاومة الإسلامية وتوفير الأمن لشعبه ثم يمضى غير مأسوف عليه دون أن
يحقق شئ ، ويأتى مَن هو أشد منه قسوة وإجرامًا ويفشل رغم كل ما تقدمه له الادارة
الأمريكية والأنظمة العربية وأصبحت إسرائيل لا تخشى الدول العربية مجتمعة لكنها
تخشى حماس والجهاد الإسلامى وباقى فصائل المقاومة الإسلامية !!
و"رابين" الذى يبكى عليه حكامنا هو أول من قال
: ( على ياسر عرفات أن يختار : إما السلام وإما حماس ) وجاء نتنياهو وقال : ( ليس
عندنا لهؤلاء الناس سوى القتل فهم إرهابيون وأنا ملتزم أمام شعبى باستئصال شأفة
الإرهاب والإرهابيين أينما وجدوا وعلى أى أرض عاشوا ) .. قالها هو الآخر وذهب إلى
غير رجعة وكان ذلك عقب المحاولة الفاشلة التى تمت فى الأردن لإغتيال خالد مشعل ،
ثم جاء شارون بكل تاريخه الأسود وجرائمه القذرة وطلب من شعبه مائة يوم فقط للقضاء
على الإنتفاضة ، ومرت ثلاث سنوات وليس مائة يوم وقد تحولت إسرائيل فى عهده إلى
ساحة مفتوحة تتحرك فيها المقاومة كيفما شاءت ، وتضرب أينما تريد وفى الوقت الذى
ترغب ، وأصبحت الصومال أكثر أمنـًا من إسرائيل ، وفشل شارون ووضع أصابعه العشرة ـ
مثلما يقول المثل الشعبى ـ فى الشق وطلب النجدة من أمريكا وأمريكا فى حاجة لمن
ينجدها ...!!
كل ذلك وما زلنا نتفرج وكأن الأمر لا يعنينا ، وإن
تحركنا .. تحركنا فى الإتجاه المعاكس الذى يخدم الأعداء !!
إن المنطقة التى يتحرك فيها الحكام العرب منطقة غير
مأهولة بالسكان .. لا تجد فيها من يؤيد أو يساند أو يبارك ... إنها منطقة عار غير
واقعية أو منطقية .. يتحركون فيها بالزيف والضلال .. يتحركون وهم مشوهين ومذبذبين
لا إلى شعوبهم ولا إلى عدوهم .. يفعلون الباطل ويطلبون الحق .. ينادوا بالوحدة
ويسعون للفرقة .. يتحدثون عن الحرية وهم يرفعون راية العبودية .. لم يستطيعوا قطع
اليد الأمريكية ولم يستطيعوا تقبيلها .. لم ينجحوا فى إتخاذ قرار واحد يمكنهم من
الإفلات من القبضة الأمريكية ولو بعد حين .. لا هم يعلنون الإستسلام ولا يرغبوا فى
المقاومة ..!!
إنهم نماذج مشوهة لها كروش وعروش وليس لها عقول ولا منطق
.
إن الحزن العربى والإسلامى لن يستمر طويلاً ، والعلو
الأمريكى والإسرائيلى لن يصمد كثيرًا ، ولسوف تنقشع الغمة وتنهض الأمة ، وما أخذه
الغاصب جملة سيدفعه قطاعى ... يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام وجيلاً بعد جيل ،
ولسوف يعلو نجم المقاومة وتخبو شعلة الباطل ، فلا يوجد فى الوجود محتل لا يدفع ثمن
إحتلاله ، ولا يوجد فى العالم مقاوم لا يجنى ثمار مقاومته ، وأمريكا التى عجلت
باحتفالات النصر على العراق واهمة ، لأنها أرادت بصلف وغرور أن تضغط على أعصابنا
وتفقدنا الثقة فى أنفسنا ناسية ـ أو متناسية ـ أننا خير أمة أخرجت للناس حتى ونحن
ضعفاء ومنكسرون لأننا لا نعرف اليأس أو التسليم شأن باقى الأمم التى قهرتها أمريكا
وجعلتها تدور فى فلكها .
إننا لا نـُسالم حتى ونحن منهزمون ولا نـُهادن حتى ونحن
راقدون ... نكافح ونحن حفاه ، ونقاوم أعتى طغاه ونستمتع بالجهاد استمتاعهم بالحياة
... حياتنا شرف وموتنا فخر وخيارنا النصر أو الشهادة ...
لسنا فى حاجة لمن يُحسن صورتنا فى الغرب .. الغرب هو
الذى يحتاج لمن يُحسن صورته لدينا ... الغرب يعرف حقوقنا أكثر من حكامنا ، ويعرف
عن ديننا أكثر مما يعرف حكامنا ... لسنا فى حاجة لحوارات الأديان وحديث الطرشان
فإن الدين عند الله الإسلام وديننا هو المهيمن على كل الأديان بالحق والصدق وعلو
البيان .
أمريكا ليس لها سلطان إلا على الحكام ، وهى تشبه الشيطان
الذى يقول تعالى عنه : (( إنه ليس له سلطان على الذين
آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه )) صدق الله العظيم
.
فصبر جميل ... والله المستعان على ما تصفون .