بقلم : د . يحيى هاشم حسن فرغل*
إذا كان القرآن الكريم قد وضع المبدأ
الرئيسي في التعامل مع اليهود والنصارى في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا
تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم ، إن
الله لا يهدي القوم الظالمين ، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ، يقولون
نخشى أن تصيبنا دائرة ، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا
في أنفسهم نادمين ) 51 – 52 البقرة ، وفي قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا
الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ، واتقوا الله عن كنتم مؤمنين ) 57 البقرة
.. الأمر الذي قطع الطريق شرعيا أمام كل أولئك الذين تجاوزوه فعليا في اتخاذهم
نصارى الغرب أولياء ابتداء من الذين تحالفوا معهم ضد الدولة العثمانية الإسلامية :
ابتداء من الوهابية السياسية في الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر وبدايات
القرن العشرين ، إلى مشروع محمد علي في مصر في مرحلته اليائسة ، ثم في مشروع الشريف حسين لقيام دولة
عربية كبرى في نهاية الحرب العالمية الأولى ثمنا لقيام الوطن اليهودي !! حسب الوهم
الإنجليزي –
مرورا بالتحالف مع الاستعمار
الإنجليزي لقيام دولة شرق الأردن ثمنا لقيام الدولة الصهيونية ، وما إليها ،
وانتهاء إلى الاستعمار الأمريكي ثم الإسرائيلي في العراق والكويت وقطر والبحرين تحت دعاوى الحماية ضد أخطار "
الجيرة " العراقية والإيرانية وما بعدهما وأخيرا فتاوى تثبيط المقاومة ضد
الغزاة كما صدرت من بعض مراجع الشيعة !!
وتأتي الرؤية
المكانية
عن ( جزيرة العرب )
في حديثه صلى الله عليه وسلم مرتين : الأولى في خبره عن فتح الجزيرة العربية
للمسلمين تدبيرا ربانيا : وقاية لها من الأطماع المرتقبة ، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم فيما
رواه مسلم في صحيحه «تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ، فَيَفْتَحُهَا اللّهُ. ثُمّ
فَارِسَ، فَيَفْتَحُهَا اللّهُ. ثُمّ تَغْزُونَ الرّومَ، فَيَفْتَحُهَا اللّهُ.
وتَغْزُونَ الدّجّالَ، فَيَفْتَحُهُ اللّهُ».وقد تمت الأجزاء الثلاثة : في جزيرة
العرب ، ثم في فارس، ثم في الروم وبقيت الرابعة مع دجال اليهود
وفي المرة الثانية : في تحريم الجزيرة العربية على غير
المسلمين وقاية لها من الأحداث المرتقبة أيضا ، في قوله صلى الله عليه وسلم " أخرِجوا المشرِكينَ من
جزيرةِ العرب " متفق عليه ، - وبالرغم من أن اليهود والنصارى داخلون في حكم
المشركين في هذا الحديث بمقتضى قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من
دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا سبحانه وتعالى عما
يشركون ) - فإنه صلى الله عليه وسلم حسم الأمر في ذلك في قوله كما جاء في صحيح مسلم
«لأُخْرِجَنّ الْيَهُودَ وَالنّصَارَىَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، حَتّىَ لاَ
أَدَعَ إِلاّ مُسْلِماً». وفي مسند أحمد في قوله صلى الله عليه وسلم : أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من
جزيرة العرب » .وجاء مثله في سنن الترمذي وابن ماجة والدارمي.
ثم في موطأ مالك قَالَ مَالِكٌ : قَالَ ابْنُ
شِهَابٍ: فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حَتّى أَتَاهُ الثّلْجُ
وَاليَقِينُ، أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ يَجْتَمِعُ
دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ» فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ. قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ
أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ. فَأَمّا يَهُودُ
خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الثّمَرِ وَلاَ مِنَ الأَرْضِ
شَيءٌ. وَأَمّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثّمَرِ وَنِصْفُ الأَرْضِ.
ثُمّ أعْطَاهُمْ عمر القِيمَةَ وَأَجْلاَهُمْ مِنْهَا.
فما المراد بجزيرة العرب في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
لنا أن نفهم المراد بها فيما فتح منها :
وذلك مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم بسنده عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: كُنّا
مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةٍ. قَالَ:: «تَغْزُونَ
جَزِيرَةَ الْعَرَبِ، فَيَفْتَحُهَا اللّهُ. ثُمّ فَارِسَ، فَيَفْتَحُهَا اللّهُ.
ثُمّ تَغْزُونَ الرّومَ، فَيَفْتَحُهَا اللّهُ. وتَغْزُونَ الدّجّالَ،
فَيَفْتَحُهُ اللّهُ».
هل هو ما جاء في صحيح البخاري .. ( قال يعقوبُ بنُ محمدٍ:
سألتُ المغيرةَ بنَ عبدِ الرحمنِ عن جزيرةِ العربِ فقال: مكةُ والمدينةُ
واليمامةُ واليمن. وقال يعقوبُ: والعَرْجُ أولُ تِهامة.؟ )
أم هو ما جاء في سنن
ابن ماجة : . وفيه قوله : حدثنا
مَحْمُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا عُمَرُ ـ يَعني ابنَ عَبْدِالْوَاحِدِ ـ قالَ قالَ سَعِيدٌ ـ يَعني ابنَ
عَبْدِالعَزِيزِ: «جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا بَيْنَ الْوَادِي إلَى أقْصَى
الْيَمَنِ إلَى تُخُومِ الْعِرَاقِ إلَى الْبَحْرِ».
أم هو فيما قاله مالك بن أنس رضي الله عنه : أراد بجزيرة العرب
المدينة نفسها ، وإذا أطلقت الجزيرة
في الحديث ولم تضف إلى العرب فإنما يراد بها ما بين دجلة والفرات .
أم هو فيما ذكره صاحب كتاب النهاية في غريب الأثر :: في التعليق على
ما ذكره مسلم بسنده عن جابر قال :
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الشيطان أيس أن يعبد في جزيرة العرب ،
ولكن في التحريش بينهم ) : قال أبو عبيد : هو اسم صقع من الأرض وهو ما بين حفر أبي
موسى الأشعري إلى أقصى اليمين في الطول ، وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في
العرض . وقيل : هو من أقصى عدن إلى ريف العراق طولا ، ومن جدة وساحل البحر إلى
أطراف الشام عرضا ، قال : الزهري : سميت جزيرة لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا
بجانبيها ، وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات .
أم يتحدد المراد
بجزيرة العرب بالمساحة التي تم إخراج غير المسلمين منها – بصرف النظر عما يكون قد حصل في هذا الإخراج من تقصير أو
قصور ؟ حسبما قَالَ أبُو دَاوُدَ: قُرِىءَ عَلَى الْحَارِثِ بنِ مِسْكِينَ وَأنَا
شَاهِدٌ أخْبَرَكَ أشْهَبُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ قال قال مَالِكٌ: عُمَرُ أجْلَى
أهْلِ نَجْرَانَ وَلَمْ يَجْلُوا مِنَ تَيْمَاءَ لأَنّهَا لَيْسَتْ مِنْ بِلاَدِ
الْعَرَبِ، فَأمّا الْوَادِي فَإنّي أرَى أنّ ما لَمْ يُجْلَ مَنْ فِيهَا مِنَ
الْيَهُودِ أنّهُمْ لَمْ يَرَوْهَا مِنْ أرْضِ الْعَرَبِ.
في تقديري أنه إنما يتحدد بما تم فتحه ، وهو الواضح فإن الجزيرة العربية فتحت كلها ، وإذن فما يُخرج المشركون منه
هو الجزيرة كلها ، دون ما يفتح بعد ذلك – بالطبع - من فارس أو الروم أو غيرهما .
تلك
هي الرؤية المكانية في الاستراتيجية النبوية عن جزيرة العرب
أما الرؤية الزمانية في تلك الاستراتيجية النبوية فجاءت في قوله صلى
الله عليه وسلم- كما جاء في سنن أبي
داود بسنده عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها
فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء
السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن ، فقال
قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت "
ثم في قوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح البخاري
بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : " إن الإيمان
ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" ، وقوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم بسنده عن ابن عمر عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود
غريبا كما بدأ ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها " .
فبالنسبة للحروب
الصليبية
نتذكر هنا أنه بعد أن غزا نقفور الصليبي الحمدانيين عام 964م استعد لغزو جديد فأرسل إنذارا إلى
الخليفة العباسي في بغداد يهدده بالويل والثبور ، وينذره بأن الجيوش البيزنطية لن
تلبث أن تستولي على بلاد العراق والشام ومصر ، وأنه من الخير للخليفة أن ينسحب إلى
بلاد الحجاز ، ويترك تلك البلاد لأصحابها القدامى البيزنطيين!! – هكذا في دورة
مبكرة من منطق الاستعمار الذي سيظهر في القرن التاسع عشر من بعد في المنطقة –،
وكان إنذاره يفيض بالروح الصليبية ، إذ ضمنه – كما يقول الدكتور سعيد عاشور – ( عبارات
دينية ، وتهديد صريح بهدم الكعبة ، ونشر المسيحية ، في الشرق والغرب جميعا )
أنظر كتابه " الحركة الصليبية " نشر الإنجلو ، ج 1 ، ص 60-61
ولقد أقدم أرناط
الصليبي صاحب الكرك بعد ذلك في عام 578 هـ على تدبير حملة صليبية قصد بها الحرم
النبوي الشريف ، وأنشأ سفنا حملته ورجاله بالفعل إلى شاطئ الحجاز ، حيث كما ذكر
المؤرخون المسلمون : ( عظم البلاء وأعضل الداء وأشرف أهل المدينة النبوية منهم على
خطر عظيم ) ، وأصبح الفرنجة على مسيرة يوم واحد من المدينة ، ونزلوا على ساحل قرب
ينبع ، وكان صلاح الدين إذ ذاك على حوران – لكن فأين صلاح الدين اليوم – فلما بلغه الأمر بعث إلى سيف الدولة بن منقذ نائبه بمصر – وهاهي مصر جزءا من دولة إسلامية كبرى
- وأمر بتجهيز حسام الدين لؤلؤ
الحاجب على أسطوله وإرساله خلف العدو ، ومنيت هذه الحملة الصليبية بالفشل الذريع ،
إذ تعقب حسام الدين سفن الفرنجة ، فأحرقها وأسر من فيها ، وتعقب الهاربين منهم بين
الجبال ، وأسرهم جميعا ، وحملهم إلى القاهرة ، وكان لدخولهم يوم مشهود ،- فهل ترى
القاهرة يوما مثله –
وللعقاب الذي نزل بهم عبرة تذكر ) . أنظر
" الأنس الجليل " للمقدسي ج1 ص 316 ، والحركة الصليبية للدكتور سعيد عبد
الفتاح عاشور ج1 ، ص 78 .
فهل أقلع الغرب
الحديث عن أحلامه الصهيونية تلك في الجزيرة العربية التي حذرنا منها الرسول صلى
الله عليه وسلم في رؤيته النبوية الاستراتيجية ؟
كيف يظن بعض الغافلين المتـناومين ذلك وهاهو الغرب أمامهم يضع مكة والمدينة والجزيرة
العربية عموما ضمن خططه التبشيرية
هكذا –
بداهة يرتبط الغزو العسكري بمقولات ثقافية وتبشيرية وهكذا كانت إرساليات التنصير تنزل
بالخليج العربي وتعمل عملها بالمنطقة ، وكان اهتمام الدول الاستعمارية بالمنطقة قد
ابتدأ من البرتغال ( 1522- 1640 ) إلى فرنسا وهولندا ثم بريطانيا ( 1798 – 1971 ) ثم بريطانيا وأمريكا منذ عام
1991 –
2003 ، وهو مستمر بعد احتلال العراق واحتلال الكويت وبعض قطر ، وبعض مواطن ظاهرة
أو مستترة في السعودية والإمارات والبحرين ، تحت أسماء سياسية ودبلوماسية من
الاتفاقيات التي تعقدها الولايات المتحدة مع الحكام .
إن الغرب وضع وما يزال يضع مكة والمدينة والجزيرة العربية
عموما ضمن خططه التبشيرية الاستعمارية ، كما قدمنا ، وهي أطماع ترتبط عضويا بأحلام
الكيان الصهيوني الذي وضع مشروع دولته من البحر إلى الفرات إلى النيل ، والذي كانت هتافات جنوده والرسميين فيه
أثناء دخوله القدس عام 1967 : يالثارات خيبر ، محمد مات ، خلف بنات ،!
وهاهو الغرب اليوم يواصل هذه الأحلام في خططه المسيصهيونية
الحديثة ، التي وضعها قيد التنفيذ .
يتحدث الأستاذ محمود
بكري –
في جريدة الأسبوع –25
مارس 2002 عن التقرير الذي تبنته مجموعات من اللوبي الصهيوني برئاسة لوري ما داهان
والذي تم إرساله إلى أعضاء الكونجرس بعنوان " لم لا " انطلاقا من أن هذه
الفكرة –
فكرة ضرب مكة وهدم الكعبة – والنقاش حولها مع التصميم عليها يجعلها قابلة للتنفيذ
ويرى التقرير أن ضرب
مكة قد يدفع بعض الدول الإسلامية لمقاطعة الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا ،
ويطالب بعدم التعويل على هذا العامل لأن هذه الدول لديها الأماني الكبيرة في أن
تبني جسورا الصداقة مع الولايات المتحدة ، إن أقصى عمل يمكن أن تقوم به هو التعبير
عن معارضتها لهذا العمل ، وانتقادها لهذا السلوك ، أما إذا تجاوزت هذه الدول
حدودها فإنه يجب أن يصيبها ما أصاب مكة ، ويشير التقرير إلى أن المبادرة الهجومية
هي أفضل خيار متاح أمام الإدارة الأمريكية ، ويضيف " لن يكفينا ضرب العراق أو
التخلص من نظامه الدكتاتوري لأن هذا لن يردع الإرهابيين أو يعفيهم من تنفيذ
أعمالهم ، بل إن ضرب العراق من وجهة نظرنا يتساوى في تقدير نتائجه مع ضرب مكة وهدم
ذلك الحجر العتيد ، فكلاهما سيحقق ذات الآثار مع أن العمل الأخير – ضرب مكة – سيردع الإرهابيين عن الاستمرار في أعمالهم . ثم يستمر التقرير
قائلا : " نحن أمام حرب دينية سواء شئنا أم أبينا ، وكل شعوب العالم الحر لم
تسع إلى هذه الحرب الدينية ، إننا لابد وأن ننظر إلى هذه الحقيقة من زاويتها
الأساسية والصحيحة ، ونحن دائما نعامل أصدقاءنا وندللهم حتى ولو كانوا يهددون
أمننا ، الوقت لم يعد يحتمل مثل ذلك .. إنها دعوة صحيحة لإعادة تقييم المواقف ،
فلتهدم مكة ، وليدمر الحجر ، وليذهب المتطرفون المحمديون إلى الجحيم بأفعالهم
"
ثم يتصاعد الموقف حول
هذه المذكرة وفقا لمصادر مقربة من دوائر هامة بالكونجرس الأمريكي – كما جاء بمقال الأستاذ مصطفى بكري – جزاه الله خيرا ووقاه مكر العدو - بجريدة الأسبوع أيضا بعددها في 20 يناير
2003 –
فإن الخارجية الأمريكية تلقت مذكرة خطيرة في الأسبوع السابق على صدور هذا العدد من
الجريدة قام بتسليمها أحد الأعضاء البارزين للكونجرس الأمريكي ، وأن هذه المذكرة
تحمل توقيع ثلاث منظمات يهودية كبرى ، وهذه المنظمات هي تجمع " إيباك "
ووقع عنها أديسون هال ، وتجمع أنترناشيونال يونيون ووقع عنها كالوسيم فان ، وتجمع
باور جاستس ووقع عنهم ساري عنترا ، وهذه المذكرة الخطيرة التي رفعت صورة منها إلى
وزير الدفاع ، تضمنت اقتراحا بأن الحرب على الإرهاب تستوجب من العالم الحر بقيادة
الولايات المتحدة اتخاذ مواقف حاسمة ونهائية حتى يمكن استئصاله من الجذور ، وترى
المذكرة أن الوقت بات مناسبا لاتخاذ خطوة باتت ضرورية ، وهي هدم الكعبة
أثناء فترة الحرب العسكرية على العراق ، واعتبرت المذكرة أن الفرصة باتت سانحة
وبقوة للتخلص من أسس الإرهاب الإسلامي والمعمل الأساسي الذي تجري فيه صناعة
الإرهاب في مكة .وأشارت المذكرة إلى أن الأمريكيين والأوربيين باتت لديهم مبرراتهم السياسية والأمنية
والاستراتيجية للوصول بالحرب ضد الإرهاب إلى مداها الأقصى أو المدى الذي يمكن فيه
أن يتخلص فيه العالم من شرور هذا الإرهاب ومنابعه الأساسية . ولا يتوقف الأمر –
وفقا لما جاء بهذه المذكرة – عند حد تعديل المناهج الدينية لاستصال جذور هذا الإرهاب ، وإنما يتعلق الأمر جذريا بالمسجد
الحرام ومناسك الحج إذ تقول المذكرة " إن مناسك الحج إلى الكعبة هي أخطر
المناسك التي يجتمع فيها ملايين المسلمين من كل أنحاء العالم لتدبير المؤامرات
والعمليات الإرهابية ضد الإفراد والمصالح الحيوية لدول العالم " وتضيف
المذكرة قائلة– وفقا لما جاء بمقال الأستاذ مصطفى بكري - " إن هدم البناء الذي يطلق
عليه الكعبة سيمثل أحد الأسس اللازمة للقضاء على الإرهاب الإسلامي ، وأنه طالما
استمر هذا البناء كما هو في إعداد الجماعات الإرهابية فستبقى الجماعات الإرهابية
في تزايد مستمر ، وستتمكن من تنفيذ مؤامراتها بعيدا عن المتابعة الدقيقة "
وتقترح المذكرة " أن يتم هدم الكعبة من خلال قيام إحدى الطائرات المحملة
بالقنابل بتفريغ حمولتها خلال الحرب ، ثم يتم الادعاء بأنها أفرغت حمولتها خطأ أو
بأن الطائرة التي قامت بالهجوم طائرة عراقية " وقالت المذكرة " إن
العملية ستكون أكثر صعوبة قبل تنفيذها ، وسوف تتعرض لمناقشات مطولة حول العواقب
الاستراتيجية للقيام بها إلا أنه وبعد تنفيذها سيدرك العالم أن
حجم الإرهاب الإسلامي قد تقلص إلى درجة كبيرة " ونوهت المذكرة إلى أن ردود الفعل في
العالمين العربي والإسلامي لن تكون كبيرة خاصة وأن العديد من الحكام لن يسمحوا
للجماهير بالتظاهر والخروج إلى الشوارع ، كما وأن المصالح الأمريكية والغربية يمكن
حمايتها وتشديد الحراسة عليها " ولم تستبعد المذكرة أن هذه المصالح ستتعرض
لبعض المخاطر إلا أنها اعتبرت أن هذه المخاطر ستكون محدودة بالقياس إلى الخطر
الإستراتيجي الذي يمثله الإرهاب الإسلامي "ولم لا ؟ أليست تقول الدعاية
الصهيونية في تصريحاتها في ( 12 \6\2003 ) وهي تدافع عن ضرب
المقاومة الفلسطيينة : إن
الفلسطينيين سوف يشكرون إسرائيل فيما بعد على أن خلصتهم منها ؟ هكذا
إنها اليوم حرب
صليبية أعلنها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج دبليو بوش في وعي ، أو في زلة
لسان كما يقول المثبطون .
إن استيلاء الصهاينة
على المسجد الأقصى في حرب 1967 كان هو الخطوة التجريبية الأولى لضرب المسجد الحرام
، والجائزة الكبرى التي قدمها الغرب لإسرائيل ثمنا لتمكينه من مواصلة الزحف إلى
مكة ، وهي عملية يتم الإعداد لها الآن تحت ذريعة مؤامرة الإرهاب الذي قام بضرب بعض
المباني في مدينة نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، وما ضرب العراق إلا غطاء
للحرب على الإرهاب وهي الحرب التي تقصد الإسلام في عقر داره في الكعبة ، ومرة أخرى تفلت من الرئيس
الأمريكي جورج بوش كلمة في خطابه للاتحاد في أواخر يناير 2003 تبين أن القصة لا
يمكن أن تنتهي بضرب العراق ، إذ يعلن أن حربه على العراق إنما هي من أجل حربه على
الإرهاب ، ثم يتهم العراق بأنه متحالف مع الإرهاب ، وأنه يمكنه أن يمارس إرهابه
بتسريب قاروة من سم الإنتراكس لتهدد العالم بأسره ، إذ كيف إذا كان هذا هو منطق
ضرب العراق أن يتم القضاء على هذا النوع من الإرهاب بالقضاء على العراق ؟ إن هذا
المنطق يعني أن يستمر انتقاء البلاد الإسلامية لضربها بلدا بلدا مهما حصل من إبادة
العراق ، لأن هذه القارورة البوشية سوف تظل مشرعة في الأفق حتى يتم ضرب الهدف
الحقيقي، وآنذاك يمكن لهذه القارورة أن تختفي ، ولو نزلت إلى الأرض لأنها لم تكن
هي الهدف ، والله أعلم
تحريرا في 9\ 7 \2003
------------------------------------------