ملاحظات حول بيان بعض المثقفين دفاعا عن د سعد الدين إبراهيم

 

بقلم : عصام الطاهر *

 

البيان الذي أصدرته مجموعة من الأشخاص يطالبون فيه بالإفراج عن الدكتور سعد الدين إبراهيم الذي يقضى عقوبة السجن لاتهامه بالاتصال بدوائر أجنبية مشبوهة، لنا أن نسجل عليه ملاحظة أولية وهى أن البيان يطالب بالإفراج وليس العفو.. ذلك أن الموقعين لما يتمتعون به من خبرة فإنهم يدركون أن استعمال تعبير عفو معناه أن الرجل قد ارتكب ذنبا ويلزمه قرار بالعفو عن هذا الذنب، ومن هنا كان استعمالهم لتعبير الإفراج تأكيدا لإيمانهم ببراءته وأن سجنه كان ظلما.

ثم إنهم ترتيبا على ما سبق فإنهم لا يبدون أسفا أو اعتذارا للإيحاء بأن الرجل لن يعود إلى ما اتهم به، بل على العكس فهم يؤكدون صواب أفعاله التي جعلوها موضعا لفخره وفخرهم فراحوا يعظمون من شأنه واصفين إياه "بالمفكر وعالم الاجتماع السياسي المرموق.. وأحد أبرز الوجوه المشرقة لمصر وللعالم العربي كمفكر وطني كبير يتمتع باحترام دولي فريد ". هذه الصفات كانت تمهيدا من البيان للحديث عن مدى الخطأ الذي أوقع القضاء المصري نفسه فيه حين أصدر حكما بالإدانة على شخص هذه مواهبه الشخصية وتلك قيمته العالمية، مما أورث القضاء سوء السمعة التي أوردها لنا البيان بالعبارات التالية. "لقد عبر فيض الإدانات والاحتجاجات المنهمرة من الإعلام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان وهيئات وحكومات المجتمع الدولي التي أصيبت بالصدمة بعدما رأت ما يحدث لشخصية مرموقة مثل الدكتور إبراهيم.."

ليسمح لي موقعو البيان أن أرشدهم إلى حكمة عربية قديمة تقول "إن الشفيع لا يكون أحمق " فمثل هذا الأسلوب بطلب الإفراج أقل ما يوصف به أنه أسلوب يخلو من اللباقة ويتسم بالحمق، إذ جاء على شكل توبيخ وتأنيب ولوم يصل إلى حد تهديد مصر بالرأي العام العالمي، وأنا على يقين أن الدكتور سعد الدين لا يوافقهم على اتخاذهم من (مأساته) وسيلة للتسلق بادعاء الشجاعة المزيفة.

ترى هل هي غلطة أو غفلة وقع فيها هذا العدد من الموقعين الذين بلغوا المائة نصفهم يقال إنهم يحملون لقب دكتور.. أنا شخصيا لا أظن ذلك، بل إنني أرى أن الموقعين كانوا في الحقيقة لا يدافعون عن سعد الدين كشخص وإسم بل إنهم يدافعون عن أنفسهم لأنهم في أغلبهم يحملون نفس التوجه ويمارسون ذات الأفعال التي يمارسها سواء كانوا يمارسونها ظاهرا أم باطنا.. وعلى هذا فإن أغلبهم يتمنى أنه لو كان من الممكن أن ينال شهرة سعد الدين ولكن بدون أن يكون موضع عقاب كالذي وقع فيه. وهذا التكبير للمحكوم والتصغير لقضاته هي ضربة استباقية لاتقاء احتمالات المستقبل. أما الأقلية غير المتورطة بما ورط الدكتور إبراهيم نفسه فيه، فإنهم يهدفون من توقيعهم على البيان لفت أنظار الذين استخدموا الدكتور بأنهم جاهزون لأن يؤدوا منا لمهام مثل تلك التي أداها هو.. وهنا كان الجانب الذكي من إصدارهم للبيان وظهور أسمائهم عليه، وإنني أطمئنهم وأبشرهم بأن الرسالة وصلت خاصة تلك الفئة من الموقعين الذين يزاولون أعمالا بتعيشون منها ويريدون أن يطمئنوا لمستقبلهم إذ ربما خانهم الحظ وخرجوا أو أخرجوا من أعمالهم فرأوا بالتوقيع مدا للجسور مع الجهات المماثلة لتلك التي عمل الدكتور على التعاون معها.

وعلى هذا فيمكن القول وبكل ثقة وتأكيد إن جريدة "القدس العربي" العزيزة قد أدت لهم خدمة كانت تستحق عليها الثناء إذ أتاحت لهم فرصة نادرة باعتبار أن توقيعهم على البيان كان بمثابة توقيع على طلب عمل سيكون تحت نظر دوائر الاستخدام المنتشرة في الغرب وفى أمريكا على وجه الخصوص، والتي من المؤكد أنها ستحتفظ بأسماه الموقعين على البيان للرجوع إليه عند اللزوم. وأخيرا فإنه لابد من القيام نيابة عن معدي البيان بواجب الاعتذار للكثيرين من الذين يشاركونهم أفكارهم وتوجهاتهم والذين لم يكن من الممكن الاتصال بهم لأخذ توقيعهم. ذلك أن مكانتهم محفوظة، إذ كيف يمكن أن ينسى فؤاد عجمى وسرى نسيبة ومأمون فندى وعبدالمنعم سعيد وعبدالعظيم رمضان ووحيد عبدالمجيد وغيرهم ممن بحت أصواتهم في الحث على التعاون تقديرا للدور الأمريكي العظيم في نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب ومع تلك فإن الأمل مازال معقودا على هذا الرهط من أصحاب الضمير الموجوع لمأساة الدكتور أن تتسع دائرة هذا الضمير لتشمل التنديد بأفعال إسرائيل ضد الفلسطينيين، خاصة وهى تستخدم طائرات الأباتشى وال إف 16 وغيرها من أدوات القتل والتدمير المزودة لها من أصدقائهم الأمريكيين.

-------------

* كاتب من الأردن