مفاجآت المشهد الانتخابي المغربي

 

 

 

بقلم : فهمي هويدي 

 

استأذن في انعطافة صوب المغرب، الذي جرت فيه انتخابات نيابية في الاسبوع الماضي، جاءت نتائجها بمثابة ضوء لمع فجأة في الأفق العربي المعتم، المسكون بالإحباط وآيات الانكسار. إن شئت فقل إنها نموذج لذلك الأمل الذي تمنيناه في المشرق فأطلّ علينا بصيصه من المغرب.

قلت إنها <<انعطافة>>، لأنني في الاسبوع الماضي شرعت في الحديث عن الدعايات والأكاذيب المغشوشة التي تروج هذه الايام في سياق التمهيد لضرب العراق، وبدأت <<بأم الأكاذيب>> التي تمثلت في حكاية الدفاع الاميركي عن الديمقراطية، ثم وعدت بمواصلة الحديث هذا الاسبوع، لكن المشهد المغربي فاجأنا وفرض نفسه على السياق، الامر الذي اقتضى تأجيل استئناف الحديث عن مسلسل الأكاذيب الى الاسبوع المقبل بإذن الله.

لقد اعتبرتها حدثا مهما، ليس فقط لما تبعثه فينا من امل في اجواء الكآبة التي نعيشها، لكن ايضا لأنها تميزت بأمور ثلاثة هي:

أنها تمّت بدرجة عالية من النزاهة والشفافية وكانت معبّرة بصدق عن حقيقة وتضاريس الخريطة السياسية في المغرب.

أن نسبة الإقبال عليها كانت متواضعة نسبياً، وامتلك جهاز الادارة شجاعة الاعلان عن ان نسبة الذين اشتركوا في التصويت كانت في حدود 52% (عدد الناخبين 14 مليونا). ولم يخف أحد من المعلقين ان إحجام كثيرين عن التصويت بعث برسالة الى الحكومة عنوانها الاستياء وعدم الرضى.

ان حزب التنمية والعدالة المعروف بتوجهه الاسلامي، حقق فوزا كبيرا في حظوظه الانتخابية، على نحو جعله ثالث قوة سياسية في البلاد، إذ ضاعف مقاعده ثلاث مرات، بالمقارنة بانتخابات المرة السابقة (عام 1997)، حتى عُدّ ذلك التقدم أهم مفاجآت المشهد الانتخابي.

(1)

كانت المعركة حامية الوطيس وحافلة بالضجيج والتوتر، وهو أمر غير مستغرب في ظل اشتراك 26 حزباً، تقدموا بستة آلاف مرشح، تنافسوا على 325 مقعدا في البرلمان. مع ذلك فإن الصراع الحقيقي والأكثر حدة كان بين دعاة العلمانية والفرانكوفونية من جانب، ودعاة التوجه الاسلامي من ممثلي حزب العدالة والتنمية من جانب آخر (حركة العدل والإحسان الأهم والأكبر قاطعت الانتخابات لأسباب تتعلّق برؤية قيادتها لمجمل النظام السياسي، والجماعات الاخرى حضرت بأصوات عناصرها وليس بمرشحيها).

لم يعرف عن المغرب انه كان يوماً ما تربة للتطرّف او الارهاب. ولذلك فإن الحركات الاسلامية الأساسية تبنّت منذ نشأتها سياسة اللا عنف، غير أن الابواق الاعلامية المضادة دأبت خلال الاسابيع التي سبقت موعد الانتخابات على تحذير الناس وتخويفهم من التصويت للاسلاميين. وكان استدعاء النموذج الجزائري الى المغرب هو <<الفزّاعة>> التي جرى التلويح بها لترويع الناخبين. وظلت الصحف العلمانية والفرانكوفونية تروّج طول الوقت لاحتمال <<جزأرة المغرب>> اي تحويلها الى جزائر اخرى، وهذا ما دأبت عليه صحف مثل: <<الأحداث المغربية>> و<<الاتحاد الاشتراكي>> و<<ليبراسيون>> و<<لاغازيت دوماروك>>. وتحدثت صحيفتا <<المستقل>> و<<لوجورنال>> عن تقرير سري قدم الى الملك محمد السادس يحذر من <<الغزو الوهابي للمغرب>>. وكان لأسبوعية <<جون افريك>> نصيبها في الحملة، حيث ذكرت ان واحدا من عناصر <<الخلية النائمة>> لتنظيم القاعدة، التي تم ضبطها قبل شهر في المغرب، عضو في حزب العدالة والتنمية. ولم يكن مستغربا والأمر كذلك ان تنشر <<الأحداث المغربية>> تعليقا على الخبر المسرّب قالت فيه ان الارهابيين والحزب اصبحوا شيئا واحدا. بل ذهبت إحدى الصحف الفرانكوفونية <<تيل كيل>> الى حد الادعاء بأن النواب الاسلاميين في البرلمان على علاقة تنسيقية مع أجهزة الأمن المغربية.

كانت لحزب التنمية والعدالة خليفته الدالة على نهجه السلمي وحرصه على العمل من خلال مؤسسات المجتمع وقنواته الشرعية، منذ شارك في انتخابات عامي 93 و97. ومع ذلك فإن قيادته تعاملت مع الحملة المضادة بأسلوب رصين وحذر ماذا فعلوا؟

منذ بداية المعركة الانتخابية عملوا على طمأنة من ساورهم الشك أو القلق. فأعلنوا على الملأ انهم لا يطمحون في تجاوز نسبة 18 او 20% من اصوات الناخبين، اي انهم لا يتطلّعون الى الحصول على أغلبية كبيرة في المجلس النيابي، تقلب الموازين وتقودهم الى رئاسة الحكومة. وبهذا الموقف الذي اوضحوا فيه سقف تطلعاتهم أرادوا ان يبلغوا الكافة بأنهم لا يريدون أكثر من ان يكونوا شركاء في المسؤولية السياسية، وليس في حسبانهم ان يكونوا أصحاب القرار السياسي.

الأمر الثاني انهم لم يرشحوا عناصر حزب العدالة والتنمية في كل الدوائر الانتخابية، وإنما قدموا 55 مرشحا فقط، غطوا بالكاد ثلثي الدوائر وتركوا الثلث الباقي لكي تنفرد به الاحزاب الاخرى من دون منافسة من جانبهم. وكان هذا السلوك العملي محاولة للتأكيد على صدق تواضع طموحات الحزب، وحرصه على الاحتفاظ بحدود الشراكة مع الآخرين.

في الوقت ذاته فإن الحزب قدّم على قوائمه 30 شخصية نسائية (نجح منهن اربع)، الامر الذي أضفى ملمّحاً جديداً الى صورته، خصوصاً ان الانطباع العام عن الحركات الاسلامية انها لا تقدم العنصر النسائي ضمن صفوفها الاولى. وهو ما أشاع جوا عاما من الارتياح هدأ بصورة نسبية من قلق بعض المترددين والمتوجسين.

(2)

حين انقشع غبار المعركة كان أهم ما أسفرت عنه ما يأتي:

تصدّرت قائمة الفائزين اربعة أحزاب، يعتبرها كثيرون ركائز الحياة السياسية في المغرب، والأحزاب الأربعة هي:

الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي يقود الائتلاف الحاكم. (حصل على 49 مقعداً) وهو حزب يساري أقرب الى الاشتراكية الدولية المعتدلة (عضو نشط في مؤسسة الاشتراكية الدولية)، وكان معارضا عنيدا طيلة العقود الأربعة الماضية، ثم غيّر سياسته بحيث انتقل من موقف تغيير النظام الى موقف التعايش معه والعمل من خلال مؤسساته، وفي آخر عهد الملك الحسن الثاني (عام 1998) عيّن زعيم الحزب عبد الرحمن اليوسفي رئيساً للوزراء في تطور مفاجئ، قال البعض انه تمهيد لإعادة ترتيب البيت المغربي الداخلي.

وكانت تلك خطوة أولى مهمة في اتجاه توسيع قاعدة استيعاب النظام المغربي للقوى السياسية المعارضة.

حزب الاستقلال الذي احتل المرتبة الثانية (48 مقعدا)، وهو الذي كان حليفا دائما للاتحاد الاشتراكي، وظل موقفه وسطا بين المرجعية الاسلامية الهادئة الممزوجة بتأثيرات اشتراكية وليبرالية، وكان حزب الاستقلال هو الأوحد في البلاد حتى الخمسينيات، حيث اجتمع تحت رايته كل المناضلين ضد الاحتلال الفرنسي، الى ان انشق عنه جناحه اليساري في وقت لاحق (بقيادة المهدي بن بركة)، وأنشأ أعضاؤه حزب الاتحاد الاشتراكي.

حزب العدالة والتنمية (42 مقعدا) الذي برز في العقد الأخير، وعمل أعضاؤه حيناً في إطار حركة التوحيد والاصلاح ذات الطابع الاجتماعي، الى ان اعترف بهم رسمياً في عام 93، وبدأوا منذاك إبحارهم في المعترك السياسي كمعارضين في البرلمان، واستفادوا كثيراً من مقاطعة جماعة العدل والإحسان للانتخابات، لأنهم حصلوا على أصوات مؤيديها الكثيرين، اضافة الى استعادتها من القواعد العريضة المتعاطفة مع التوجه الاسلامي في ربوع المغرب.

حزب التجمع الوطني للأحرار (40 مقعدا) الذي يُعدّ معبرا محترما عن الليبرالية في البلاد رغم حداثة عهده النسبية (تشكل في عام 1977)، وقد استطاع ان يحتفظ بموقعه المتقدم بسبب الرصيد الذي يحظى به في الاوساط الليبرالية غير المتشنّجة التي تتركز في المدن المغربية الرئيسية.

بدا واضحاً بشدة حجم التراجع النسبي في حظوظ الأحزاب جميعها، باستثناء حزب الاستقلال والعدالة والتنمية، فبرغم ان حزب الاتحاد الاشتراكي حصل على 49 مقعدا، إلا ان نصيبه في المجلس التشريعي السابق كان 57 مقعداً. وحزب التجمع الوطني للأحرار خسر 5 مقاعد (له الآن 41 مقعدا وكان له في السابق 46 مقعدا). أما حزب الحركة الشعبية فقد خسر 12 مقعدا، وحزب الاتحاد الدستوري خسر 34 مقعدا، وحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية كانت اصابته اكبر، فلم يحصل هذه المرة على اكثر من 7 مقاعد، في حين كان له في المجلس التشريعي السابق 32 مقعدا. وبينما حدثت التراجعات على ذلك النحو، فإن حزب الاستقلال حصل على 48 مقعدا، وكان له 32 مقعدا فقط في السابق، أما حزب العدالة والتنمية فقد ارتفع رصيده من 14 الى 42 مقعدا.

(3)

التقدم الملحوظ لحزب التنمية والعدالة كان له صداه القوي في مختلف الأوساط. فقد استقبلته الاطراف العلمانية والفرانكوفونية بدرجات متفاوتة من القلق والانزعاج، وإذ حدث ذلك على صعيد الصحافة المحلية، فإن عدواة انتقلت الى الصحافة العربية الصادرة في لندن، التي وصفت ما حققه الحزب بأنه <<اختراق>>، وتحدثت عن احتمالات الخطر و<<المخاوف>> من تصاعد دور الاسلاميين في الخارطة السياسية المغربية، مشيرة الى ان ذلك النجاح بمثابة <<إنذار>> للطبقة السياسية في البلاد، يفرض عليها ان تستنفر وتتحسّب لاحتمالات المستقبل. وقرأنا تصريحاً لمصدر مغربي مسؤول حاول ان يخفف من المخاوف الناشئة عن فوز الاسلاميين فقال ان الاسلاميين المغاربة <<مسؤولون، ويجب عدم الخوف منهم، او من تأثيرهم على القرارات داخل البرلمان>>. وغمز احد الكتاب في ترشيحهم للنساء قائلا إنهم ممن كانوا يدعون الى بقائهن في البيوت، ثم تساءل عما اذا كانت تلك الخطوة من جانبهم تكتيكا ام استراتيجية؟

(4)

اذا جاز لنا ان نجري تقييما للمشهد المغربي بعد الانتخابات فلا بد أن نقر بأن النظام القائم هو الفائز الاول في حقيقة الأمر، لأنه قدّم في التجربة الانتخابية نموذجاً يستحق الاحترام، من حيث إنه التزم الى حد كبير بضوابط النزاهة والشفافية، وهو امر استثنائي في الأفق السياسي العربي.

في الوقت ذاته، فإننا ينبغي ان نشهد للنظام المغربي بأنه في تعامله مع المخالفين اختار نهج الاحتواء السياسي وليس القمع الأمني. وبدا ذلك واضحا منذ عيّن السيد عبد الرحمن اليوسفي زعيم الاتحاد الاشتراكي رئيساً للوزراء. اعني ان النظام استبعد اسلوب الاقصاء والاستئصال، الذي رأينا كم دفع الجزائر ثمناً له، واختار بدلاً من ذلك اسلوب إشراك اولئك المخالفين في التنمية السياسية.

لقد راهن بعض الكتاب بعد أحداث 11 سبتمبر/ ايلول على ان ما جرى هو بداية النهاية لما يسمّى بالتيار الأصولي. نعم ما حدث في 11 سبتمبر/ ايلول كان له تأثيره الحاسم على فصائل العنف والارهاب، ولا ينكر أحد انه اضرّ بأنشطة المسلمين في الغرب، لكن التجربة أثبتت ان تيار الاعتدال لم يتأثر بما جرى، وأن هناك إدراكا متزايدا لأهمية اعطاء الفرصة لذلك التيار، ليس بالضرورة محبة فيه او إعجابا به، لكن لأن وجوده هو الضمان الحقيقي لكبح جماح التشدد وتقليص دائرته وتوفير الاستقرار المنشود. المشهد المغربي جاء لكي يؤكد هذه الحقيقة، إذ برغم عنف حملة التشهير المضادة، وبرغم الإلحاح المستمر على محاولة الربط بين مجمل العمل الاسلامي وبين الارهاب، وبرغم ان الانتخابات جرت بعد مضي عام على حوادث سبتمبر/ ايلول، فإن حزب العدالة والتنمية استقطب جمهوراً مكّنه من ان يضاعف ممثليه في البرلمان ثلاث مرات. وتلك لعمري شهادة تكذب ادعاءات أفول نجم التيار الاصولي وطي صفحته.

يبقى بعد ذلك السؤال الكبير، كيف سيتصرف نواب حزب العدالة والتنمية داخل المجلس النيابي الجديد، وهل ستكون اولوياتهم مطابقة لأجندة المجتمع المغربي وأولوياته، أم ان تلك الأولويات ستخضع في تحديدها وترتيبها لاجتهادات نواب الحزب الخاصة، وأسيرة لمشروعهم وليس مشروع المجتمع أو همومه وأشواقه.

إن خبرتنا بالعمل الاسلامي خلال العقود الاربعة الأخيرة تشير الى انه يعاني في الأغلب من مشكلتين جوهريتين هما: الخلل في الأولويات، والتعجّل في قطف الثمار، حتى أزعم ان الناشطين الاسلاميين لن يشفع لهم إخلاصهم ولا عمق ايمانهم اذا ما ارتكبوا أياً من الخطأين، وستحقق جهودهم نتائج كارثية اذا اجتمع فيها الخطآن. أما اذا أحسنوا ترتيب اولوياتهم واهتدوا في وضعها بهموم المجتمع الحقيقية، وإذا ما تسلّحوا بالنفس الطويل والتزموا في عملهم بسنة التدرج في بلوغ الأهداف والمرحلية في عملية البناء وتحقيق المقاصد. اذا ما فعلوا ذلك فسيكون الفلاح من نصيبهم.

 

نقلا عن السفير