أعترف للقارئ، أنني لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما كتبت هذا
الكتاب..!!
والكتاب هو: "رسالة من مواطن مصري إلى الرئيس مبارك" والذي
نشر كمقالات في صحيفة الشعب عام 1992 ثم ككتاب عام 1993م.
إلا أن ذلك لا يعنى أي نوع من الندم، أو التراجع عما قلت، بل على
العكس.
فقط أريد أن أقول أن بصيص الأمل الذي كان يحدوني أيامها
لمخاطبة السيد الرئيس قد خبا، ولم يعد له وجود.
أما الكوارث والخطايا
فكلها ما تزال.. بل ربما ربت ونمت، وربما لم ترب ولم تنم، ولكننا فقط اكتشفنا ما
كان موجودا منذ البداية لكنه كان
خفيا علينا.. ولهذا فإن هذه الرسائل التي كتبت منذ عشرة أعوام يمكن أن تكتب
اليوم كما كتبت أول مرة.. بلا تغيير.. على الإطلاق..
ربما فقط يكون واجبا إسقاط سهم ائتلاف القلب..
لأن سهم المؤلفة قلوبهم كان يقصد به من يراد جذبهم نحو مزيد من
الإيمان أو دفعهم بعيدا عن الردة..
أما المؤمنون حقا فلم يكن لهم نصيب في سهم المؤلفة قلوبهم..
ولا الكفار أيضا كان لهم ذلك السهم.
***
إلا أنني في نفس الوقت أستدرك أن الدافع خلف كتابة الكتاب لم يكن كله
أملا في استجابة الرئيس لما أكتبه له، ، نعم.. لم يكن كله ولا حتى بعضه، بل ربما
كان الجزء الغالب فيه- وعلى سبيل الاحتياط لا أقول الوحيد- هو إبراء لذمتي أمام الله يوم القيامة، و إلزام الرئيس بالحجة يوم
الحساب، حتى لا يدعى أحد أنه لم يكن يعرف.
***
والحقيقة أنني بدأت كتابة المقالات دون أن أعرف إن كنت سأتمكن من نشرها
بأية وسيلة، كان قد صودر لي كتاب : " مباحث أمن الوطن"، وعطل آخر لمدة
عامين: " الحاكم لصا"، وتجاهل المجوس المسيطرون على أجهزة الإعلام ذلك،
فقد كان الكتابان يهاجمان نظام الحكم، وهم لا يعتبرون المصادرة اعتداء على الحرية إلا إذا كانت حرية الشيطان، حرية
التطاول على الذات الإلهية والمقدسات.
ثم كان أن التقيت
بالأستاذ عادل حسين، و أملت أن ينشر حلقة أو حلقتين من هذه الرسائل في صحيفة
الشعب، على أن ينشر الباقي في كتاب.
لكنني فوجئت بنيتهم نشر الرسائل كاملة.
***
مع الحلقة الأولى كان رد الفعل هائلا، كان أكبر بكثير مما توقعت من أمة
ظننت أن تزييف وعيها قد اكتمل، وكان ممن قابلتهم أيامها بالمصادفة الدكتور سعد
الدين إبراهيم، الذي وصف الأثر الذي أحدثته المقالات بأنه زلزال في الصحافة
المصرية لم يحدث من عشرينيات القرن العشرين، وكان هو الشخص الذي أسندت إليه – دون
أن أذكر اسمه – وصف حاشية الرئيس ووزرائه في الحلقة الثانية من هذه المقالات.
***
مع نشر المقالات فاق توزيع الصحيفة كل تصور، وبلغ الأمر أن إدارة
الصحيفة لم تستطع الاحتفاظ بنسخ من
الصحيفة للأرشيف فلجئوا إلى التصوير.
الأستاذ الدكتور حلمي مراد – عليه رحمة الله ورضوانه- أخبرني أن
الدكتور عاطف صدقي رئيس الوزراء آنذاك اتصل به في لهفة راجيا أن يوفر له نسخة من
"الشعب" حيث كان مسافرا للخارج، ففاتته الحلقة الرابعة من الرسائل، ولم
يتمكن من الحصول عليها حين عاد.
***
في الجانب الآخر نشط جهاز مباحث أمن الدولة، وأخذ يوجه إلىّ رسائل
نارية، بطريقة مباشرة وغير مباشرة ، ما بين الترغيب والتهديد، والتلويح بما يمكن
أن يفعلوه، ومنذ المقالة الأولى بذلوا ضغوطا شديدة لإرغامي على التوقف. ومع كل
مقال كان الإلحاح يزداد، وكذلك التهديد، وكوني أكتب ذلك بعد عشرة أعوام من حدوثه،
يستبعد العنصر الذاتي من الحدث، وما أردت بالحديث الآن إلا أن أكشف كيف يواجه هذا
الجهاز الرأي الآخر.
وقد شملت التهديدات كل الممكنات، ابتداء من تلفيق القضايا، إلى حادث
سيارة غامض، إلى التهديد بالأبناء!..
***
بعد المقالة الثالثة جاءني مسئول من جهاز أمنى آخر، يعرض علىّ التوقف
عن كتابة المقالات مقابل تدبير لقاء لي مع الرئيس على الفور، و أجبته أنه يسعدني
لقاء الرئيس، لكن هذا اللقاء سيكون موضوع حلقة سادسة من هذه الرسائل الذي يبلغ
عددها خمسة!!. سأعتبر نفسي سفير الشعب المصري إليه.. قال لي الرجل أنني أحظى
باحترام واسع و أنهم يدركون إخلاصي وصدق نواياي، ويدركون أيضا أن السبب في
انتقاداتي العنيفة يكمن في أنني لا أعرف الكثير من الخبايا والظروف المعقدة
المتشابكة، و أنني إذا استجبت له وأوقفت سلسلة المقالات فسوف يتكفل الرئيس بنفسه
بشرح ما غمض علىّ، وهنا قلت له: لا أملك إلا التحذير.. فكل ما يقوله الرئيس لي
سيجد طريقه إلى النشر على الفور. وقلت لنفسي: المديح بداية الغواية والأسرار بداية
الانحراف.
***
في نفس الأسبوع فوجئت بإنذارين حكوميين، الإنذار الأول يخبرني بضرورة
أن أقوم بهدم منزلي، فإن لم أفعل في خلال أسبوعين فإن الأجهزة الحكومية سوف تقوم
بالهدم بنفسها، وسوف تحملني تكاليف الهدم. أما الإنذار الثاني فكان بضرورة إغلاق
عيادتي لمخالفة شروط الترخيص.
الإنذار الأول كان سببه أنني وسعت بعض غرف المنزل، والإنذار الثاني كان
بسبب تجديد دواة المياه!!..
***
في الجامعات والمساجد عقدت حلقات لقراءة الرسائل، بل واستعملت بعض
عبارات الرسائل في المظاهرات، وبدأت أدرك أن الأمر أخطر مما قدرت، وأن احتمالات
الاستشهاد قوية، و بدأ الهجوم علىّ
في الصحف الحكومية، واتصل بي بعض الصحافيين في مؤسسة الجمهورية كي يخبروني أن سمير
رجب كلف طاقما كاملا من الصحافيين باختلاق الأكاذيب عنى، وجاء بعض هذا الطاقم
ليلتقط صورا لمنزلي، وفى نفس الوقت، كانت قوات من الأمن تراقب المنزل، والتقطت
قوات الأمن صورا للمصور الصحفي وهو يلتقط الصور لمنزلي، و ألقت القبض عليهم، ولم
يفرج عنهم إلا بعد تدخل رئيس التحرير، والصورة التي التقطها جهاز الأمن للمصور
الصحافي وهو يصور كانت طرفة لدى أعلى مستويات السلطة، وكانت من ناحية أخرى دليلا
على يقظة الأمن، وكان هذا هو السر في القبض على الصحافيين، فقد أريد للواقعة أن
تتردد أصداؤها في أعلى مستويات السلطة، وهو ما حدث.
***
ذهبت إلى الجهة المختصة التي أنذرتني بهدم منزلي، من خبرات سابقة كنت
قد اكتشفت قانون التناسب الطردى بين الدرجة الوظيفية من ناحية وبين الفساد والخسة
من ناحية أخرى، قلت لنفسي أنني لو ذهبت إلى رئيس الجهاز فربما يجدها فرصة لمنافقة
الحكام فيختصر مهلة الخمسة عشر يوما، سألت الله العون، على أحد المكاتب وجدت موظفا
عجوزا فسألته، وبدا الرجل لا يصدق ما أقوله له، بل إنه سخر منى ضاحكا: التنظيم
الداخلي في المنزل شأنك أنت ما دمت لم تعتد على خط التنظيم الخارجي( الشارع)
.. فأعطيته الإنذار الذي وصلني،
فحملق فيه بذهول وهو يتمتم: هذه أول مرة في حياتي أرى إنذارا بهذا المعنى، لو كان
ذلك صحيحا لهدمنا منازل مصر كلها، وفجأة سألني : من أنت؟ الأمر غريب ولا يتعلق
بالإسكان.. وراجع الإنذار كي يعرف اسمي
ثم حملق فىّ قائلا: هل أنت الذي تكتب الرسائل إلى الرئيس مبارك؟ وأجبته بالإيجاب،
فإذا به ينتفض ليعانقني والدموع تملأ عينيه، ويندفع ليسب السلطة سبابا عنيفا،
ويقول في تأثر بالغ: إن الله يدافع عن الذين آمنوا، اذهب يا دكتور، إن الله يدافع
عن الذين آمنوا. سألت الرجل ماذا يعنى فأجاب ولما يزايله الانفعال.. اذهب.. لا
تشغل نفسك بهذا الأمر.. واصل رسائلك.. والله في عونك.. وربما بدا علىّ التردد أو
الشك.. فاندفع الرجل يقول: أنت تقول لنفسك كيف يستطيع هذا الموظف البسيط أن ينقذني
مما لا يستطيع وزير الإسكان نفسه إنقاذي منه.. الأمر بسيط.. منذ أيام جاءتنا أوامر
مشددة بالبحث عن ملف منزلك.. بعد مجهود مضن عثرنا عليه.. تناولته الأيدي وطلبه كبار
المسئولين للاطلاع عليه.. لم نكن نعرف السبب.. ولقد أعادوه بالأمس كي تقوم الشئون
القانونية بإعداد مذكرة الهدم.. في تجوال الملف بين المكاتب المختلفة لم يعد عهدة
أحد.. وجدته اليوم بالصدفة على أحد المكاتب.. لم أكن أعرف أن الأمر يتعلق بمن يكتب
تلك الرسائل إلى الرئيس.. دفعني
الفضول لأخذ الملف للاطلاع عليه.. لأعرف سبب الاهتمام به وسبب هدم منزل هذا الرجل
الذي هو أنت.. هذا هو الملف..
وسألت الرجل في حيرة: وماذا ستفعل لوقف قرار الهدم.. ؟ وببساطة أخرج الرجل صحيفة الأهرام،
فتحها، كان يخفى صحيفة الشعب داخلها، كان بها إحدى رسائلي للرئيس مبارك، وببساطة
وضع الملف بين طيات الصحيفتين، ونظر إلىّ هامسا: عند انصرافي سآخذ الملف كله معي،
سألقيه في الترعة المجاورة، بدون ملف لا يستطيعون فعل أي شئ، لا الهدم ولا رفع
قضية ولا حتى تحرير مخالفة، وكل هؤلاء الذين يتنافسون اليوم على سرعة الهدم
سيتنافسون غدا على التكتم على الأمر كله بسبب فضيحة اختفاء الملف.
كان انفعال الرجل قد انتقل إلىّ.. ولم يكن سوى الصمت يمكن أن يعبر عن
مشاعري، صافحت الرجل، وانصرفت فعلا، لكنني سرعان ما عدت.. قلت للرجل: أنا لم أعرف
حتى اسمك.. أريد أن أعرفك .. على الأقل لأذكرك أمام الله في دعائي.. و إذا بالرجل
يقول: أرجوك يا دكتور.. دع عملي خالصا لوجه الله.. لن أخبرك باسمي.. أنا في أرذل
العمر.. سأحال للمعاش بعد عام.. فدعني أتقرب إلى الله بهذا العمل..
حتى الآن – بعد عشرة أعوام وبضعة شهور - لم يفتح الموضوع مرة أخرى..!!.. ولم ألق الرجل قط..
***
قيل أن سمير رجب بعد أن أعد صفحتين كاملتين للهجوم علىّ جاءته تعليمات
من جهات عليا بعدم زيادة الاهتمام بالرسائل لأن ذلك سيزيد من شعبيتي وانتشارى،
فاستعاض عن الرد في الجمهورية بأن كلف أحد غلمانه بنشره في صحيفة حزبية: صحيفة مصر
الفتاة، وكان سمير رجب قد تآمر على الحزب والصحيفة، وتم لأعوانه الاستيلاء عليها،
وعين أحد غلمانه رئيسا لتحريرها، وكان تعيين رئيس التحرير هذا فضيحة، فتم استبداله
بعد صدور عددين فقط، كان متهما في
عدة قضايا جنائية، ليس أخطرها قضية تسهيل دعارة!! وصدر ضده - في قضية تسهيل الدعارة- حكم نهائي
بالسجن ثلاثة أعوام، فلاذ بماهر الجندي حين كان محافظا لمحافظة الغربية، فمنع
تنفيذ الحكم عليه، بل واصطحبه معه عند نقله إلى الجيزة، وكان هذا الغلام أحد
الأعوان الرئيسيين للصديقين الحميمين:
سمير رجب وماهر الجندي.
في الصفحة الأولى من الصحيفة نشر الموضوع الضخم تتصدره صورة لمنزلي،
أما الموضوع نفسه فقد بلغت البذاءة والافتراء فيه درجة لا تصدق، الكذب في الصحافة
فن!.. نعرف ذلك منذ زمان طويل.. ولأنه فن فلابد أن يعتمد ولو على جزء ولو صغير من
الحقيقة.. لكن الموضوع الذي نشر كان
كله أكاذيب مذهلة لا تشوبها شائبة صدق.
وربما لا يتسع كل هذا الجد الذي نحن فيه لأي هزل، ولكنني أريد أن أكشف
أمام القراء المدى الذي بلغه الإسفاف والكذب، وهم يصفون منزلي ضاعفوا مساحته خمسين
ضعفا، أما عنى، فقد وصفوني أن لحيتي تمتد أشبارا عديدة ( لم أتشرف بعد باتباع
السنة و إطلاق لحيتي و إن كنت أنوي ذلك قريبا إن شاء الله) .. و أنني أطلقتها كجزء
من عملية نصب واحتيال، و أنني زورت شهاداتي العلمية، و أنني بدأت في تكوين ثروتي
باختراع مزيج مقو للشيوخ(!!)- تخصصي: استشاري في الأشعة التشخيصية، وهو تخصص ليس
له أي علاقة بالعقاقير- و أنني روجت لهذا المزيج السحري في الدول العربية بين
الأمراء وشيوخ البترول، لكنني لم أكتف بهذا، فقد واصلت استغلال نجاح المزيج الذي
اخترعته، فافتتحت مكتبا اقتصر نشاطه على تزويج القاصرات المصريات لشيوخ العرب،
ورغم ما حصلت عليه من ثروة، إلا أن ذلك كله لم يرو جشعي، فانتهزت قيام الثورة
الإسلامية في إيران، وعرضت نفسي على الإمام الخميني، الذي بادر باستدعائي، فذهبت
إليه، فكلفني بإشعال الثورة الإسلامية في مصر، وأعطاني مقابل ذلك ملايين لا يمكن
حصرها!!.
***
سوف يتكرر الأمر بعد ذلك في قضية الوليمة، ليثبت أن بعض كتاب السلطة
أكثر شرا وبذاءة من أعتى جلادي الشرطة والسلطة.
***
إنني أكتب هذه التفاصيل لأكشف الوسائل المجرمة التي تلجأ إليها الأجهزة
لتحطيم من يقول الحق، أكتبها لأوضح
أن الكفر ملة واحدة، و أن ما تمارسه أمريكا و إسرائيل ضد شعوبنا قد سبقت حكوماتنا
إليه، بطريقة همجية ووحشية، بل إن إسرائيل و أمريكا كان لديهما قدر من الحصافة
بحيث يحاولان دائما إخفاء وسائلها
الحية البشعة، وظل الأمر هكذا حتى غزوتي
نيويورك، جزا لله الشيخ أسامة بن لادن كل خير، فقد هتك أستار الحضارة عن
وجوهه لتبدو وحشيتهم بدون قناع.
و أكتبها لأحمد الله أن ثبت قلبى على الحق، لكنني في نفس الوقت آسى لعشرات ومئات و ألوف، حولتهم
أجهزة الأمن من مشاريع مواطنين شرفاء، إلى عملاء، أو إلى حطام بشرى.
و أكتب هذه التفاصيل، لأن قلبى يتمزق كل صباح، مع رسائل البريد
الإليكتروني، التي تصلني من طلبة الجامعة، الطلبة الذين تخطفهم عصابات الأمن،
فتبدأ بتعذيبهم عذابا همجيا وحشيا مجنونا، يستمر أياما طويل، ثم تبدأ المساومة على
إنهاء العذاب، مقابل أن يتعهد الطالب بالتجسس على زملائه.
و أكتب هذه التفاصيل، وهى قطرة في بحر مما حدث لي وما يزال يحدث، وآخره
أن مكافحة التهرب من الضرائب تتعقبني، لا بالمواجهة، لأنهم يعرفون أكثر من أي أحد
آخر سلامة موقفي، بل ويعرفون ما هو أكثر، من تدخل السلطة المباشر لمحاربتي
بالضرائب، وتلك قصة أخرى أود كتابتها ذات يوم.
أكتب هذا لأقول أن أجهزة بعيدة عن أمن الحاكم، قد شوهت امتهنت
لتقوم بدور الخادم الغبي للأمن
السياسي، ولم يكن ذلك بأي هدف، إلا التنكيل، ولقد ترتب عليه في إيجاز مذهل الوضع
الاقتصادي المتردي، والذي يتلخص في أنه في خلال ربع القرن الأخير، بدأ النظام
السياسي الحالي في مصر، وبدأ معه نظام سياسي في سنغافورة، كان متوسط الدخل للفرد
متقاربا، مع زيادة طفيفة للمصري، بعد خمسة وعشرين عاما، ارتفعت صادرات سنغافورة (
ثلاثة ملايين مواطن) إلى تسعين مليار دولار، أما في مصر فقد ثبتت الصادرات عند رقم
ثلاث مليارات ونصف المليار لسبعين مليون مواطن.. لم تزد مليارا واحدا طيلة حكم
الطوارئ الأبدي.. لأنهم في سنغافورة ليس لديهم أمن سياسي، و لا إدارة مكافحة تهرب
تطارد من ينتقد النظام وتفلت تحت بصرها من أوسع الأبواب مئات المليارات المهربة،
كما لا يحول جهاز الأمن بها الطلبة إلى جواسيس.. ثم أن الأمور هناك تتم طبقا للعقل
والعلم والخبرة.. وليس طبقا لتوجيهات سيادته..
***
بعد أعوام من نشر المقالات لقيني أحد كبار رجال الأمن قائلا:
- لن نغفر لك أبدا ما فعلته في هذه المقالات، لقد كنت ككاسحة الألغام
التي تمهد الطريق للجحافل بعدها، ولقد اقتحمت أبوابا لم يجرؤ أحد على اقتحامها منذ عام 52.
***
لم يكن سرطان الدولة قد انتشر في النقابات المهنية بعد، وعندما علم
الزملاء بنقابة الأطباء بسحب ترخيص عيادتي ( وكان سبب سحب الترخيص كما أسلفت
مهزلة: تجديد دورات المياه، بينما الترخيص يتعلق بغرف الفحص الإشعاعي فقط) ، و
يستغرق استخرج ترخيص جديد أكثر من عامين، لذلك فقد بادر الزملاء إلى بند مهجور من بنود القانون، تم بمقتضاه
إصدار ترخيص مؤقت، تم النص فيه على أنه يحل تماما محل الترخيص النهائي.
و أسقط في يد الأجهزة التي جاءت بعد أسبوعين لإغلاق عيادتي.
***
وصلتني آلاف الخطابات والاتصالات، وكانت الضغوط الأمنية في ازدياد
مستمر، وكنت تحوطا لاعتقالي قد أرسلت الحلقات كلها إلى الأستاذ عادل حسين، وقبل
نشر الحلقة الأخيرة بيوم جاءني اتصال تليفوني ممن عرفني بنفسه كضابط كبير في مباحث أمن الدولة في لاظوغلى,
طلب منى الذهاب إليهم على الفور، وسألت عن السبب، أجاب في لهجة قاطعة: لاستجوابك
في أمر رسائلك إلى سيادة الرئيس،
فرفضت ما لم يكن ذلك باستدعاء رسمي, وجاءني صوته عبر الهاتف:
- مجيئك لنا خير من
مجيئنا لك و "بهدلة" أسرتك وبيتك!.
وطال الحوار بيننا، قلت للرجل أنهم جهة للتحرى فقط، ومن حقهم بعد
موافقتي أن يسألوني عما بدا لهم، لكن القانون يشترط موافقتي، و أنا لا أوافق. وراح
الرجل يهدد ويتوعد، فقلت له أنه يمكنه التزام الطريق القانوني فيستصدر أمرا من
نيابة أمن الدولة بالقبض علىّ.. وساعتها سأكون بين أيديهم بالقانون، وقال الرجل
أنهم تعودوا أن يأمروا فيطاعوا، و أنني أعرض نفسي لخطر جسيم برفض المثول، وقلت له
أنني لن أذهب إليهم، لأن مجرد ذهابي إقرار بحقهم فيما يفعلون، و أنا لا أقر به،
وأن المجال مفتوح أمامهم ليختطفوني كرجال العصابات، وقال الرجل أنهم لن يختطفوني
بل سيأخذونني عنوة واقتدارا من منزلي بعد أن يحطموا أثاثه وبعد أن يوجهوا ما شاءوا
من الإهانات لي ولأسرتي. وقلت له أنهم يستطيعون فعل ذلك و أكثر منه، كعصابة وليس
كجهاز أمن، وراح الرجل يطلب منى مرة
أخرى أن أذهب بنفسي إليهم كي أوفر على نفسي كل هذه المشقة. وكررت رفضي.. فتوعدني
قائلا:
- إذن.. ذنبك على جنبك.. انتظرنا الليلة..
أدركت أنها النهاية، كنت قد وطنت نفسي منذ زمان طويل أنه حين يحين ذلك
فلن أسمح لهم بالنيل من كرامتي، و أن ذلك سوف يسفر في الأغلب عن
قتلى، وأيقنت أنني سألقى
الله خلال ساعات قليلة.. فاحتسبت عند الله نفسي و أهلي.. وقلت لنفسي أنه وقد بلغ
الأمر هذا المدى فإن هناك ما أود إضافته إلى رسائلي ما أبرئ به ذمتي أمام الله..
كنت كطالب فوجئ بأن امتحان أعمال السنة هو الامتحان النهائي ولم يكن
أمامه إلا أن يراجع إجاباته طمعا في درجات أعلى..!!..
اتصلت بإدارة الشعب، وطلبت
منهم انتظار نسخة مزيدة ومنقحة من الحلقة الخامسة والأخيرة.
وقضيت الليل ليس في انتظار التتار الجدد بل في الإضافة إلى
المقالة الخامسة والأخيرة من سلسلة المقالات. ولقد فعلت ذلك بوجدان من يقوم بآخر عمل في حياته فيود
بكل ما يملك أن يتقنه حتى يكون حجة له أمام الله ووجاء من النار.
عكفت في غرفة مكتبي، أترقب الطرقات الشيطانية، كنت أنقح المقال على
جهاز الكمبيوتر مباشرة، وقد أعددت عدتي عندما أسمع الطرقات أن أبدأ إرسال المقال
بالفاكس عن طريق الكمبيوتر على الفور، ثم أطفئ شاشة الجهاز و أدعه يعمل، سوف
يستغرق الإرسال دقائق قليلة، و لأن
الشاشة ستكون مطفأة فلن يلاحظوا عندما يدخلون لتفتيش المكان أنني أرسل المقال في
وجودهم.
ظللت أنتظرهم حتى الفجر، لم يأتوا، قمت للصلاة.. و أرسلت المقال..
أغمضت عيني في إجهاد ورضا..
كنت أدعو الله أن يتقبل منى..
وبعد فترة فتحت عيني على لوحة المفاتيح الخاصة بجهاز الكمبيوتر غارقة
في الدم!!.. كان نزيفا من الأنف.. ربما بسبب ارتفاع في ضغط الدم بسبب الانفعال..
وربما تضافر الوعي مع اللاوعي.. والرمز مع الواقع لينطق أن هذه الرسائل قد كتبت
فعلا بالدم..
***
لا يبقى إلا أن أترككم مع الرسائل..
لكنني قبل ذلك أريد أن أوجه رسائل عاجلة:
الرسالة الأولى إلى الشهيدين الكويتيين العظيمين أنس الكندري وجاسم
الهاجري اللذين أنقذا شرف الكويت
بعمليتهما الاستشهادية ضد الأمريكيين.. كان وضع الكويت أمام الأمة والتاريخ قد
تحول إلى رمز لخيانة قضية الأمة والتحالف مع أعدائها..
البطلان الكويتيان أظهرا أن الداء الوبيل ليس في الشعب الكويتي نفسه،
بل إن الداء – كبقية العالم العربي- في الحكام وليس في الشعب..
أيها الشهيدان العظيمان.. جزاكما الله عن الأمة خيرا.
الرسالة الثانية إلى الدكتور أيمن الظواهرى.. حمدا لله على سلامتك يا بطل
مصر الغالي ومجاهدها العظيم، الله والأمة يعرفون أن من ينعتونك بالإجرام هم المجرمون.
الرسالة الثالثة: إلى العميد محمد دحلان – وليس مهما وظيفته التي
يشغلها الآن في السلطة الفلسطينية، لأننا نختزل هذه الوظيفة في كلمة واحدة:
الخائن- أقول للعميد محمد دحلان الذي وجه في الأسبوع الماضي نفس الاتهامات التي
يوجهها سيده ومولاه شارون إلى أعظم ظاهرة في العالم العربي: حماس.. أقول
للعميد أن أي صهيوني وكل صهيوني
أشرف منه.. لأنه – بالفجر والجبروت والسرقة والقتل يبنى وطنا مسروقا، بينما دحلان
ينفس الأدوات يبيع وطنا سليبا.
الرسالة الأخيرة لأجهزة الأمن في العالم العربي: كلما رأيت مظاهرة
لنصرة العراق أو فلسطين في أي بلد من بلدان العالم هتفت في لوعة : أخزاكم الله في
الدنيا والآخرة..
نعم أخزاكم الله..
قتلتم أمتكم..
كنتم أشد عليها من الموساد والسى آى إي..
بل لم تكونوا من البداية سوى فروع لها.
فأخزاكم الله..
***
والآن إلى المقالات الخمس:
(سلسلة أفاق وتحديات عربية) – إصدار الشركة العربية للطباعة والنشر –
أكتوبر1993
طرحت – والأصدقاء – أسماء معظم كبار المفكرين المتهمين بهموم الوطن
لتدبيج مقدمة هذا الكتاب، بيد أن فكرة غلابة ما برحت تلح
على، ألا وهى أن الأولى بالسعي إليهم لتشريفي بتقديم هذا الكتاب هم قراؤه، فكبار
المفكرين آرائهم معلنة بصورة أو بأخرى .
ولقد يسر على الأمر أن مادة هذا الكتاب قد نشرت في صحيفة " الشعب
" التي يجمع معظم المفكرين أنه لولاها ما كانت في مصر صحافة معارضة . وقد
ترتب على ذلك توافر نماذج شتى من الآراء والردود والتعليقات، إلا أنني وجدت لزاما
على ألا أكتفي – كالسلطة – بإيراد كل رأى مؤيد وحجب كل رأى معارض . ولقد علمنا
القرآن أنه لا يهمل – في الجدل -
حتى حجج الشيطان .
لذلك طرحت كل الآراء المعارضة التي لم تمثل سوى نزر يسير من مجمل
الآراء الأخرى، ومن هذا المنطلق كان طبيعيا أن ينشر حتى تعليق فرج فودة، جنبا إلى
جنب مع بطاقة من صفوت عبد الغنى .
يشتمل الكتاب على جزأين : الجزء الأول سلسلة المقالات الخمس : "
من مواطن مصري إلى الرئيس مبارك " ويحتوى الجزء الثاني على مجموعة مقالات
أخرى تشكل امتدادا وثيق الصلة بالجزء الأول. ولقد كان طبيعيا على سبيل المثال أن
تكتمل الرسالة الثالثة للرئيس مبارك وموضوعها التعذيب برسالة أخرى للأستاذ خالد
محمد خالد عن نفس الموضوع، كما ترتب على ذلك – استكمالا للموضوع – أن نورد رد
اللواء حسن أبو باشا فتلك كلها حلقات شديدة الاتصال بموضوع هذا الكتاب.
كان طبيعيا أيضا أن نورد مقال الكاتب الكبير فهمي هويدى :" تقرير
عربي عن الفتنة الأمريكية" بعد أن أشير إليه في أكثر من مقال .
بقى شكر احسبني عاجزا عن الوفاء به لرجل : نسيج وحده، أمه في رجل، رجل
مثلت نشاطاته الفكرية توهجا يضئ الحقيقة، إلا كتاباته شكلت في نفس الوقت عائقا
أمام الكثيرين – وأنا منهم – حين كنا نفاجأ به كأنه يغترف من أعمق أعماقنا، من
أرواحنا ونفوسنا وقلوبنا وعقولنا جميعا ليصوغها في مقال ممهور بتوقيعه، نفس المقال
الذي انتوينا كتابته !!..
بسم الله الرحمن الرحيم
د/ محمد عباس
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
إلى من أسعدني وأبكاني في آن واحد على مدى ثلاثة أسابيع حتى الآن إلى
والله لقد فاضت عيناي بالدمع وأنا أقرأ مقالاتك.
تدمع حزنا لوجود أناس لا يخشون الله .. وتدمع فرحا لوجود أمثالك، حفظك
الله من بطش الجلادين وسدد خطاك .
منصور إبراهيم عبد اللطيف
ديرب نجم – شرقية
السيد رئيس الجمهورية : محمد حسنى مبارك
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
عيد ميلاد سعيد، أدعو لك الله فيه بمجامع القلب وأعماق الروح أم يجعل
في استخلافك على بضعة من أمة محمد "صلى الله عليه وسلم" خيرا لها وخيرا
لك .
عيد ميلاد سعيد يا سيدي .
عيد ميلاد سعيد أقولها لك حقا وصدقا رغم أنني أعرف أنك لا تصدقني، لا
تثق في، لا تسمع إلى، ولا تقرأ أبدا صحيفة من تلك الصحف التي أكتب فيها، وتلك أحد
أوجه مأساة العلاقة بيني وبينك، ذلك أ حاشية السوء دأبت على أن تصور لك أن كل كلمة
منى هي هجوم عليك، وأن كل رأى لي هو انقاد لك، وكل إرادة لي انتقاض من إرادتك، وكل
حرية أنالها انتقاض لهيبتك، بل بلغ بهم الأمر – قاتلهم الله – أن صوروا لك أن تلمس
نبضي والاستماع لرأيي وتنفيذه هو ضعف للإرادة لا يليق، وأن الحزم والحسم في
احتقاري وعنادي، رغم أنهم يعرفون أن العناد يورث الكفر، ويعرفون أيضا أنه لا يدخل
الجنة من في قلبه ذره كبر يغمط بها الحق ويحتقر الناس .
لكنني بالرغم من ذلك كله يا سيادة الرئيس أحبك، والله أحبك لكن حبي لك
ليس حب منافق يهوى بك إلى النار، ولا حب أحمق يوردك موارد التهلكة، إنما هو حب أخ
لك في الله يرى أن أعظم ما يهديه إليك عيوبك، وقد تتعجب يا سيدي من إقراري بحبك،
وقد تتندر حاشية السوء حولك، لكن كيف لا أحبك وقد حذرني سيدك وسيدي أنني لا أومن
حتى أحب لك ما أحب لنفسي، وكيف لا أحبك وأنت رئيسي، رمزي، وجهي الذي يراه العالم،
أهلي، ودمى مهما اختلفنا فإن ما يصيبك يصيبني، وما يؤلمك – في حدود مصالح الوطن وكرامته – يذبحني، كما ذبحت حادثة
4 فبراير وعملية القرصنة الجوية الأمريكية مشاعر المواطنين جميعا بغض النظر عن
موقفهم من الحاكم.
وكيف لا أحبك وليس ثمة شئ في حياتي كلها تفوق أهميته قيمة كلمة أنتظر
أن تقولها، وفعل أود أن تقدم عليه، وتوبة أرجو أن تتوبها، ليس ثمة شئ في حياتي
يعدل ذلك، حتى الوالدان اللذان أوصاني الله بهما، حتى الزوجة والأبناء والإخوة
والخلان، ما اهتمامي بأحد منهم يعدل اهتمامي بك، ولا أفكر في أحد منهم قدر تفكيري
فيك، ذلك أن ازورار أي أحد منهم عن الحق لا
يعدو في تأثيره محيطة الصغير، أما أنت فزلتك تزل بها الأمة، لا قيمة لشيء
إن لم تكن أنت على صواب، حتى الثروة والمجد ما قيمتها إذا كانت الأمة مستباحة ؟
من أجل هذا لا يهمني أمر أحد كما يهمني أمرك، فكيف تشك بعد هذا كله أنني أحبك، بيد أن
حبي لك هو حب في الله، لا من أجل جاه تسبغه علىّ ولا سيادة تسيدنيها، أحبك على
الخير لا على الشر، على الحق لا على الباطل، على الإصلاح لا على الإفساد، على
إعلاء كلمة الله لا النظام العالمي الجديد .
وحين تقدم على ذبحي يا سيادة الرئيس فوالله لا أكرهك إنما أكره ما تفعل وما تقول.
أظن أنني واضح وصريح معك بدرجة قد تقنعك أن هناك ما يجمعنا وأن ما
يجمعنا جدير بأن يدفعنا للبحث عن لغة يكون مدلول الكلمات فيها بيننا واحدا، فهل
نستطيع أن نجعل من الألفاظ وسيلة للفهم لا لسوء الفهم، للاقتراب لا للابتعاد ؟؟.
إن الصمت بيننا موحش، انعدام الهدف المشترك بيننا يخنقني، الشرخ في
جدار الثقة يزلزل كياني، هل أستطيع أن أحدثك، لا باللسان لكن بأعمق ما في القلب من
شجن ورغبة في التوصل والفهم، بحزن الثاكل والأرمل واليتيم واللطيم أموت شوقا حتى
ولو ليثبت أنني مخطئ وأنك كما تقول لا كما أظن . هل يمكن أن تسمعني كما كان عمر بن
الخطاب رضى الله عنه يسمع امرأة من
عامة المسلمات، وهل يمكن أن يكون التعامل بيننا كما كان التعامل بين عمر وأبى بكر
رضى الله عنهما مع من أنكروا عليهما حقهما في الخلافة ؟ مع إمام المتقين على أو مع
الصحابة سعد بن عبادة الذي رفض أن يبايع الصديق والفاروق وظل حياته يغلظ القول
لهما ويرفض أداء المناسك خلفهما . فهل تسمح لي يا سيادة الرئيس أن أحادثك بصدق، أن
أخالفك وأهاجمك، أن أكشف لك عن خبيئة نفسي، أن أجردك في خيالي من هالات السلطة
وجبروت القوة وبهرج الدنيا الزائف، أن أحاسبك، كما لا بد سأحاسبك يوما أمام الله
حين تكون ضعيفا مثلى، مرعوبا مثلى، بلا حول وبلا قوة مثلى، حين تتلمس رضاي ورضا
الأمة، ففينا وضع الله الشفاعة لك.
فهل تسمح لي، لن تكون منة منك أنك الرئيس العربي الوحيد الذي يستطيع
أحد مواطنيه أن يخاطبه، لن تكون منة منك بل فخرا لك، ووجاء من النار يوم القيامة .
وأنا يا سيدي واحد من عامة المسلمين أخاف كما يخافون، وأتجنب موارد
التهلكة، لكن إن كانت التهلكة في حديث صادق لك فبطن الأرض خير، أجل، أخافك لكن
خوفي من الله أشد، كما أخشى يا سيدي والله جلاديك، ,أخشى أبا لهب وأبا جهل، قتلة
سمية وسيد قطب وسليمان خاطر لكنني أعلم أن عذاب الله اشد، فإن خيرت بين عذابه
وعذابك فأهلا بعذابك ..
فهل تسمح لي يا سيادة
الرئيس أن أكتب لك .
سيدي:
شائك أن أكتب إليك وصعب .. أن أحاول بموضوعية حوار رئيس جمهورية ما زال
يحكم .. فقد درجت العادة في بلادنا أن يكون الحاكم نبيا طالما حكم، ثم شيطانا
رجيما عندما يترك الحكم . ولست أخشى على نفسي شبهة نفاق لك .. بل على العكس أخشى
أن أغمطك بعض حقك استجلابا لتقريظ شجاعة مزعومة . أخشى يا سيدي أن تخدعني نفسي
ويغرني الشيطان فيقال لي يوم القيامة : قد كتبت كي يقال إنك شجاع وقد قيل، أذهبوا
به إلى النار، يصيبني الرعب من نفسي على نفسي فأتساءل والرعب موج كالجبال في ليل
أليل : ماذا لو كان مبارك والسادات على حق، وماذا لو لم يكن معاوية ويزيد كظني
بهما ؟ ماذا أفعل وماذا يفعل بي إذا جئتم يوم القيامة آخرين بخناقي هاتفين : ظلمنا
يا رب ؟؟ .
تلك مشكلة يا سيدي لا أملك لها – كما لا تملك أنت أيضا – حلا حتى يكشف
عنا غطاؤنا فيصبح بصرنا يومها حديدا .
لكنني أقحمت نفسي فيما هو أشد من حوارك وأعظم، وزعمت لنفسي الحق في
استرجاع تاريخنا كله ومواجهة أحد صحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم – وأحد كتاب
رسائله – لا وحيه – حين رجعت بأسباب تدهور العالم الإسلامي إلى معاوية بن أبى
سفيان الذي ثلم الإسلام بجرحين لم يرتقا بعده : ألا وهما : شرعية الحكم ووظيفة
المال في الأمة، حتى لقد كدت أوقن أن كل حاكم بعده ليس سوى غاصب، وكل مال ليس إلا مغصوبا، وإن الإسلام
المطروح منذ ذاك ليس هو الإسلام الذي أنزل على محمد – صلى الله عليه وسلم – بل هو
بالضبط ليس إلا الانقلاب عليه، انقلابا ما زال يكوينا بناره ويبهظنا بنيرة .
أفأنكص أمامك أنت عن كلمة الحق وقد أدنت معاوية ؟؟!! فلا خير في إن لم أقلها ولا
خير فيك إلا لم تسمعها..
أنا يا سيدي من ذلك الجيل الآفل الذي يطرق الآن أبواب العقد السادس من
عمره، جيل الحلم الذي هوى بالمجد الذي انطوى، جيل السقوط والنكسات والهزائم
والنكبات، جيل عهر الكلمات والزنا بالمحارم تحت عباءة الشرعية وانعدام التطرف
والتشدد . جيل رآهم بأم أعينه يغيرون وضع اللافتات فيضعون على الجنون لافتة قد
كتبوا عليها العقل، وعلى الخيانة أمانة، وعلى التزوير نزاهة، وعلى العمالة تحضرا
وعلى الكفر – الكفر وضعوا لافتة تحمل حروف كلمة الإيمان .
وهذا يا سيدي ما يدفعني للكتابة إليك، لكن غير مقتصر عليك، فلست يا
سيدي ظاهرة فريدة لا تمثل إلا نفسك فالسمات الموجودة فيك هي هي ذاتها الموجودة في
أقرانك وزملائك وكل من يسبق أسمه جلالة أو فخامة أو معالي أو سمو وكل من نودي
" يا مولاي " ليس في هذا العصر فقط يا سيدي، بل ارتجاعا في التاريخ إلى
معاوية ويزيد والسفاح . ولعلى أعترف بأنني وجدتك في البداية تفوق معظم أقرانك
لكنني ما لبثت أن أدركت أن الفارق بينك وبينهم لا يعدو كثيرا الفوارق الطبيعية
لتاريخ الحضارة وعمرها وطبيعة الشعوب واختلاف الممارسات تبعا لذلك، فهو كالاختلاف
بين الإعدام على الخازوق أو الصليب والإعدام رميا بالرصاص أو على الكرسي الكهربائي
. ولقد احتارت فيك مشاعري كما احتار عقلي، لم أفقد الأمل فيك لكنني لم أعلقه أيضا
عليك، لكن أشد الأمور قسوة علىّ، هو افتقاد لغة الحوار بيني وبينك، فما أقوله لا
تفهمه – شد ما يحزنني ما يتكرر كثيرا في خطبك عندما تقول في عصبية : أنا موش فاهم
– إن ما تقوله أنت أيضا يطرق آذاننا لكنه يخاصم عقولنا وقلوبنا، لا عن عدم فهم بل
عن اختلاف لغة وتباين مسميات، ليس بيننا وبينك فقط، بل بيننا وبين كتابك وسندتك،
احترنا، حتى امحت الفروق بين الكاتب والمهرج، وبين المفكر والبهلوان، بين الحكومة
والعصابة وبين العصابة والحكومة، بين عدو الله وبين عدو الشيطان، بين رجل الدين
الذي يعبد الله والآخر الذي يعبدك من دون الله .
قل لي يا سيدي الرئيس : ماذا تريد الآن، أستخرج لك به فتوى، وأجرى
استفتاء، وأغطيك بفلسفة، وأجد لك ألف كاتب يدافعون عما تريد، قله، وسوف يوافق مجلس
الشعب بالإجماع، وسوف يشيد مجلس الوزراء بحكمتك . قل غيره يا سيادة الرئيس، لا،
ليس غيرة فقط، بل عكسه تماما وأنا كفيل – والله – بعكس الفتوى وعين المستفتين وذات
الفلسفة وجميع الكتاب . فهم يا سيدي من قوم ذلك الشاعر الذي قال لك أو لأحد أسلافك
…… لا يهم فالكل واحد:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
.
ولعلك يا سيدي لا تنسى فضيحة شيوخنا أثناء كارثة الخليج حين لم يحدث
ولو مرة، لم يحدث ولو ذرا للرماد في العيون، أن اختلف شيخ منهم مع حاكم بلده، وذلك
يا سيدي لم يفقدنا الثقة فيكم جميعا فقط، بل أفقدنا الثقة في شرعية الحكم، وفي
النخبة الحاكمة كلها، النخبة الحاكمة بما تضم من مال وعسكر وشيوخ، وأفقدنا الثقة
أيضا بشرعية الجغرافيا، شرعية تلك الحدود التي وضعها أعداؤنا بين شعوبنا، فرحتم
تدافعون عنها بكل شراسة مهدرين أمن الأمة نفسها.
من أجل هذا كله يا سيادة
الرئيس لا بد أن أحادثك، أن أكشف لك خبيئة نفسي فبالصدق – والصدق فقط – يمكن أن
ننسج معا حروف لغة مشتركة، فهم مشترك، نستعين بهما على الابتلاء العظيم بالدنيا، وهو – كما لا ريب تعلم –
ابتلاء نكصت عنه السماوات والجبال والأرض فقبلناه بظلم وجهل، كل منا ابتلاء للآخر
فتحمل إذن صدقي، ودعني أسرد عليك بعضا من علاقتي بك، لعلنا نجد بين الأشلاء وشيجة
انقطعت يمكن أن تتصل!!
عندما جئت أنت لم يكن في قلوبنا مزيد من محبة أو كراهية، كان صمتك
يغرينا بالأمل فيك، وكان مجدك – مجدنا – في أكتوبر 73 مرتسما على ملامح وجه طيب
يغرينا بذكريات دالت عن مجد لا ينبغي أن يدول، ولم نكن ننتظر الكثير منك، لقد
تعرضت مصر وتعرضنا لخطر ساحق ما حق انتهى بمجيئك . كنا منهكين متعبين سعداء . كان
ما نريده أيامئذ أن نرتاح قليلا، فلشد ما كان الطريق وعرا والآلام هائلة، أعطيتنا
في البداية هدوءا كنا نحتاج إليه، ثم فاجأتنا بعض قراراتك الصائبة، فقل نزيف
المرارة الذي ننزفه، وأفرجت عن المعتقلين من عيون الوطن وعقوله وفلذات كبده
وسويداء قلبه وقابلتهم في اعتذار صريح للأمة وللوطن وللتاريخ عن جريمة اعتقالهم،
وبدأت تنمو براعم أمل فيك، أصارحك أننا حاولنا قدر جهدنا أن نئدها، كنا قد وصلنا
إلى حال أمسى فيه ألم الموت أهون من موت الأمل، فحاولنا ألا ينمو داخلنا أمل فيك،
وعندما بدأت محاكمة خالد الإسلامبولى كان قلبنا يوجس خيفة خاصة عندما قررت المحكمة
أن تكون الجلسات سرية، كان واضحا أنكم تخفون عار كامب ديفيد والمبادرة عنا، وأنكم
تتجنبون إلهاب مشاعر الجماهير الصامتة المترقبة، وكانت إسرائيل أيضا تترقب،
وأميركا والعالم كله ينتظر، وحاولت الأمة وحاولت أحزاب المعرضة وحاول المحامون،
لكن ماذا يفعل المنطق في قلوب كالحجارة أو هي أشد قسوة، وترامت أخبار من هنا وهناك
أن إسرائيل تشترط إعدام خالد الإسلامبولى ورفاقه قبل إتمام انسحابها من سيناء .
وصدر الحكم بالإعدام . وساورنا أمل حزين بائس أن الطيار القديم والمحارب البطل
محمد حسنى مبارك سوف يفاجئ الدنيا كما فاجأها في أكتوبر 1973 فيخفف الحكم . لكن
حكم الإعدام نفذ فعلا قبل انسحاب
إسرائيل من سيناء، وكان الرصاص الذي أطلق على خالد الإسلامبولى ورفاقه يصل إلينا
فيشوى جلودنا ويمزق لحمنا ويهشم عظامنا .
وأدرك الناس أن الفجر لم يلح وأن الخلاص بعيد ووجدتني أردد مع أمل دنقل
لا تحلموا بعالم سعيد ………
فخلف كل قيصر يموت .. قيصر جديد …
وخلف كل ثائر أحزان بلا جدوى ودمعة سدي …
أخذنا نلعق جروحنا، نجتر آلامنا، نلملم أشلاءنا الممزقة، لا نحتمل ولا
نتصور أن تكون امتدادا لما مضى وأن نواصل المعاناة كما عانينا، فطفقنا نبحث لك عن
أعذار تقلل من وطأة ما حدث، وبرغم أن تصديقك على إعدام خالد الإسلامبولى مزق
قلوبنا بجرح ما يزال ينزف إلا أننا تجاوزنا الأزمة … كان شرفنا القومي والديني قد
بيعا بثمن بخس لكننا لم نكن قد حصلنا عليه بعد … وبدا أن العدو الفاجر يساوم بحياة
خالد الإسلامبولى مقابل سيناء مثلومة الشرف … ولو كان لي الخيار لما اخترت التضحية
بخالد، ولكنني كنت على استعداد لأن أتفهم لا أن أقبل باختيارك . كانت الهواجس
تستبد بنا كوابيس ليل بهيم، كيف تم اختيارك نائبا للرئيس ولماذا، ونحن نعلم – كما
تعلم سيدي – أن منصبا كذلك تتداخل فيه مئات العوامل الداخلية والخارجية، لكننا كنا
نبعد تلك الأحلام الكابوسية فلم نكن نحتمل مزيدا من الألم ومع بوادر حرب الفساد في
الداخل وسحب السفير المصري من إسرائيل وتجميد التطبيع أحسسنا أنك تسير في الطريق
الصحيح لكن ببطيء شديد، وشبهك محمد حسنين هيكل بالطيار الذي يفحص أجهزة طائرته
وممرات مطاره قبل أن يقلع، لكن الأيام تلو الأيام تمر والطائرة جاثمة والطيار لا
يقلع . ثم جاءت انتخابات سنة 84 بما حدث فيها فكانت كحمض حارق ينسكب على جلد مشوي
. قطعت رأسا للفساد فنبتت رؤوس ثم رؤوس، كان ضمير الأمة يناشدك في صمت مأساوي
مشحون : واصل، كن كأملنا فيك، نحن نعلم أننا في الخارج مقيدون عاجزون محكومون، ولا
نطلب منك إلا ما في وسعك، واجه الفساد، ففي إصلاح الداخل النفاذ من الحصار الخارجي
. وظننا أنك سمعت صوتنا، نداء قلوبنا وهتاف أرواحنا إليك .
وبدا في البداية كأنك حريص ألا تستمع إلى أقوال مرسلة قد تكون مجرد
إشاعات كاذبة وبدا حرصك على عدم اتخاذ إجراء ضد شخص إلا بحكم قضائي حرصا له وجاهته
رغم بطئ إجراءات التقاضي من ناحية، وعدم إمكانية الإحاطة بكل الجرائم التي تتستر
عليها مراكز قوة تحتمي بالسلطة من ناحية أخرى .. ومن ناحية ثالثة فليست كل الأخطاء
الموجبة للإبعاد عن العمل العام تخضع لقانون العقوبات . وبرغم كل هذه الاعتراضات
فقد كنت ألتمس شيئا من العذر لك .. كنا مختلفين وكان لكل منا منطقة .. لكنني لم
أستطع أن أجد عذرا على الإطلاق لك عندما بدأت السلطة التنفيذية تتحدى أحكام القضاء
.. لم يكن الأمر انتظارا لعدالة القضاء إذن، بل استغلالا لبطئ إجراءاته .
لكن الأمر لم يستمر كذلك، فذلك انتهى، فكل أو آخر ولكل مبتدأ نهاية، إذ
ما لبثت أحكام القضاء أن توالت فراحت حكوماتك يا سيادة الرئيس تتحايل عليها، حتى
صرخ الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين – قبل انفجار الدم في رأسه – مناشدا الحكومة أن
تكون خصما شريفا، وفهمنا معنى صرخته المهذبة المعذبة أن الحكومة تصرفت كخصم بلا
شرف . وانفجر الدم في عروقنا نحن الآخرين يا سيادة الرئيس. بل وأنفجر في حيثيات
حكم شهير ناشد السلطة أن تتحرى الدقة والطهارة في اختيار رجالها، وانفجر السؤال
نزيفا في قلبي : هل يرضى الرئيس حسنى مبارك أن يكون عهده موصوما بهذه الوصمة .
بعد ذلك فوجئنا بوضع غريب يحدث يا سيادة الرئيس، غريب مريب، دعني أقله
لك قبل أن يقال عنك، قبل أن يكتبها أبو جهل في الصفحة الأولى كما فعل مع سلف سلفك
ومع زوجة سلفك، هذا الوضع يا سيادة الرئيس هو موقف الدولة من الفساد، إن شعوري
كمواطن هو أن الدولة بقوتها الأسطورية لم تكف عن محاربته فقط، ولم تغمض أعينها عنه
فقط، ولم تتستر عليه فقط، وإنما راحت تربية وتنمية، حتى لقد أصبح الفساد ليس سلوك
أفراد تحاربه الدولة وتتربص به، بل سلوك دولة يحاربه أفراد فتتربص الدولة بهم .
تغلغل الفساد حتى إلى جهات كانت مهمتها محاربة الفساد، ولم يعد نبتا شيطانيا بل
شجرة زقوم هائلة تتشابك جذورها مع جذور السلطة وتتساقط ثمارها عليها، دعك يا سيدي
من تقارير الصحف بالطهارة فأنت تعرفها، ودعك من أحكام القضاء بالبراءة، أنا لا
أهاجم القضاء لكن عندما تتناقض أحكامه مع ضمير الأمة ووجدانها الجماعي فليس لذلك
معنى إلا أن شيئا خطيرا خطيرا خطيرا حدث، شيئا لا يشرخ شرعية نظام الحكم فقط بل
يهدم أساس المجتمع كله، من المفروض أن القضاء ينفذ بحيدة قانونا موضوعا فإذا خالفت
الأحكام ضمير الأمة فالقضاء مخطئ أو القانون باطل، وإذا شاب القانون بطلان فأساس
تماسك الدولة كلها في خطر، وأنا معكم يا سيدي الرئيس أمجد القضاء وأنزهه، ولكن ليس
بطريقتكم، لأن الإصرار اللحوح على إثبات شئ إنما يواجه دائما نفيا خفيا بضده، وأنا
أمجد القضاء وأنزهه لكنني لا أنسى أبدا أن قاضيا في الجنة وقاضيين في النار، ولا
أنسى أيضا من عبرة التاريخ أن أشد السلاطين دفاعا عن نزاهة القضاء كانوا هم لا
غيرهم أكثر السلاطين دأبا على إلقاء تبعة جرائمهم على القضاة، ولكم قتلوا وسجنوا
وعذبوا وسلخوا وأحرقوا وسحلوا وارتكبوا كل كبيرة وكل منكر، لا لأن الشيطان داخلهم
أراد ذلك بل لأن القضاء النزيه العادل حكم به، أما هم، الأبرياء الأتقياء الأطهار
الأبرار فكيف لا ينزلون على أحكام القضاء وكيف لا يرضخون لأمره .
أيامها يا سيادة الرئيس كانت مشاعرنا تصرخ توسلا إليك .. أنت
منا.. أنت نحن لا هم، كنا نخشى عليك
منهم، من أبى جهل وأبى لهب وابن أبىّ الذين لا مكان لهم في ظل حاكم عادل، كانوا
يدافعون عن وجودهم وكنا ندافع عن أنفسنا وعنك، ولشد ما وددنا يا سيدي والله أن
تكون معنا، نحميك وتحمينا، وحلم الناس أن تكون أبا زيد الهلالي، عنترة بن شداد،
صلاح الدين الأيوبي، وكل بطل شعبي هب لينقذ أهله من جلاديهم، وابتدع الوجدان الشعبي العبقري شائعة
انتشرت في أربعة أركان مصر انتشار النار في الهشيم .. وكانت تعبر عن لهفة الشعب
المقهور للبطل الذي يخلصه من ذله، وممن كان واجبهم حماية أمنه فاغتالوه .. قالت
الشائعة إن أحد كبار ضباط الشرطة اصطدم بابن حسنى مبارك في محطة بنزين عندما لم
يحترم دورة ( هكذا يراهم الشعب ) فاعترضه أبن الرئيس في هدوء (هكذا يتمناه الشعب )
ولما كان الضابط لا يعرفه فقد انهال عليه بسباب قذر ( هكذا عرفهم الشعب ) لكن ابن
الرئيس تمالك أعصابه تماما ( هكذا يتمناه الشعب ) إلا إنه أصر على موقفه بعزم من
حديد (هكذا يريده الشعب ) وازداد تطاول الضابط ( هكذا خبرهم الشعب ) وإزاء ذلك طلب
ابن الرئيس التوجه إلى قسم الشرطة للتحقيق .. واعتبر الضابط أن هذه فرصته الكبرى
للتنكيل به في قسم الشرطة حيث يمكن هناك - فيما يفترض أنه قلعة الأمان – أن يعذبه
عذابا لا يدركه أحد ولا ينقذه من بين يديه منقذ .. وتوجها إلى قسم الشرطة وهناك
قابلوا الضابط الكبير بآيات التبجيل والتوقير واستقبلوا ابن الرئيس باستهانة ولم يسمحوا حتى بالجلوس .. وبدأ
التحقيق الذي كان ينتوى به تلفيق قضية للمواطن … وأدلى الضابط الكبير ببياناته شفهيا لكنهم طلبوا بوقاحة من
المواطن بطاقته، وكاد المحقق أن يسقط مغشيا عليه عندما أدرك أن من شارك في
الاستهانة به هو ابن رئيس الجمهورية .. وفى لمح البصر انقلب الوضع تماما فإذا
بالضابط الكبير يتهاوى ويتذلل إلى ابن الرئيس أن يصفح عنه، لكن ابن الرئيس يرفض ..
ويحضر مدير الأمن والمحافظ بل ووزير الداخلية لكن ابن الرئيس يظل واقفا، فليس من
حقه أن يجلس كابن رئيس وقد منعوه من
الجلوس كمواطن.. وتنقلب الدنيا ويشتت الظالمون وينتصر الحق ..
كانت الشائعة رسالة أمل يائس منسحق إليك يا سيادة الرئيس من شعب أمل
فيك أن تكون مخلصه ومنقذه من جلاديه .. لكن صحافتك القومية نفت الشائعة بمنتهى
القسوة …
إذن … ليس هو أنت ..
ريفي أنا مثلك يا سيادة الرئيس .. وكان ليل القرية الطويل يمنحني الوقت
كي أفكر وأتأمل وأحلم وأحاسب نفسي . فهل مارست هذا أنت . أتملك الوقت كي تحاسب
نفسك إن كنت قد أخطأت أم لم تخطئ .. أم أن ثمة لعنة في كرسي الحكم تشي لشاغله أنه
منزه عن الخطأ ..
مندهش أنا يا سيادة الرئيس ولا أفهم .. لماذا تكون أنت طاهرا .. وهذا
هو اعتقاد أغلبية صامتة - رغم بعض
ما قيل ولم يحقق – ويكون بعض من حولك غير ذلك ..
ألم تقرأ قولة سيدي وسيدك عمر بن الخطاب إن من ولى أمر المسلمين فاجرا
فهو فاجر كمثله .. عليه وزر ما فعل ..
يا سيادة الرئيس .. إنك إن تجاوزت عن فاسد واحد في بطانتك فسوف يفرخ
مئات الألوف ..
يا سيادة الرئيس إن الأحمق من باع أخرته بدنياه . لكن الأحمق منه من
باع آخرته بدنا غيره.
سيدي الرئيس
لماذا يتغير الناس عندما تتغير مناصبهم وأوضاعهم
يا سيادة الرئيس .. إن حياة كل إنسان منا حلقات متصلة قد يختلف فيها
الشكل لكن المضمون واحد … لا يتغير المضمون إلا لدى العباقرة والمجانين والخونة ..
وعلى هذا فإن مبادئ الإنسان وقيمة الأخلاقية لا تتغير .. وقد تتغير الوسيلة لكن
الهدف لا يتغير .. وقد يقع ما ليس في الحسبان فيتأخر الوصول للهدف لكنه لا يتغير
.. فماذا كان هدفك يا سيادة الرئيس وأنت في العشرين من عمرك .. في براءة الشباب
التي لم تخدشها أنياب الزمن .. وماذا كان هدفك وأنت في الأربعين .. وماذا أنت عليه
الآن …
ما رأيك في صدام حسين الآن وماذا كان رأيك فيه منذ أعوام قليلة وأي
الرأيين صحيح ؟ ..
ما رأيك في القذافى الآن وماذا كان رأيك فيه منذ أعوام قليلة وأي
الرأيين صحيح ؟ ..
ما رأيك في إسرائيل الآن
وماذا كان رأيك فيها عام 73 وأي الرأيين صحيح؟..
سيدي :
ما رأيك فيما يقال عن ثروات بعض حكام العالم الثالث الذين ينهبون شعوبهم
عبر سلاسل شيطانية بغيضة من الفساد الاقتصادي وتجارة السلاح ؟.
لقد دفعتني هذه النقطة للتفكير طويلا في كيفية إحساس الحاكم وهو يخون
الأمانة . في عالمنا الثالث لا يكاد يوجد حاكم غير ثرى، بل فاحش الثراء، ثرى حتى
انه ليكفل لأجيال من ذريته أن يكون طعامهم إن شاءوا ذهبا، الدافع المادي إذن غير
كاف لكي يكون السبب الوحيد .
أم يا ترى هو الابتلاء الصعب وليس المال الحرام إلا كماء البحر
للعطشان، كلما عب منه ازداد عطشا له وسعارا إليه . وهل تتشكل الخيانة بأسلوب سهل
مباشر كأن يقنع الحاكم نفسه بأن شعبه ليس إلا مجموعة من الرعاع أقصى ما يمكن أن
يطمحوا فيه حد الكفاف، بعد هذا الحد كل مطلب طمع وإسراف سفيه لا يقدم عليه إلا
أحمق لا يقدر المخاطر التي تهدد الوطن . بيد أن حد الكفاف هذا لا يخضع لأية مقاييس
ثابتة، إذ قد يكون سفيها من يشرب الشاي، أو يأكل الخبز أو حتى يغرق همه وقهره في تصريف
الغريزة التي خلقها الله فيه .
وثمة نقطة أخرى فكرت إنها قد تكون تبريرا للحاكم فيما يفعل : إن الثروة
محدودة، ولو وزعت بالعدل فسوف يكون عدل الفقر، سيكون الجميع فقراء، لن يضر الفقراء
إذن أن يزدادوا فقرا في سبيل توفير الثروة للحكام الذين يتشكلون في كل وطن من طبقة
لا من فرد أو أفراد - هل تأتى المبررات بعد ذلك لإثبات أحقيتهم في تلك الثروة،
إنهم هم الساهرون على مصالح البلاد ( حتى لو ضاعت المصالح)، الحريصون على أمنها (
حتى لو أفتقد الأمن) الأمناء على رفع رايات النصر (حتى لو انهزموا ) ..
وهل يدخل في إطار هذه المبررات أنهم لكي يستقروا في الحكم مهددون
بالموت كل يوم، وأن أي ثروة يحصلون عليها إزاء هذا التهديد المستمر ثمن بخس، وأنهم
يستحقون أضعاف الأضعاف لولا رأفتهم بأحوال شعوبهم .
أتساءل : بماذا يشعر ملك
يفرض على كل برميل دولارا له، وعلى كل طلقة رصاص سنتا . بماذا يشعر ذلك الحاكم وهو
يهمل ألزم الأساسيات لوطنه ويهدر المليارات في مشاريع أقل ما يقال فيها أنها غير
ضرورية لمجرد أن ينال نصيبه من العمولة عليها . وبم يشعر ذلك الحاكم وهو يضيع ثروة
أمته على أسلحة فاسدة كما حدث في مصر في القضية الشهيرة على الأقل وكما يحدث كل يوم
ولدى حكام إخوتنا الذين أنفقوا مئات المليارات – أو آلافها والله لا أدرى – على
أسلحة لم تستعمل قط، لم تحم أمنا ولم تهدد عدوا ولم تؤازر صديقا، حتى إذا وقعت
المصيبة هرعوا إلى من يحميهم . فيم ضاع ما ضاع إذن، لو أنه ضاع لخطأ في الحساب أو
تجاوز في التقدير لغفرنا، لكنهم واصلوا خطاياهم مع سبق الإصرار والترصد والتكرار والاستمرار دون أن يتعلموا
أبدا . وليس جديدا علينا أن نعرف العمولات الهائلة التي تدفع في تجارة السلاح. ولو
أنهم استعملوا هذا السلاح في الدفاع عما ادعوا أنهم اشتروه لأجله لما استمرت نيران
الغضب والكراهية سعيرا في حشايانا،
بيد أن من خالف القاعدة منهم فاستعمل هذا السلاح لم يستعمله ضد
عدو وإنما ضد شعبه أو ضد شعب شقيق . وذلك الله يا سيدي الرئيس ما زاد من مراجل
الغضب في صدري . لقد خدعونا كثيرا من أجل القضية والوطن، من أجل الاستقلال، ثم
التنمية في وطن مستقل، وضاعت
القضايا والأوطان والاستقلال وهاهم أولئك يحاولون إقناعنا بشيء غريب وهو
التنمية عن طريق التبعية .
ولطالما ألقيتم باللائمة علينا، زاعمين أننا كسالى متخلفون حمقى لكن الإحصائيات العالمية تقوم غير ذلك .
لقد استورد الشرق الأوسط خمسين بالمائة من جملة ما استورده العالم
الثالث من سلاح في الفترة ما بين 1971 و 1989، حتى ليتساءل د. سامي منصور عن تكديس السلاح، هل كان هو السلاح
المناسب أم كان استنزافا للقدرات ؟، هل كان السلاح الذي نملك مهارات استعماله أم
كان مجرد زينة، كأدوات زينة النساء وأفخر أنواع العطور و أحدث السيارات.
لقد اعترف أحد أعضاء منظمة ثورة مصر بإرغامه على الموافقة على شراء
أسلحة فاسدة وذلك أثناء خدمته في
القوات المسلحة.
وتجمع المصادر على
أن العالم العربي هو أكثر مناطق العالم الثالث إنفاقا حربيا وشراء للسلاح . ومعنى
ذلك أننا كأمة قد أدينا دورنا لم نبخل بشيء .
لقد أنفق العالم العربي – عالمنا – على السلاح في عام 1986 فقط 62
مليار دولار لكل فرد في السعودية و 1300 لإسرائيل
لقد استوردت إسرائيل أسلحة في الفترة ما بين 1951 و 1985 قيمتها 21
مليار دولار، في نفس الفترة استوردت مصر بـ 20 مليارا سوريا بـ 22 مليارا
والسعودية بـ 23 مليارا والعراق 25 مليارا وليبيا 21 مليار دولار.
أما مجموع ما استورده العالم العربي فيقارب 220 مليار دولار .. أي عشرة
أضعاف إسرائيل .
عشرة أضعاف إسرائيل يا سيادة الرئيس ثم ننهزم .
200 مليار دولار في أقل التقديرات، فهناك تقديرات أخرى تصل بهذا الرقم
إلى ألف مليار دولار لشبه الجزيرة العربية فقط .
وعلى الرغم من هذا فذلك جزء من الحقيقة فقط يا سيدي، لأن استيراد
السلاح يمثل فقط ثلث الإنفاق الحربي . أمتنا أنفقت 600 مليار دولار على السلاح ثم
ننهزم، 600 مليار تجمعت من حلال الجياع لا من حرام الضباع، لم تتقاعس الأمة ولم
تبخل ولم تسرق ولم تجن من الفساد
إلا الخراب، أما السلاح الذي استوردته الأمة بدم قلبها فقد استعمل أكثر ما استعمل
في سفك المزيد من دمائها .
يطلق على فضائح الفساد والرشوة في تجارة السلاح اسم : فضيحة القرن
العشرين .
وقد ثبت أن عمولات ورشاوى تجارة السلاح في بعض دول العالم الثالث تصل
إلى 10% من قيمة السلاح المستورد .
في اليابان قبض على رئيس وزراء بتهمة تقاضى عمولات عن شراء السلاح، وفى
ألمانيا تم توجيه الاتهام إلى رئيس وزراء . أما في العالم العربي فالكل أطهار
أخيار أبرار، لم يتهم أحد، ولم يدن أحد، نحن الذين اتهمنا وأُدنا .
آه يا سيادة الرئيس .
حجم الإنفاق الحربي العربي يزيد مرة وثلثا عما تصرفه فرنسا وألمانيا
وأكثر من مرة ونصف عن بريطانيا والصين .
يالها من مأساة ..
ليست جيوشا إذن وإنما شركات لتوظيف الجيوش.
شركات للنصب علينا .
تعداد الجيش الإسرائيلي : 786000
والجيوش العربية 687000 2
لدى العالم العربي 17864 دبابة مقابل 3900 لإسرائيل .
إن الحرب القادمة مع إسرائيل هي حرب صواريخ وفيها تحقق إسرائيل تفوقا
ساحقا .
ألهذا يدمرون صواريخ العراق، ويوافق العرب في مجلس الأمن .
إنني أعرف أن مصر هي آخر دولة عربية ينبغي أن تسأل عن السلاح، لكنها
يجب أن تسأل .
وأعرف أيضا أن حجم الفساد في مصر رغم ضخامته قد يكون أقل من حجم الفساد
لدى معظم إخوتنا ..
وبالرغم من ذلك فإننا لا ننسى ما حدث عندنا، ففي فضيحة قضية البوينج
الشهيرة رفض الوزيران أحمد نوح
ومحمد مرزيان التلاعب حتى وصلهما أمر رسمي من رئيس الجمهورية أنور السادات
بتوقيع الصفقة على الفور، لينشر جيم هوجلاند بصحيفة الواشنطن بوست أن هناك مبالغ
أودعت في حسابين سريين في سويسرا أحدهما بـ 8 ملايين دولار والآخر بـ 650000 دولار
.
لا ننسى صفقة الأتوبيسات وصفقة حديد التسليح الأسباني، وصفقة الأسمنت،
وقضية البترول ومترو الأنفاق ونفق أحمد حمدي، وفضيحة صفقة التليفونات التي زادت
قيمتها عن مليارى دولار، بينما كان هناك عرض بنصف المبلغ لكننا رفضناه لنقبل العرض
الأغلى الذي قدمه اليهودي كارل كاهان، ولتقبض السلطات النمساوية نفسها على بعض
أعضاء العصابة الداخلة في الصفقة ولكننا نصر هنا على أن الجميع أطهار أخيار أبرار.
هذا ما حدث عندنا ولعله مجرد فتات بالنسبة لما يحدث عند جيراننا، فما
هو الضمان أنه لم يعد يحدث .
هذا ما حدث في صفقات تتابعها الصحف ويوافق عليها مجالس الشيوخ والشورى
والأمة، فماذا يحدث إذن في صفقات لا تتابع ولا تعرض، ماذا يحدث في صفقات السلاح ؟
.
قل لي يا سيادة الرئيس محمد حسنى مبارك :
لماذا تقبل تفويض مجلس الشعب في استيراد السلاح ؟؟؟؟
عيد ميلاد سعيد يا سيدي .
عيد ميلاد سعيد حقا وصدقا .
وأرجو أن تسمح لي بمواصلة حديثي معك في العدد القادم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة … والصلاة والسلام على
القدوة والأسوة.
الأستاذ الفاضل / د. محمد عباس
تحية من عند الله مباركة طيبة .. وسلاما أرق من نسيم الصباح وأعطر من
شذي الريحان ..تحية من قلوبنا نرسلها من خلف الأسوار .. نرسلها بعبير دمائنا وشذي
محنتنا.. نرسلها من قلوبنا يحملها أسرارنا يطير بها فوق المحن والآهات لتصل
إليكم متمنية لكم كل الخير والتوفيق
.. داعية لكم من أعماق القلب أن تكونوا على خير حال يحبه الله ويرضاه .. وأن يصرف عنكم
السوء وأهله وأن يحفظكم من كيد الظالمين وألا يجعل لهم عليكم سبيلا .
أستاذنا الفاضل
نتابع بكل لهفة وبمنتهى الشوق كتاباتكم المباركة .. وحقيقة في هذه
العجالة نود أن نقدم لكم شكرنا .. ونسأل الله تعالى أن يجازيكم خير الجزاء وأن
ينصركم في الدنيا والآخرة لما تكتبونه بمنتهى الشجاعة والقوة والوضوح نصرة
للمستضعفين . المقهورين في بلادهم وأوطانهم .. وحربا على المفسدين الظالمين الذين
يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا..
أستاذنا الفاضل ..
رغم محنتنا ورغم الأسوار إلا أننا نرى إشراقة الفجر تشق دياجير الظلمات
.. سوف يأتي الفجر – أستاذنا – قريبا وسيمسح بطيب نسماته آلام الظلام .. سوف يأتي
الفجر – أستاذنا – قريبا وتحقق الآمال
نعم .. نراه يرنو من قريب .
تتوق الأنفس إليه .. ولكنها حكمة لا بد أن تتحقق
"… ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله .. "
وختاما ..
تقبلوا سلام إخواننا من هاهنا جميعا ودعواتهم وتحياتهم .
وفقكم الله إلى كل خير ..
ونصر بكم الإسلام والمسلمين
..
إخوانك
ممدوح على يوسف
صفوت عبد الغنى
فخامة الرئيس :
عام سعيد يا سيدي .
عام سعيد عليك وعلى أمتك..
عام سعيد يخفف عنا وطأة أعوام الحزن .
عام سعيد ترفض فيه تفويض مجلس الشعب لاستيراد السلاح، وليس هذا فقط ما
نرجوه من بطل 10 رمضان، بل ونرجو أن تكون مصر تحت قيادتك سباقة لتشكيل لجنة على
أعلى مستوى لمراجعة كل مشتريات السلاح في مصر لتعلن نتيجة مراجعتها على العالم،
لجنة تكون وسام فخر لعهدك ووصمة عار لأشقاء لم تكن الجيوش عنهم إلا جيوش المحمل
والمهرجانات وإرهاب الشعب، وجيوش
جعلتهم رحماء بالأعداء أشداء بينهم، جبارون علينا خوارون أمامهم .
لقد هزمنا وتعدادنا كعرب أربعون ضعف تعداد إسرائيل، ناتجنا القومي
عشرون ضعفا، تعداد جيوشنا أربعة أضعاف، وحجم أسلحتنا أربعة أضعاف، وإذا ما أدخلنا
العالم الإسلامي في الحسبان – كما يجب – لتضاعف الفارق أضعافا مضاعفة أخرى .
وقد يتبادر إلى الذهن أن أسلحتنا كانت متخلفة، وهذا ما تنفيه تماما
مؤسسات الغرب العسكرية ومجلاتهم المتخصصة .
وقد يزعم حاكم أن شعوبنا متخلفة عن شعوبهم، لكن الإحصائيات عن حملة
الماجستير والدكتوراه في بلادنا، وعن نماذج المواطنين الفذة التي تستطيع عبقريتها
في الخارج، كل ذلك دليل قاطع هو أن الفرق بيننا وبينهم هو الفرق بين حكامنا
وحكامهم .
لم نهزم إذن عن قلة .
ولم نهزم عن ضعف في الإمكانيات أو نقص في المال والعتاد.
هزمنا بعد ما قدّمنا، لم نقصر كأمة، أما ما ضرب علينا من الذلة
والمسكنة فلم نكن نحن سببه، نحن قدمنا أكثر مما قدم أي شعب في العالم، هل استثمرتم
أنتم كقادة ما قدمنا ؟ هل كنتم في مستواه ؟ هل أضفتم عليه أم أهدرتموه، ضيعتموه،
سفحتموه ؟ ..
لا تغضب يا سيادة الرئيس وخذ من التاريخ عبرة .. فإن العبيد والجوارى
الذين كادوا يؤلهون جمال عبد الناصر هم الذين يجلدون اليوم بالسياط ذكراه ..
وأولئك الذين كادوا يعبدون السادات من دون الله هم – لا من أبغضوا السادات في الله
– الذين امتهنوا كل شئ في ذكراه حتى عرضه، وبرغم أنني من قوم يرون في جيهان
السادات ملامح هند بنت عتبة فقد نزف قلبي دما عندما لاك إبراهيم سعدة في فمه ما هو
أعز على المرأة من كبد الحمزة علينا وعليه.
نسى أنه يكتب في عهد الفلاح حسنى مبارك فهجر النصيحة وفجر الفضيحة.
ذلك يا سيدي أن قانون الله في ماله وسلطانه أنكم ما منحتموه غير أهله
إلا حرمكم الله ودهم وشكرهم .
أفتأمن يا سيدي على نفسك منهم ؟؟ !!
أتشك أنك ميت وأننا ميتون ؟؟ !!
ماذا تتوقع أن يكتب عنك إبراهيم سعدة بعد موتك، أي إبراهيم سعدة وكل
إبراهيم سعدة، ماذا تتوقع أن يكتب أنيس منصور وسمير رجب، وكثيرون وكثيرون وأنت
تسمعهم وتقربهم، ولست طامعا والله في شئ من ذلك فأنا غنى عن قربك غناك عن قربى،
لكنني أخشى على وطن ائتمنت عليه، وأمة أسلمت لك قيادها، لا شورى ولا طوعا .. وإنما
انتخابات واستفتاءات .. إن كنت تعرف ما يحدث فيها فما أشد غضبى وإن كنت لا تعرف
فما أشد يأسى .
أجل يا سيدي، أنا غنى عنك غناك عنى، غنى عنك يا سيدي، غنىُّ عنك غِنى ذلك الزاهد الذي دعاه هارون الرشيد إلى طعامه فأبى الزاهد أن
يقربه مبديا اشمئزازا وتأففا من أصناف الطعام الفاخر حتى دهش الخليفة وظن أن الرجل
لجهله لا يدرك قيمة ما أمامه، لكن
الزاهد لم يلبث حتى مد يده إلى أصناف الطعام وملأ قبضته منها ثم أخذ يعتصرها
ليتساقط منها دم وأشلاء بشرية فيصرخ قائلا : هذا هو طعامك الذي تدعوني إليه يا
أمير المؤمنين . وعيف الطعام فرفع..
ثم نودي بالشراب فمد الخليفة يده إلى كوب ماء فحال الزاهد بينه وبين الماء
متسائلا : كم تدفع فيه يا أمير المؤمنين إن مُنِعته ؟ فأجابه : أدفع فيه نصف ملكي،
وخلا الزاهد ما بينه وبين الماء حتى ارتوى فسأله : فكم تدفع لو حصرت فيه؟.. فأجابه
الخليفة : أدفع فيه نصف ملكي الآخر..
وهنا قام الزاهد مغادرا مجلس الخليفة وهو يقول في ازدراء :
- ما أهون ملكا لا يساوى شربة وبولة !!
لطالما ساءلت نفسي يا سيادة الرئيس : كيف وأنت الدمث المهذب الرقيق
تترك مسوخا تعبر عنك، تنقل لنا فكرك، تحمل أوزارهم ولا تنال منهم نصحا وأنت حي ولا
إنصافا بعد أن تموت .
كيف ولماذا وحتى متى ؟؟!!
لماذا تتركهم يشوهون مواقفنا ؟ لماذا يكذبون فيدّعون علينا ما لم نقله
؟ ينشرونه في صحفهم الواسعة الانتشار ؟ بل في صحفنا نحن التي استولوا – بإذنكم –
عليها ليعاملوها كما تعامل السبي، ثم
يأخذون في الرد علينا، يفندون ما يدعوه ولم نقله.. كانت أرواحهم ونفوسهم وجذورهم تمتد دائما
خارج الوطن رغم أنهم غالبا كانوا يعيشون بأجسادهم فيه يستنزفونه، كما يعيشون في
الوطن بينما كان الوطن يعيش فينا، في قلوبنا وبين حشايانا، نرويه بدمنا فيستنزفون
دم الوطن ودمنا .
عيرونا بهزيمة 67، ويومها هزمنا نحن لا هم وهزمت أنت أيضا معنا يا محمد
حسنى مبارك، الغرب واليهود وهم انتصروا، وفى إعجاز مذهل لخص نجيب محفوظ الأمر كله بأن
مصر لم تهزم في حرب 67، بل انتصر نصف العرب على نصفهم الأخر، انتصر نصفنا على
نصفنا، وكانوا هم النصف المنتصر، مع أعدائنا انتصروا علينا . نحن لم نؤيد الظلم
والبطش والجبروت والظلم والطغيان والمعتقلات . بل كنا ضحاياها، أيدها هؤلاء الذين
يعيروننا اليوم . فلماذا تسمع لهم يا سيادة الرئيس ولا تسمع لنا، ولماذا تسخّر لهم
وسائل إعلام -المفروض أنها ملك الأمة- كي تكون مطاياهم التي يسحقون بها هامات
الأمة ؟
أجل، لم نكن مع الفساد والظلم لكننا كنا مع بناء السد العالي وتأميم
قناة السويس وحرب الاستنزاف وأدنا بكل ما نملك من قوة السجون والمعتقلات وغيبة
الديمقراطية، وكنا مع سعودية فيصل عندما وقف بكل الشموخ مهددا : نحن قريبوا عهد
بحياة البداوة فإذا ما قررت أمريكا
الاستيلاء على أبار بترولنا، سنشعلها ونعود بدوا كما كنا، وكنا مع السادات
حين أشعل نار أكتوبر وكنا ضده حين أطفأ نوره، كنا معك أنت أيضا يا سيادة الرئيس
بكل ما في القلب من حب وبكل ما في
الروح من عزم وقوة وأنت تحارب أعداءنا وأعداءك، كنا معك، كنا نتلمس الأعذار
والتبريرات لأخطائك، لم يفعل اليوم لكنه غدا سيفعل، لم يكتشف بعد لكنه حتما
سيكتشف، حتى كانت الغاشية في حرب الخليج .
الغاشية …
إن كل أحزان زولا وأعماق دستويفسكى وبحور تولستوى وعوالم فوكنر وجيشان
إبسن، وحوارى نجيب محفوظ، وصدمات الحلاج وآلام صلاح عبد الصبور، كل ذلك غير كاف
للتعبير عن مشاعري، كمواطن، كوطن، كتاريخ، كأمة .
ذبحتني فنخعتنى .
أكان كل ما مضى وهما، سرابا، إسقاطا لأحلام ضائعة عليك ؟ ..
قل لي بربك لماذا اشتركت في عاصفة الصحراء ؟ أهذا هو أنت، وذلك الوجه
الطيب الذي هو وجهك، الوجه الذي طالما أراحني في بداية حكمك، حين كنت أرى فيه وجه
أبى وآخي وصديقي وابني، كوجه مصري في بلد غريب يشدني بالحب والانتماء إليه ؟ أكنت
من البداية هكذا أم أنك تغيرت، أم أنني أنا الذي لم افهم ولا أفهم ولن أفهم ؟ لو
أن أحدا قال إنك يمكن أن تفعل ذلك لشاجرته . الفلاح المصري ابن كفر المصيلحة مركز
شبين الكوم منوفية لا يمكن أن يفعل هذا، الضابط المصري العظيم الذي تجرع معنا ذل
الهزيمة ومهانتها ثم رشف معنا رحيق حلاوة النصر لا يمكن أن يفعل هذا، لا يمكن،
المنطق يرفض، والدين يرفض، والعرف يرفض وحتى قانون العيب يرفض .
ولم يكن التخلي عن علاقتي بك سهلا، كان مؤلما كالسلخ، رحت أحاور نفسي..
إن كان هو يتغير فنحن أيضا نتغير..
إن كان قد غير موقفه من العراق فانقلب عليها فنحن أيضا غيرنا موقفنا من
الهجوم عليها إلى مساندتها .
لماذا أحمل عليه إذن وقد غيرت موقفي مثله ؟
أفقدتني الثقة بنفسي..
إما أن أكون على صواب وأنت خاطئ أو تكون المصيب وأنا مخطئ .
وضعتني في موقف البين بين، موقف الشك وانعدام اليقين، أقسى المواقف
وأكثرها عتوا .
أراجع نفسي، أؤنبها، أوبخها وأبخعها، أتساءل : لماذا لا أفترض أنك
مصيب، بل لماذا لا أفترض أن السادات كان على حق، العالم كله يركع ثم يسجد أمام
العلج الأمريكي، فهل كان السادات محقا حين سبق العالم بالركوع والسجود – والتعبير
ليس لي إنما المسئول سعودي قال : " لقد طلبنا من السادات أن ينحني أمام
أمريكا ففوجئنا به يسجد أمامها " – فهل كان السادات أبعدنا نظرا أم أكثرنا
خيبة، أم كان فأر التجارب الذي أجرت عليه المخابرات الأمريكية والمحافل الصهيونية
بروفتها الأخيرة، كي تضرب بعد ذلك ضربتها الكبرى مع جورباتشوف وصدام فيسجد العالم
أمام أصنامها وطواغيتها وعلوجها ؟..
أهذا هو الابتلاء الأخير لنا، حيث يحاط بنا فمنا من يثبت ومنا من يظن
بالله الظنونا ؟ والله يا سيدي إن ظني بصدام لأسوأ من ظنك فيه ذلك أنك تدينه كرئيس
شطح عن نمط الرؤساء والملوك، بينما أنا أدينه – وأدينك- لأن القاعدة عندي والمقياس ليس نمطكم وإنما نمط السلف الصالح
والخلفاء الراشدين وتراث أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
لكن الأمر لم يكن أمر صدام ولا غزو الكويت، وإنما كان صدام حضارتنا
بوحشيتهم وإيماننا بكفرهم، خير أمه أخرجت للناس بأممهم، وهو صراع كتب علينا فيه
القتال وهو كره لنا .
لكن موقفك يومها كان فارقا ..
من لحظتها، - لحظتها فقط – عمقت الفجوة واتسعت الهوة وابتعد القرار .
لم نكن ضدك، ظنناك في البداية تناور كي تنقذ، كي تحمى، كي تصون .
ظنناك تناور، كما ظننا ذات يوم إنك ستناور كي تنقذ خالد الإسلامبولى
وسليمان خاطر .
لكن كتبتك رغم انذباحنا لم يرحمونا . وكما ادعوا علينا زورا أننا قلبنا
قارعة 67 نصرا وحولنا مجد 73 هزيمة، كما ادعوا ذلك .. ففي أقذر حرب في التاريخ ادعوا أننا كنا مع صدام، بينما
معه كانوا وضده كنا، ومنه تلقوا الهدايا والرشاوى، وهاجمناهم فاتهمونا بأننا لا
نفهم وأننا نتلقى الرشاوى من إيران، ثم انقلبوا عليه ليدعوا أننا خونة وحمقى لأننا
ندافع عن صدام وما عنه دفاعنا ولكننا دافعنا عن شعبنا، عن أنفسنا وثروتنا وأسلحتنا
وجيشنا فصدام زائل وأنتم زائلون ونحن زائلون لكن كل ذلك كان يجب أن يبقى للأمة،
لأجيال تأتى بعدنا.
آه يا سيادة الرئيس
ما أوسع الفجوة وما أشد الألم .
لقد ظل بيني وبينك خيط لم ينقطع وفتق لم يتسع إلا بموقفك ذاك .
طيلة الوقت ،رغم كل جرح وكل نزف وكل صدمة ظللت أتخيل نوعا من التفاهم
السرى بيني وبينك، نوعا من التفاهم السرى لم نتفق عليه لكننا بأعمق ما ففي الروح ظننا
أننا ندركه .
ثم حدث ما حدث .
إن كنت يا سيدي قد نسيت فأنا لم أنس.
أم تراك قد نسيت ما قاله لنا كتبتك عبر صحفك وإذاعتك وتليفزيونك، ما
قلتموه عن الخطر الفارسي على العرب فأحييتم فتنة كانت قد انطفأت منذ ألف عام، ولم
يأبه أحد ولم يحاذر من أن إشعال نار فتنة لن يقتصر عليها . أخذتم تمجدون صدام
البطل الذي يدافع عن بوابة العرب الشرقية ضد المجوس، لنفتح الباب ففي ذات الوقت
أمام من يريد إخراجنا من زمرة العرب، أمام من يقول إننا فراعنة، والسودان والصومال
أفارقة ودول المغرب العربي بربر، لكن الانفعال استبد بهم فقال قائلهم إن خطر
إسرائيل لا يساوى شيئا إزاء خطر الفرس المجوس، لكننا يا سيدي رغم تكريس كل أجهزة
إعلامك نقمنا عليك وهاجمناك حين ناصرت صدام ففي ظلمه، لا برده عنه بل بمساعدته
عليه، وأخذتم استجداء لتأييد الأمة، تقسمون الأمة إلى سنة وشيعة وهى أسماء
سميتموها لم يقل بها قرآن ولم يرد حديث، لكنه كان استمرارا فاجعا لشق اجتماع الأمة
وفض إجماعها وتشتيت شملها وبلبلة فكرها وتمزيق وحدتها .
تتعدد المسميات لكن الهدف واحد، كان خطأ فاجعا منك يا سيادة الرئيس أن
تقف هذا الموقف حينذاك مع صدام ضد إيران، لكننا كنا نلتمس لك عذرا واهيا ففي أنك
بعيدا عن الدين تتبع المثل العامي المصري، فتقف مع أخيك ضد ابن عمك، لكن ها هو ذا
الغريب يسفك دم أخيك، فإذا بك تعاونه، وابن عمك – إيران – يصرخ بكم ألا تضيعوا
أخاكم، كيف فعلتها يا مبارك، كيف فعلتها ولماذا ؟ غيرك فعلها قلبي يوطد أركان عرش
متهاو فقد شرعيته بين أهله وداخل أرضه فراح يتسولها ببيع أرضه وأهله .. غيرك فعلها
لأنه لا يستحق ما يملك، لكن .. أنت النزيه الشريف ذو الكفن الذي لا جيوب له لم
فعلتها ؟ لم رضيت من الوفاء باللفاء ؟ لماذا لم تكن الوسط، لماذا اخترت الغلو ؟
بينما خير هذه الأمة النمط الأوسط يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي، نحن يا
سيدي كنا مع العراق وهو ينسلخ عن أعداء الأمة وخونتها، لكننا كنا ضده عندما راح
يأكل أهله، وكنا ضد إيران الشاه عبدة أمريكا وصديقة إسرائيل – وبالمناسبة لم يكفر
كتبتكم أيامها الشاه رغم أنه شيعي – وأيدناها بمنتهى القوة عندما أصبحت ضد أعداء
العرب المسلمين، والذين أخذوا يشعلون نار الفتنة ليندفع الحمقى ففي حرب وقودها أمة
محمد، وصرخنا فيكم :
- صدام ظالم فانصروه برده عن ظلمه .
لكنكم رحتم تكدسون السلاح عنده، والأسياد ففي الغرب يحرضون وينصحون،
وأنتم تستجيبون، وهم يعلمون أن تكديس السلاح لدى العراق يشكل عامل ضغط عليه قلبي
يمارس العدوان، كان عدوانا ظالما على إيران كذبت أجهزة إعلامكم علينا فيه، وقلتم
لنا أن انكسار العراق هو
انهيار لأمن الأمة وشرخ لباب البيت..
يا إلهي.. لقد حطمتم أنت
الباب وخربتم البيت، لتعود أجهزة إعلامنا دون حياء تتباكى بكاء التماسيح على ظلم
صدام لإيران .
أناشدك الله يا سيادة الرئيس، هل اتخذتم قرار تدعيم العراق أيامها بناء
عن اقتناع حقيقي أم أن الصديق الأمريكي هو الذي أوحى إليكم بذلك ؟ كان يعرف منذ
البداية أنكم ستدفعون دم قلوبنا ففي سلاح يذهب للعراق يتكفل هو بتدميره ففي
النهاية..
ثم كانت الغاشية .
واعترف كتابكم أخيرا بظلم صدام، لكن صدام لم يكن وحده .
ولم نحول موقفنا من إيران إلى العراق بل ثبتنا على موقفنا من الأمة .
وكانت الفضيحة لكتبة لا يعرفون الفضيحة، أن إيران نفسها وقفت مع العراق
ضد أعداء الدين والأمة .
وبالرغم من ذلك أخذ كتبتكم يعيروننا بموقفنا من العراق، فوالله لا نملك
إلا تذكر ذلك الأحمق الذي قابل عمار بن ياسر – وهو أمير – ليسبه قائلا : يا أجدع
الأذن، ( وكانت أذنه قد قطعت بسيوف المرتدين ففي حرب اليمامة ) فلا يقول الأمير له
إلا: خير أدنى سببت، لقد أصيب ففي
سبيل الله . وها أنتم أولاء تعيروننا بخير مواقفنا مع العراق ووالله ما كانت إلا
ففي سبيل الله .
ولأستعر قولة سيدي وسيدك عمار بن ياسر لبنى أمية، ولأنح نحوه :
" أما أنتم فوالله ما قصدتم الحق لكنكم ذقتم الدنيا واستمرأتموها
وعلمتم أن الحق يحول بينكم وبين ما تتمرغون فيه من شهواتكم ودنياكم، وإنكم خدعتم
الناس بزعمكم أنكم تسعون لتحرير الكويت، وما أردتم إلا استمرار أنظمتكم لتكونوا
جبابرة وملوكا ."
هل تظن يا سيدي أنك انتصرت عندما انضممت إلى قوات التحالف ؟
أم انتصرت الأمة ؟
الذي انتصر يا سيدي شخص له نفس ملامحك، نفس رسمك، يلبس ذات الملابس
ويقطن نفس الأماكن ويتحدث بنفس الصوت لكنه ليس أنت، الذي انتصر عدو الله وعدو لنا
وعدو لك .
نحن لم نكن معك ولا ضدك .
لم نكن مع شخص ولا ضد شخص .
كنا فقط مع من ينصر
الأمة، مع من يوحد كلمتها ويرفع رايتها ويواجه أعداءها، فإذا انحرف لم ننحرف خلفه
بل هرعنا إلى خالقنا ندعوه أن يحفظنا على الصراط المستقيم لنقف ضد الضالين المغضوب
عليهم من الله فمنا .
لقد تابعت بإعجاب حزين مجهوداتك يا سيدي الرئيس لإنقاذ ليبيا
إعجاب حزين، لأننا كنا نتسول الصفح منهم، وهم لا يكفون عن إذلالنا، لم
أستطع منع موقفي من التساؤل : لماذا لم يكن مثل هذا الجهد مع العراق، ولو أننا
استنقذنا قوة العراق من براثن الوحوش هل كنا سنضطر لكل هذا التوسل المذل المهين
لإنقاذ ليبيا، وهو توسل سنلجأ إليه دائما، مرة لليبيا ومرة لسوريا وأخيرا لمصر .
لقد دهشت لسذاجة مفكر مشاعري اقترح – ففي قصر نظر ليس منقطع النظير –
أن تسلم ليبيا المتهمين وينتهي الأمر، لا يدرك الأحمق السلسلة الجهنمية التي ستعقب
ذلك بخلخلة نظام الحكم هناك خلخلة تنتهي بطلب تسليم القذافى لمحاكمته، وقد يحدث
انقلاب مبرمج يسفر عن تسليم القذافى فعلا، وقد لا يحدث الانقلاب فتضرب أمريكا وبريطانيا
ليبيا ن لن تضربا السلاح فقط بل المصانع ومشروع المياه العظيم وكل بادرة تقدم، ولن
يحدث ذلك كله إلا لكي تكون ليبيا رأس الذئب الطائر بالنسبة لكل حاكم عربي، أن
يضعوا كل حكم ففي الاختيار الرهيب بينه وبين الوطن .. إما أن يستمر ليحقق لهم
أغراضهم أو يؤسر ليحاكم .
هل تذكر يا سيادة الرئيس
خطة إسرائيل لاختطاف جمال عبد الناصر ذات يوم؟
إن أمريكا ترفض استقبال ياسر عرفات لدخول الأمم رغم مخالفة ذلك للقانون
الدولي، وتقابل مانديلا استقبال الرؤساء …
أصبح القانون أهواءها والشرعية مزاجها .
إنها يمكن أن تضرب أي دوله و تبرر عدوانها بأنه ضرب للإرهاب .
ولقد اختطفت نورويجا لمحاكمته، وأصدرت حكما بالإعدام على صدام، وقامت
بمئات العمليات القذرة لاغتيال زعماء وتدمير الأمم .
هل يسيطر على الحكام العرب خوف من ذلك أو من شئ مثله ؟
هل يتحكم ذلك الرعب ففي قراراتهم ؟ إن لطفى الخولى يصرح ففي الأهرام
18/3/1992 :
" ثمة فكرة محورية خطيرة تدور ففي الوجدان الغربي، وهى أن الحضارة
الغربية – اليهودية المسيحية – المتقدمة باتت مطالبة تاريخيا بالتصدى العنيف
للحضارة العربية الإسلامية المتخلفة والعدوانية "
فما هي خطتنا للصدى .. للمقاومة .. للدفاع عن الدين والوجدان والهوية
والحضارة بل للدفاع عن الوجدان .
يا سيدي :
أجدنى مضطرا إزاء غلواء كتابك وشططهم، إزاء شهادتهم الزور أن أعترف لك
بشيء وأن أقسم له بالله الواحد الأحد أنه حق وصدق، عندي فجر ذلك اليوم الكئيب الذي
دهمتنى فيه أنباء غزو الكويت استشطت
غضبا، استيقظت كراهيتي القديمة لصدام حسين، وتجسد ففي وجداني ذلك الذنب الهائل
الذي لن أغفره له قط ففي إهدار قوى الأمة واستنزاف طاقاتها لصالح أعدائها، وفى
حماقة الغضب تمنيت أي تدخل حاسم
يردعه " يخلعه من الكويت " وفى حماقة الانفعال لم استبشع أي نوع من
التدخل .
مالي أخجل من موقفي، مالي أخجل من مصارحتك، كي وعدتك أن يكون حديثي لك
كل صدق .
ففي جحيم غضب الساعات الأولى تمنيت أن يقف العالم كله ضده، حتى الشيطان
الأكبر، كي ما لبثت أن استرددت وعيي وعقلي في نفس اليوم .
والله يا سيادة الرئيس ما زلت حتى الآن كلما تذكرت ذلك أخجل من موقفي .
فكيف لم أدرك من اللحظة الأولى أن الأحمق قد استدرج لا لمصرعه بل
لمصارع قومه، لمصرعي أنا.
وكيف لم أدرك من اللحظة الأولى أن قيام الغرب بحماية دول البترول سوف
ينهى لمائة عام انتماءها إلينا، وسوف تنشق الأمة كما لم تنشق قط .
وجرت الحوادث فصدق ظني.
وعاد جيش مصر لكن جيش أمريكا بقى .
وتحررت الكويت لكنها لم تعد إلينا .
ولم يعد إلينا الخليج ولا حتى السعودية .
ورجع جيشنا ففي غضب من لم يقدر صنيعه .
وكنا كالنعامة حين راحت تبحث عن قرنين فعادت بلا أذنين.
وانسحقت العراق لكن صدام بقى .
وبالرغم من ذلك كله استمر إذلال العراق لا صدام .
استمر إذلالي كوطن ودين وأمة .
استمر سحقي وتحطيم كبريائي وإذلالي وإهانة ديني، وقد نصحنا جنودهم أن
ننادى المسيح ما دام إلهنا لا يستجيب لنا .
ولا نملك إلا أن نقول
قوله الحسين : كل ما حم نازل، عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أئمتنا.
سيدي الرئيس :
لقد تحررت الكويت .
إذن : ما هذا الذي يحدث لشعب العراق الآن ؟
ألم تشعر بأن كل هذا الإذلال الذي يوجه إلى العراق ينال منك ؟ إنك أنت
المقصود به ونحن معك .
هل هذا هو عنوان لنظامكم الجديد ؟ هل تفوق جرائم صدام حقا جرائم شامير
؟ وإلا فلماذا لم تطله الداهية الدهياء؟ أم سلمتم لهم بأننا أبناء الجارية، وأننا
عبيد ؟
مهما بلغت جرائم أي حاكم عربي فهل تبلغ جرائم حكام إسرائيل الذين وصفهم
بعض المفكرين بأنهم مجموعة المرضى النفسيين العاشقين لسفك الدماء ؟
أجل … ما يحدث الآن يا سيادة الرئيس ليس إذلالا لشعب العراق بل هو
إذلال لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ولقد شاغلونا بليبيا حتى ننسى العراق وحتى ننسى ما يفعلوه بنا ففي
مدريد وموسكو وواشنطن " وغدا يشاغلونا حتى ننسى أنفسنا .
ويذبحني ذات يوم يا سيدي تصريح رسمي لك أننا على الحياد بين
الفلسطينيين وإسرائيل .
يخيل إلى أنني حين أموت ذات يوم سيكون حيني وأنا أقرأ ما نشيت صحيفة
أمام شاشة التلفاز وهو يذيع خبرا من أخباركم يا سيادة الرئيس، والله أقولها جدا لا
هزلا، ومطالعة لا مبالغة، حين يغلى الدم ففي عروقي وتحترق موقفي وتتعذب روحي
فتتسارع دقات في وألهث كحيوان عاجز حبيس ففي قفص يرى الإهانة ويحس المهانة وهو
عاجز حتى عن الصراخ، حتى لو تركوا
له فما غير مكمم، لأن ما بقى به من العقل بعد ما جرى له يجعله يفهم أنه مهما صرخ
فلن يسمعه أحد ولن يدكه أحد ولن يتأثر بصراخه أحد .
غير كاف .
غير كاف .
غير كاف .
سأموت وأنا اسمعها ذات مرة من عتل زنيم يرأس الولايات المتحدة
الأمريكية يذل بها قوما هم قومي، وملكا أو رئيسا – مهما جار على، مهما قتلني – فهو
منى وأنا منه، هو النازل منزلتي فكأننا شخص واحد لا يختلف إلا ففي البدن
غير كاف.
غير كاف .
غير كاف .
والملك الرئيس الأمير الخليفة ملك العبيد وعبد الملوك ففي شبكة الصياد
مذعور يحاول أن يتملص، يخلع رداء القوة، غير كاف، يخلع رداء الكرامة، غير كاف،
يصرخ أنا مجروح، غير مهم، يخلع رداء الشرف، غير كاف، يدفع الإتاوة، غير كاف.