يوم الأحزاب

 

بقلـم : محمـود شنب

mahmoud.sh@islamway.net

mahmoudshanap@yahoo.com

 

 

مصـر اليوم بكامل أوضاعها الداخلية والخارجية أشبه بحال الاخوة الأعداء وهم يتنازعون "التركه" بعد فقد الأب .

وما الأب إلا "الإنتماء" وما الاخوة إلا كل الطوائف والمؤسسات والأحزاب والمصالح والهيئات ... الكل أصبح يسير عكس إتجاه الآخر وبصورة جعلت كل ما فى الحياة صعبًا ... العمل .. العبادة .. الزمالة .. الصداقة .. الزواج .. الطلاق .. الجهاد .. الرقاد .. حتى الحياة الأسرية أصبح بها من المنغصات ما تخر منه الجبال ـ فيها التمرد والتحدى ، وفيها نشوز الزوجات وإنحراف الأزواج وعقوق الأبناء والاسراف رغم الفقر والتبذير رغم ضيق المعيشة .. !!

لم تعد المستشفيات مكانًا للعلاج ، وإنما مكانًا للإبتزاز والإحتيال والنصب والخداع ..  ولم تعد المدارس أو الجامعات مكانًا للتعليم ، وإنما مكانًا للهو والضياع والزواج العرفى وفقد العلم والحياء .. باختصار لم تعد أى مؤسسة تخدم الهدف الذى أقيمت من أجله ..

لم تعد الشرطة جهاز أمن ، بل جهاز رعب .. ولم يعد القضاء ساحة عدل ، بل ساحة جور .. ولم يعد الإعلام سلاح حق ، بل سلاح باطل .. ولم تعد الثقافة مصابيح تنوير ، ولكن قلاع تضليل .. ولم تعد هناك خطبة جمعة ، وإنما فرصة للنوم الجماعى .... وهكذا انقلب كل شئ على نفسه ، وأصبحت المصالح تعمل دون رابط وكأنها جزر منعزلة لا يصل ما بينها إلا الفساد !!

أصبحنا ـ من الهم ـ لا نعيش العمر بمراحله المعروفة : طفولة ومراهقة ورجولة ثم كهولة .. صرنا نعيش يومًا بيوم نتشهد إذا مر ليل بسلام .. ونحمد الله إن مر نهار دون مشكلة !!

لم يعد الضعيف أمير الركب ، بل لعبة كل من هب ودب .. وأصبح الرجل يمسى مؤمنًا ثم يصبح كافرًا .. وأصبحت الزوجة تخلع زوجها والزوج يخلع أنيابه فى عز شبابه ..... !!

وتلك مقدمة وإن كانت طويلة إلا انها تمثل البوابة التى تدخلنا إلى ما هو أخطر وأعظم والذى يتمثل فى صراعات القوى داخل مصـر ، والذى لا يعطى الأمل فى انفراج قريب .

وما أعرضه الآن هو أمر بالغ الخطورة على الرغم من أنه واقع لم يفطن إليه عاقل ـ رغم وجوده فى كل ما حولنا من دواب وأنعام ... حتى الكلاب التى تتعارك فيما بينها .. تتحد وتنسى خصوماتها إذا ما داهمها الخطر ودخل منطقة نفوذها غريب .

فى مصـر الآن كل حزب يكره الآخر وكل جماعة تكيد للأخرى ، ولا أحد يريد أن يغفر أخطاء الماضى رغم فداحة الحاضر وسواد المستقبل ، والحكومة هى أكبر مستفيد من ذلك حيث تعمل دائمًا على تزكية الخلافات ما بين الأحزاب والهيئات وتنتعش وتسعد بسياسة "فرق تسد" .

هل سيعيش الوفديون للأبد يسبون الثورة وعبد الناصـر .. وهل سيعيش الناصريون للأبد يسبون الوفديون والإسلاميون .. وهل يليق بالاخوان المشاركة فى نفس اللعبة ولا شاغل لهم غير سب عبد الناصـر والثورة .. وهل سيظل التجمع يلعن العمل ، والعمل كالأمل مغلق دون ذنب أو جريرة .. وهل سيظل الوطنى ـ بفساده ـ كاتمًا على أنفاسنا إلى الأبد ، وهل ـ وهذا مجرد افتراض ـ لو وصل أى من هذه الأحزاب إلى السلطة هل يستطيع أن يحكم فى هذا المناخ المتصدع وهذا الشتات المتفرق ؟!!!

لماذا ينقض كل منا غزل الآخر .. ويهدم بنيان الجار ؟!!

لماذا نشكك الناس فى كل شئ إلى أن أفقدناهم الثقة فى كل شئ ؟!!

لماذا خلطنا الخبيث بالطيب ورفعنا النقط من فوق الحروف ؟!!

كيف لا نغفر خطايانا ونتوحد أمام الخطر ؟!!

ماذا لو اجتمع الجميع وتغافل كل غافل عن الزعامة ؟!!

ماذا لو اتحد الفرقاء وانضم إليهم الشرفاء وطالبوا الحزب الجاثم على صدورنا بأن يرحل بعلله وأمراضه وفضائحه ؟!!

إن الأحزاب المصـرية اليوم تجسد مآسى الوطن العربى ـ من حيث الفرقة والحدود المصطنعة ورفض التقارب والاندماج .

ومثلما تستفيد أمريكا من الوضع الحالى للوطن العربى يستفيد الحزب الوطنى والحكومة بنفس القدر من ضَعف وتفكك وفرقة الأحزاب الأخرى !!

أمامنا فى مصـر أخطار وأهوال لا حدود لها ، وأمام مصـر والوطن العربى هجمة صليبية عاتية أعد لها جيدًا ، ولا يوجد لدينا قادة أو علماء دين يشحذوا الهمم ويشدوا الرباط ويعلنوا الجهاد ، وليس لدينا قادة وقد أدمن أكثرهم الرقاد ولن يتغيروا لو ظلوا فى الحكم ألف عام ..

لقد حولوا أعيادنا إلى أحزان .. وطمسوا أمجادنا بالبهتان .. وما حديث مبارك الأخير إلا مثال لذلك ، وما حديث الشيخ حمد بن عيسى ملك البحرين إلا تجسيد للهوان العربى ، وعلى لسانه نشرت الأهرام فى 4/10/2002 "علينا ألا نخدع النفس أو نخدع العراق أو الشعب الفلسطينى فيما يتعلق بالقدرات العربية على مساندتهما" صرح بذلك دون حياء ، ولم يقل لنا ما الذى أوصلنا إلى هذا الحال !!      أليس هو وأمثاله أصحاب الجلالة والفخامة !!

أريد أن يخبرنى أى حاكم عربى عن جدوى الإنفاق العسكرى طالما يقولون أنه لا قبل لنا بأمريكا أو بريطانيا أو أى دولة غاصبة ..

أريد أن يقول لى ما فائدة سلاحنا وماذا فعلنا به فى مواجهة اليهود أشد أعداء الإسلام ..

أريد أن يوضح لى أى حاكم عربى حدود صبره وحدود كرامته التى يشعر بعدها بالإهانة !!

أريد من يقنعنى بمعنى المروءة والشهامة !!

أريد من يفسر لى ترك الفلسطينيين لليهود ، وترك العراق لأمريكا ، وشنق السودان على الصليب .. لن يفيدنا القول بأن قواتنا المسلحة هى فقط للدفاع عن مصـر !!    لأن قواتنا وحدها لا يمكن أن تحمينا مثلما فشل العراق فى حماية نفسه من أمريكا ، ومثلما فشل السودان فى مواجهة الغرب ، ومثلما فشل اليمن فى مواجهة اريتريا .. ومثلما فشل المغرب فى مواجهة أسبانيا ... وهل إذا حاولت أمريكا فى يوم من الأيام التحرش بنا ـ هل سنستطيع التصدى لها أم سنعلن الاستسلام الغير مشروط !!     للأسف إن الحقيقة المؤكدة فى هذا الزمان تقول ان قواتنا المسلحة ليست لنا ولا للإسلام ولا للعرب ولكنها موجهة ضد الشعوب بعد استنفاذ الأسلحة التقليدية ـ فيما يشبه استخدام أسلحة الدمار الشامل عند انفلات الأمور !!

من أجل كل هذا وأكثر أقول لابد من أن ننسى عبد الناصـر والسادات ومبارك ونتذكر مصـر لأن مصـر هى خيط العقد الذى تتجمع حوله كل حبات الشرق .. مصـر هى أرض الكنانة وفيها خير أجناد الأرض ..

مصـر هى المستهدفة من ضرب العراق .. وهى المقصودة من تقطيع السودان .. وهى المطلوبة لتصلب فى الميدان .. إنها القلب الذى لن يصلوا إليه إلا بعد تقطيع الأطراف .

متى تدرك أحزابنا ذلك وينزل كل زعيم من برجه العاجى ويكسر تلك الاسطوانة المشروخة التى يتمسك بها حزبه وبها يُزيد ويُعيد فيما لا يفيد .. متى نتوحد كشعب لا يسب بعضه البعض .. متى يفهم السادة زعماء الأحزاب أن الخراب قادم على أيديهم بقدر ما هو قادم على أيدى الحكومة لأنهم فى مجملهم خانوا الأمانة ولكن بدرجات متفاوتة ، ومنهم من خانها عن عمد ، ومنهم من خانها دون قصد ؟!!

متى يدرك كل راكب ومركوب أن الهلاك سيكون مصيرنا جميعًا وأن السفينة قد أوشكت على الغرق ؟!!

إن كانت الأحزاب مقيدة ومغيبة بفعل فاعل ، وإن كانت الدولة تحول ما بينها وبين التأثير فى الشعب فلا أقل من أن يتحد الجميع ويدعو كل رئيس حزب أعضاء حزبه وإعلان بيان مشترك ينادى بالعصيان المدنى ترفعه كل أيادى الشرفاء مع كل رؤساء الأحزاب ، ولينزل الجميع إلى الشارع ولنرى ماذا ستفعل الحكومة فى الشعب بكل طوائفه .

إن الأنظمة الحاكمة اليوم وبوضعها الحالى ومواقفها المخزية لا تمثل لنا إلا "قوات احتلال" غير بها الاستعمار جلده وطور من خلالها أسلوبه وفكره .

يقول الزعيم "نهرو" : ( أيها السادة .. أنتم تثيرون فزعى إلى درجة الموت .. إنكم تثيرون فزعى لأنكم لا ترون ما هو أبعد من مواقع أقدامكم .. تشغلون أنفسكم بالماضى الذى كان وتنسون اللحظة القادمة !!     إن مستعمريكم السابقين رتبوا أنفسهم قبل أن يوافقوا على الاستقلال وأقاموا أوضاعًا جديدة تستبدل أعلامهم القديمة بأعلامكم الجديدة ... ) .

على الأحزاب أن تتصدى للخطر القادم .. عليها انتشال مصـر من الأوحال واعادتها إلى موقع القيادة والريادة .

إن الحكام لن يتصدوا أبدًا فى يوم من الأيام لأسيادهم وأولياء نعمتهم .. وفى نفس الوقت يمنعوننا من فعل ذلك ... إنهم لن يجاهدوا ولن يسمحوا لنا بالجهاد ... إنهم كالبخيل الذى يبخل ويأمر الناس بالبخل ، وكالقواد الذى لا يرضى بأقل من فرض الشذوذ والبغاء على الجميع ... إنهم شئ كريه أتى على كل شئ من القواعد .. أتى على الإيمان وأفسده .. وأتى على الولاء وشوهه .. وأتى على المروءة وغيبها .... ولا يفعلون ذلك من أجل هدف ، ولو كان لهم هدف لوصلوا رغم ضلالهم لدرجة من درجات التكنولوجيا والتقدم العلمى مثل دول النمور الأسيوية ـ أو امتلكوا أسلحة ذرية يحمون بها البلاد من تهديد الأعداء ( مثلما فعلت الهند وباكستان ) لكنهم لا يفعلون حتى الخطأ من أجل هدف ، ولا ينشرون الرذيلة من أجل تقدم !!     إنهم كالغراب الذى يخطف من بين أيدينا الصابونة ، وإن سألته لماذا ؟؟     يقول الأذى طبعى !!     وهذا كل ما عندهم .

إنهم فى واد ونحن فى واد .. يفعلون كل منكر ويغيرون كل حقيقة ، وفى الوقت الذى تضربنا فيه أمريكا من كل الجهات وتذيقنا الهوان ألوان يقول أحمد ماهر ـ وزير الخارجية المصرى ـ "المصريون لديهم ميل فطرى لحب الولايات المتحدة الأمريكية" يقول ذلك فى جريدة الأهرام المصرية دون الاحساس بعار الكذب والتضليل

فهل نترك مواسم السباب والتهجم على الأموات ونبش القبور من أجل مصالح الأحياء أم سنظل واقفين على محطة الغباء فى انتظار موكب التغيير الذى لن يمر أبدًا على قوم اختاروا السباب منهاجًا والتشكيك أسلوبًا والتجريح هدفـًا !!

اللهم إهدى قومى فانهم لا يعلمون .