يشكل مشروع قانون محاسبة سوريا الذي سيناقشه
الكونغرس الأميركي خلال هذا الشهر الحالي تجليا واضحا على مدى هيمنة اللوبي
المسيحي اليميني المتطرف المؤيد لاسرائيل لاهوتيا وبالنهاية سياسيا، وهو بلا شك
يعكس مدى الرغبة المؤسساتية الاميركية في جعل العالم مطيعا ولينا وفق ما ترغب
وتريد، فالقانون الذي سيصبح ملزما للإدارة الأميركية في حال أقر ، وهنا تكمن
خطورته، يوصل رسالة الى الأنظمة السياسية القائمة في الشرق الاوسط مفادها ان
الطاعة خير من المعصية وأن ما لا تسطيع الادارة الاميركية ان تقوم به مباشرة
تستطيع ان تحرك أذرعا اخرى للقيام به على القيام بما تريد، والمفارقة ان هذا
القانون ليس الاول من نوعه، ففي نهاية عام 1992 أقر الكونغرس الأميركي قانونا
اقتصاديا يعاقب سوريا بتخفيض الصادرات اليها، غير ان الفرق ان ادارة الرئيس بوش
الأب في تلك الفترة كانت حريصة تماما على علاقة جيدة بسوريا وعلى موقعها المؤثر في
عملية السلام، لا سيما أنها هي التي جعلت مؤتمر مدريد ممكنا كما قال جيمس بيكر
وزير الخارجية الاميركي في تلك الفترة، أما الادارة الحالية فليست على علاقة جيدة
مع حلفائها فكيف الحال مع سوريا. وعلى رغم ان هذه الادارة تعارض المشروع كما يبدو
إلا أنها ستوظفه للضغط السياسي. وهذا يحيلنا الى التفكير في العلاقات السورية
الأميركية التي شهدت شدا وجذبا منذ التأريخ لاستقلال سورية في عام 1946. الى ان
انقطعت العلاقات الديبلوماسية تماما بعد حرب حزيران/يونيو 1967.
لكن، بعد حرب الاول من تشرين الاول/ اكتوبر
1973 وما تلاها من مفاوضات مكوكية قام بها كيسنجر وزير الخارجية الاميركي آنذاك
بين دمشق وتل أبيب استمرت ثلاثا وثلاثين يوما وانتهت بتوقيع اتفاقية فصل القوات في
عام 1974 أشعرت دمشق بأن دور الاتحاد السوفياتي في هذه المنطقة اصبح هامشيا ولا
يتعدى الدعم المعنوي، ولذلك دخلت العلاقات السورية الاميركية مرحلة جديدة مع
استئناف العلاقات الديبلوماسية في عام 1974 ودشنتها زيارة نيكسون الى دمشق في
العام نفسه، لكن هذه العلاقات خضعت للتجاذب فيما بعد الى ان نجحت سوريا في تكريس
دورها الاقليمي في المنطقة.
بعد حرب الخليج الثانية عادت الجولات
المكوكية الديبلوماسية بين واشنطن ودمشق، لكن عرابها هذه المرة لم يكن كيسنجر بل
جيمس بيكر، وكان ان تمت المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام، ولقد حافظت العلاقات
السورية الأميركية بعدها على نوع من التفاهم حول دور كل من الطرفين في المنطقة،
وشهد هذا التفاهم أوجه مع الرئيس كلينتون الذي اجتمع مع الرئيس الأسد لمرتين في
جنيف وأشار الى اعجابه به وبطول صبره في التفاوض خصوصا بعد قمة جنيف التي جمعتهما
في نيسان/ أبريل من عام 2000.
بعد رحيل الرئيس حافظ الأسد واستلام الرئيس
بشار السلطة في سوريا سارعت واشنطن الى تأييده خاصة مع زيارة مادلين اولبرايت
وزيرة الخارجية الاميركية له بعد استلامه السلطة مباشرة. وقد وجدت واشنطن في بشار
الأسد امتدادا لنهج أبيه خصوصا في ما يتعلق برغبته في السلام. لكن التوتر في
العلاقات السورية الاميركية أتى تحديدا بعد 11 ايلول/ سبتمبر وما سبقها من استلام
ادارة أميركية جديدة على رأسها جورج بوش الابن وطاقمه الذي يضمر
<<صقورا>> من امثال بول وولف وتز المؤيد لضرب العراق بشدة وهو يشغل
حاليا منصب نائب وزير الدفاع رامسفيلد الذي لا يقل عنه تشددا، يضاف الى هؤلاء
ريتشارد ارميتاج نائب وزير الخارجية الذي أعلن ان الولايات المتحدة قد تقوم بعمل
عسكري ضد دول مثل سوريا اذا لم تستجب للمطالب الاميركية، وقد أثارت تصريحاته تلك
ردود فعل واحتجاجات شديدة اللهجة من قبل الحكومة السورية. وقد استدعت حينها وزارة
الخارجية السفير الاميركي لدى دمشق تيودور قطوف لإبلاغه احتجاجها الشديد على
تصريحات ارميتاج الذي تكررت تصريحاته خصوصا بالنسبة الى حزب الله، ثم أتت بعد ذلك
تصريحات مساعد وزير الخارجية بولتون الذي اضاف سوريا ضمن دول <<محور
الشر>> عندما تحدث في احدى محاضراته عن ما وراء <<محور الشر>>،
لكن الأهم من ذلك كله يأتي قرار الكونغرس الاميركي الذي قضى بعدم اعطاء الرعايا
السوريين تأشيرات دخول الى الولايات المتحدة مع عدد من الدول، كانت سوريا الوحيدة
من بينهم التي تقيم علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة ثم اعقبه مشروع القانون
الحالي المطروح على الكونغرس الآن. هذه الاجواء المحمومة التي اعقبت 11 ايلول
ادخلت العلاقات السورية الاميركية في مرحلة من التوتر لم تمر بها من قبل، ويكفي ان
نلحظ ان الحوار السوري الاميركي الذي رعاه جيرجان السفير الاميركي السابق كان
حوارا غير رسمي، وأن الادارة الاميركية بدأت تنأى عن دمشق، حتى ان الرئيس بوش لم يأت
في خطابه على ذكر مرتفعات الجولان السورية المحتلة بل طالبها بعدد من الشروط من
دون ذكر لحفظ مصالحها الحيوية.
كل ذلك ساهم في توتر العلاقات التي كانت توصف
دائما بأنها علاقات الممكن، إذ لا تبدو سوريا راغبة في الدخول الى حوار مع
الولايات المتحدة لا تعرف أين ينتهي بها ولا الولايات المتحدة قادرة على الاقتناع
بأنها تستطيع تغيير الموقف السوري او تليينه، لذلك اقتصرت الاتصالات السورية
الاميركية على مستوى محدود جدا عبر المكالمات الهاتفية او الزيارات القصيرة غير
المخطط لها. ولم تدخل سوريا مع الولايات المتحدة في مفاوضات من اجل حثها على
الدخول في الحلف الذي كانت ترغب واشنطن في تشكيله من اجل القضاء على الارهاب. علما
بأن سوريا ترفض باستمرار توصيف حزب الله او اي من المنظمات الفلسطينية على انها
منظمات ارهابية.
وإذا خطونا الى أبعد من ذلك لوجدنا ان
العلاقات السورية الاميركية عادت الى اجواء شبيهة بأجواء الحرب الباردة وأن الوصول
الى النقطة الوسط بين الطرفين لا يبدو سهلا.