ذكرى الانتفاضة (3 - 3)
بقلم
: م. علي حتر
hatar_assabeel@yahoo.com
11-
الانتفاضة وموقف القوى المقاومة العربية
أثبتت
الانتفاضة قوة الشعب العربي عندما تتحرك قواه غير الرسمية. وكان للمقاومة
اللبنانية المنتصرة دور كبير في إثبات نفس المفهوم.
وأثبتت هذه
المقاومة الباسلة عروبة المعركة وفشل محاولة أقلمتها وكان لها دور كبير في تعزيز
روح المقاومة والصمود عند الشباب العربي وتأكيد الفهم الواعي لخطورة هذا الكيان
على كل الأمة. لا على الأرض المحتلة وحدها.. ولكن المقاومة اللبنانية كانت هي
الوحيدة التي شاركت في الصراع. فأين الآخرون؟؟
12-
الانتفاضة والإعلام ودور الفضائيات
أثبت
الإعلام العربي فشله الكامل في التعامل مع أحداث الانتفاضة وعدم ارتقائه بحسن نية
أو بسوء نية (وهي المرجحة)، إلى مستوى إعلام المعركة. فما يذاع وينشر في وسائل
الإعلام الرسمية يبعد الناس ويلهيهم عن قضيتهم الرئيسية وكأنها تحدث في عالم آخر.
فالغناء السخيف الداعر والفيديو كليب وبرامج الضحك واللهو ومدح الحكام وإبعاد
الشباب عن قضاياهم المصيرية وتجهيلهم إلخ. كل ذلك خلال أحداث الانتفاضة برهان على
ذلك..
أما
الفضائيات فقد كان لبعضها دور كبير في نقل الحقائق وفضح المؤامرات وتحريك الشارع.
وهو ما لا نستطيع إنكاره عليها رغم وجود بعض التحفظات على بعض ممارساتها.
ومن أخطر
ما فعله الإعلام الرسمي وغير الرسمي هو التعتيم على إنجازات الانتفاضة
الاستراتيجية والتركيز على بعض تفاصيل البطولات، مع محاولة إبراز الخسائر
الفلسطينية بشكل كبير ومحبط.
لماذا يصر
الجميع على ابراز خسائر شعبنا الفلسطيني، واغفال ما يصيب عدونا الصهيوني يوميا من
خسائر في مختلف المجالات وخصوصا المجالات الحيوية.؟!
أما على
جانب العدو، فقد دمرت الانتفاضة الفكرة السائدة عن ديموقراطية هذا الكيان وبرهنت
زيفها من خلال الإعلام، فها هو يمنع الصحفيين من العمل ويكسر «كمراتهم» ويقتل
بعضهم ويمنعهم من الاقتراب من موقع الحدث حتى لا تظهر حقيقة ممارساته للعالم.
13-
الانتفاضة وموقف الشعب العربي الفلسطيني وإنجازات وتضحيات
هذا هو بيت
القصيد، وكل ما عداه يبقى قليل الأهمية أمام صمود أهلنا وصراع البقاء الذي قرروا
أن يخوضوه في الأراضي المحتلة، حتى ولو منفردين..
أثبت شعبنا
أنه لم يعد يؤمن إلا باختيار الصمود والالتصاق بالأرض.- وأنه لم يعد يصدق القيادات
الغربية التي وعدته، وكم وعدته، بتحقيق آماله والعودة إلى الأرض دون نتيجة..
صحيح ان
التضحيات كبيرة، ولكنها كانت قادرة على تحقيق الكثير الذي يجعل تضحياتنا ولأول مرة
بمقابل. وها نحن ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي - الصهيوني نحقق توازنا في عدد
شهدائنا وعدد قتلاهم. فبينما كان الماضي الذي اعتمد على الجيوش العربية ينتج أكثر
من الف شهيد عربي لكل قتيل صهيوني، نجد أنفسنا اليوم مع أقل من شهيدين لكل قتيل
صهيوني، رغم تفوق العدو العسكري..
كما ان من
اهم ما تحقق في هذه الانتفاضة ، مشاركة الفلسطينيين في الاراضي المحتلة عام 1948
فيها وانضمامهم الى الثورة بشكل فعال، ومشاركتهم في العمليات الاستشهادية
البطولية. وعودة العلاقات الاندماجية للنمو، بينهم وبين اهلنا في باقي المناطق.
كذلك من
الظواهر الهامة، الوحدة الوطنية للداخل والخارج في الصراع، وفشل كل الأعداء من عرب
أو صهاينة في تفريق المقاتلين، ومشاركة عرب الخارج بالصراع من خلال محاولة الدخول
إلى الأرض المحتلة وحتى المشاركة بالعمليات الاستشهادية كما فعل البطل سعيد
الحوتري.
ومن
إنجازات الانتفاضة إفشال المفاوضات وتثبيت البعد السياسي والحقوقي للصراع بدل
البعد الأمني، والتصدي للدبابات بالحجر وتحطيمها وهي التي وصفت مثل جيشها بأنها لا
تقهر..
النجاح في
استعمال السلاح بموازاة الحجر واختيار أهداف نوعية، مثل وزارة الدفاع والمعسكرات
والجامعات والأماكن العامة وسط تل أبيب نفسها والوصول إلى داخل المستوطنات..
عودة
الشباب إلى ساحة العمل رغم كل ما بذل من أجل أن ينسوا قضيتهم وأرضهم..
الوقوف ضد
الفساد والفاسدين ومعاقبتهم حتى الإعدام في بعض الحالات.
والصمود
النوعي أمام الحصار الذي يهدف إلى تهجير الشعب من بيته وأرضه. وها هم أهل البلدة
القديمة في الخليل يعيشون تحت حالة منع تجول مستمرة منذ عامين أي منذ بدء
الانتفاضة ، ويعيشون على شوربة التكايا دون خضوع أو استسلام، رغم التعتيم الإعلامي
على حالتهم وتخلي غالبية الأمة عنهم.
ان كل هذه
الانجازات من النوع الذي يهدد كيان العدو، لأن وجوده مبني على انه قادر ان
يتجاوزها جميعا ويوفر لليهود الامن والرخاء واللبن والعسل..
وعندما
نبين الإنجازات، فهذا لا يعني أننا نتجاهل التضحيات والخسائر، فإن عدد الشهداء
كبير، والهدم والفقر والبطالة والحصار وعدد الجرحى والمعوقين جسديا ونفسيا لا يمكن
تجاهله، ولكن خياراتنا محدودة. وكل هذه الخسائر لا تعادل القدرة على الصمود على
الأرض، وعلى تحقيق الإنجازات المذكورة أعلاه، فالاستسلام والهرب كما حصل عام 1948،
لا يمكن إلا أن ينتج خسائر ومآسي أكبر من كل ما يحصل حاليا..
14-
الانتفاضة وسقوط المثقفين ودورالعملاء
من الظواهر
التي تحتاج إلى دراسة معمقة، ظاهرة سقوط المثقفين وشرائهم خلال الانتفاضة ، من قبل
مراكز القوى في السلطة داخل الأرض المحتلة ومن الحكومات العربية خارجها، مثل سري
نسيبة ومحمود درويش وغيرهم، ولا يتسع المجال هنا للحديث عن هذه الظاهرة هنا، ولكن
استمرار الانتفاضة وصمودها حاصر هؤلاء وعزلهم نسبيا عن التأثير في صمود شعبنا.
أما ظاهرة
العملاء الذين تمكنوا من تسليم العدو ومساعدته على قتل القادة والمناضلين، فرغم
وضوح أسبابها ورغم قدرة شعبنا على معاقبتهم، إلا أنها تحتاج فعلا إلى دراسة وتمحيص
لمحاصرتهم والحد من عددهم ومن تأثيرهم.
15-
الانتفاضة وإخراج النهايات من أي حساب
إن أهم ما
نجحت فيه انتفاضة الأقصى الباسلة، هو إخراج النهايات من أية حسابات. فلم يعد أحد
مهما بلغت قوته وهيمنته قادرا على معرفة مصير الكيان الصهيوني. وكل يوم تخرج
الانتفاضة ببرهان جديد على أن هذا العدو لا مكان له على هذه الأرض، وستبقى هذه
الانتفاضة مستمرة لأنها تجاوزت أقسى ما يمكن أن يتعرض له الإنسان من ضغط وقتل
وتنكيل، وأسفل ما يمكن أن يحاك من مؤامرات، وما زالت واقفة تعمل وكأنها بدأت
اليوم..