أمريكا واعادة العالم الى قانون الغاب

 

 

 

بقلم :  منير شفيق

moneer_assabeel@yahoo.com

 

يمكن ان يُركِّز بعد قراءة التقرير الذي قدمه الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش الى الكونغرس في 20/9/2002 تحت اسم «استراتيجية الامن القومي الامريكي»، (34 صفحة) على ثلاث نقاط اساسية او ثلاثة مرتكزات في الاستراتيجية الامريكية الجديدة ، وهي:

 

اولاً: ينطلق الخطاب من التأكيد على ان امريكا تمتلك قوة عسكرية لا تضاهيها قوة ولم يسبق لها مثيل قط. وهي لهذا تتحمل مسؤوليات اقامة نظام عالمي يستند الى تلك القوة. وعملها الا تسمح لأية دولة بان تسعى، او تفكر، بتطوير اسلحتها، بما يضعها في موقع المنافسة. الامر الذي يتطلب ان يطبق مبدأ «الحرب الوقائية» و«الضربة الاستباقية» في وقت مبكر جداً قبل استفحال الامر.

 

هذا يعني ان التقرير يشكل رسالة الى كل من روسيا والصين واوروبا قبل ان يشكلها ضد الدول التي ما زالت تحبو لامتلاك بعض القوة فوق التقليدية. فروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا تمتلك قوة عسكرية فوق تقليدية كبرى، وهي وحدها، منفردة، من يستطيع ان يكون منافساً او عدواً محتملاً يمتلك قوة قد تتطور لتصبح رادعة كفاية ان لم تصل درجة الموازاة او المساواة. وهنا تبرز الصين، بصورة خاصة، وذلك بسبب امكاناتها البشرية والمادية وسرعة وتيرة تطويرها، متراوحاً بين 10-16% سنوياً. اقتصادياً وعسكرياً. ولعلها كانت اول من تلقى الرسالة. وكانت منذ تولي جورج دبليو بوش الرئاسة الامريكية قد سمعت بتقارير استراتيجية قدمت للرئيس، اعتبرها العدو رقم (1) في مستقبل قريب.

 

وبكلمة ان هذه النقطة في الخطاب وضعت امريكا في ما يشبه «حالة حرب» مع الدول الكبرى الاخرى. وهذا يفسر لماذا توسعت المعارضة الدولية للعدوان العسكري الذي يعد له ضد العراق.

 

ثانياً: حمل الخطاب تصميماً على مواصلة الاعداد للحرب ضد العراق والسعي من خلال القوة، المباشرة وغير المباشرة، لتغيير الانظمة والمجتمعات في العالم الاسلامي، وفقاً للشروط الامريكية - الصهيونية، بما يعني الحرب الشاملة التي تبدأ بالحرب العسكرية والاحتلال العسكري لتنتقل الى حرب سياسية - ثقافية - اجتماعية وصولاً الى احداث تغييرات اساسية في الوجود والهوية والمفاهيم، واساساً ،العلاقة بالاسلام نفسه. وهذا هو الشرط لحل القضية الفلسطينية وفقاً لشروط الدولة الامريكية، كما التمكين لها في الهيمنة على البلاد العربية والاسلامية.

 

طبعاً هذا لا يعني ان بمقدور الادارة الامريكية النجاح في ذلك لانها ستواجه مقاومة شعبية عربية واسلامية شاملة لا قبل لها عليها، عندما تصبح هي في المواجهة المباشرة ما دامت ستحتل وتقيم انظمة عميلة مصهينة حتى بلا اصباغ.

 

ثالثاً: اتجه الخطاب الى الغاء كل ما له علاقة بالقانون الدولي وذلك عندما اعتبر ان من حق امريكا انطلاقاً من قوتها العسكرية السافرة، ان تحدد نوع النظام العالمي القادم، وان تتدخل في «تغيير الانظمة» وان تمارس مبدأ «الحرب الوقائية» و«الضربة الاستباقية». ذلك لان الاساس الاول للقانون الدولي هو احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وفي المقدمة التدخل العسكري والذي يعتبر وفقاً لميثاق هيئة الأمم حالة من حالات «جرائم الحرب». وقدم الجنرالات الألمان لمحكمة نورمبرغ تحت تهمة ارتكاب جرائم حرب بسبب ممارستهم لمبدأ «الحرب الوقائية». وعدم احترام سيادة الدول واجتياحها واحتلالها بالقوة العسكرية.

 

وباختصار التقرير المذكور ألغى في الاستراتيجية الامريكية وجود القانون الدولي من اساسه ليحول العالم الى قانون الغاب. ومن ثم لكي يسرع بامريكا الى العزلة والهوة والفشل.