لماذا يحصل؟ وما المغزي التاريخيّ لما يحصل
بقلم :سهل الاتاسي
لا أدري كم هو عدد الذين يدركون النهاية
الحقيقية لأبعاد ما نشهده فيما يتعلّق بالعراق ولكنّني علي يقين بأنّهم قلّة قليلة
ولا أقصد بأنّ الباقين لا يدركون ما يحدث ولكنّني أقصد إدراكها بأبشع صورها والتي
سأحاول إظهارها مجسّمة بقدر ما أستطيع. وقبل أن أبدأ أريد أن أستبق السطور لأقول
لمن لا زالوا يعيشون في إسترخاء أن هده النهاية البشعة هي المشهد الأخير من الفصل
الأخير من المأساة العربية ألا وهي زوال الأمة العربية وإختفاؤها نهائيّاً كأمة.
نعم إنّنا نعيش الآن هذا المشهد.
إذا كانت قضيّة فلسطين هي المحور الذي كان
يدور حوله ليل و نهار الأمة العربية في الخمسين سنة الأخيرة فهي ليست كذلك اليوم
في أوائل شهر تشرين الأول من عام 2002 علي عكس ما يظن الكثيرون. ربّما يكون سرد
مثلٍ بسيط يساعد علي توضيح الفكرة. هناك مريضٌ شديد المرض وضعه أهله في إحدي
السيارات وركبوا في عدة سياراتٍ أخري وأسرع الموكب إلي المستشفي لمعالجة المريض
وفي الطريق تعطّلت إحدي السيارات فهجروها وركبوا في السيارات الباقية وبعد قليل
تعطلت أخري فركبوا فيما تبقّي من السيارات ثمّ تعطلت أخري وهكذا في النهاية بقيت
سيارة واحدة لتوصل المريض إلي المستشفي وإذا بها تتعطّل وتقف. السؤال الآن ما هو
المأزق والقضيّة الحاسمة التي تواجه هؤلاء الناس ؟ هل معالجة المريض أم إصلاح
السيارة ؟ إنّ معالجة المريض غير واردة علي الإطلاق لأنّه يجب أن يصل إلي المستشفي
أولا فإذن القضيّة الحاسمة والتي هي مسألة حياة أو موت هي إصلاح السيارة. إن كان
لا سبيل لإصلاح السيارة إن هي ماتت فذلك معناه موت المريض وإن أُصلحت فهناك أملٌ
في شفاء المريض. والمريض هنا هو فلسطين والسيارة هي العراق.
لفهم هذا لا بدّ من نبذة تاريخيّة سريعة لفهم
الخلفيّة وأسباب كلّ ما يحدث الآن.
بدأ الشعور القومي بالذات لدي العرب في الربع
الأخير من القرن التاسع عشر وتطوّرت هذه الحركة من الجمعيّات السريّة وبعض
النشاطات العلنيّة إلي إعلان الثورة علي العثمانيّين والإشتراك بالعمليّات
العسكريّة إلي جانب البريطانيين في الحرب العالمية الأولي بعد أن كال الأخيرون
الوعود للعرب ممثلين بالشريف حسين بالحصول علي الإستقلال التّام وتشكيل دولتهم
المستقلّة التي تضمّ بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية بترتيباتٍ معيّنة مع بعض
الإستثناءات في غرب سورية وبالتحديد فيما هو الآن لبنان. ولكن بإنتهاء الحرب
وبدلاً من الفرحة والبهجة بتحقيق هذه الوعود فُجع العرب بالغدر البريطاني الذي
تمثّل في إصدار وعد بلفور في إقامة وطنٍ قومي لليهود في فلسطين وإتفاق سايكس ـ
بيكو مع فرنسا الذي تمخّض عن تقسيم بلاد الشّام ووضعها تحت الإنتدابين البريطاني
والفرنسي وكذلك العراق. وتمخّض وعد بلفور عن فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهوديّة
الذي إنتهي إلي إنشاء الكيان الصهيونيّ المسمّي إسرائيل. وإنتهي الإنتداب إلي تأ
سيس كياناتٍ عربيّة وهي القائمة الآن. شكّلت الفجيعة في التقسيم وإقامة الكيان
الصهيّوني جرحاً عميقاً في الوجدان العربيّ خاصّة في سورية والعراق وأدّي إلي نشوء
الفكر القوميّ الحديث في العشرينات من القرن الماضي علي يد ساطع الحصري وغيره
وإنتهي هذا إلي حركة سياسيّة تمثّلت في تأسيس حزب البعث العربي من قبل ميشيل عفلق
وصلاح البيطار. وهكذا بدأت الفترة الحديثة المعاصرة من التاريخ العربي متمركزة حول
فكرة الوحدة العربيّة وإزالة الكيان الصهيوني من فلسطين. وهكذا تعلّقت أذهان
وضمائر أجيال العشرينات والثلاثينات والأربعينات بالوحدة والتحرير وتجمّعت النخبة
المتعلّمة المخلصة المفعمة بالوطنيّة والقوميّة في حزب البعث وصار هدفا التحرير
والوحدة هاجسهم اليومي السياسي ممّا دفعهم إلي إرتكاب كثيرٍ من الأخطاء تمثّلت في
الإنقلابات وما تبعها.
كان صدّام حسين رجلاً من هذه الأجيال التي
نشأت وتربّت علي الوحدة والتحرير وبلغ من التعلّق والتشبّث بهما حدّ المجازفة
بحياته فقد إشترك في محاولة إغتيال عبد الكريم قاسم عندما جنح هذا بعيداً عن
التيّار القومي الذي كان في ذروته فبدلاً من الإنضمام إلي الوحدة التي كانت قائمة
آنذاك كما كان مؤمّلاً راح عبد الكريم قاسم يحاربها بكلِ ما يملك وإنتهت المحاولة
إلي الفشل وأصبح صدّام حسين طريداً.
ودارت الأيّام ووصل صدّام حسين إلي السلطة في
عام 1968. أدرك صدّام حسين أنّ الطريق إلي تحقيق أحلام الوحدة والتحرير تكمن في
إمتلاك القوّة والأسس العلميّة التي تولّد القوّة. وهنا أريد أن نتذكّر هذه النقطة
جيّداً لأنّها ستكون المفصل الهامّ وصلة الوصل في الموضوع بعد إتمام السرد
التاريخيّ.
جسّم عبد الناصر الحركة القوميّة الحديثة
بفضل حزب البعث الذي سلّمه سورية ليجسّم حلم الوحدة ولكن برهنت الأحداث فيما بعد
أن تلك الخطوة كانت خطأً فادحاً لأنّ عبد الناصر الذي خٌيّل للناس أنّه ذلك الأمل
كان هو السبب في الكارثة التي نعيشها الآن. ذلك أنه برهن أنّه كان يعبد ذاته إلي
درجة الكارثة. فعندما مات لم يترك خلفه الا المنافقين والمصفّقين ولم يكن هناك من
يخلفه الا مجنون هدم ما تخيّل الناس أن عبد الناصر قد بناه في ثماني عشرة سنة في
ساعاتٍ فقط. وعكس التاريخ مئة وثمانين درجة.
الفعلة التي فعلها السادات فتحت الباب لما
كان يسمّي بالرجعيّة العربية التي دفنت عبد الناصر وبقيت علي قيد الحياة لأن تسلك
مسلكه وهكذا حقّق الكيان الصهيونيّ أول أهدافه بأن حصل علي شهادة الشرعيّة من كل
الدول العربيّة ما عدا العراق. جاء عام 1990 وحصل الزلزال الكونيّ وإختفي الإتحاد
السوفياتي وأسفرت الولايات المتحدة عن أنّها مترنيخ القرن العشرين. مترنيخ لا يريد
السيطرة علي العالم كما يتوهّم بعض الناس لأنّه مسيطرٌ علي العالم بالأصل حتّي
عندما كان الإتحاد السوفييتي في أوج قوتّه بفضل الأمركة وجاذبيّة محتوياتها التي
يهرع نحوها العالم كلّه ولكنّه يريد القضاء علي بعض النقاط المتبقيّة في العالم
التي تقاوم هذا التيّار وبالتالي تشكّل عقباتٍ في طريق إتمام السيطرة. هذه النقاط
أو العقبات تتمثّل في أحد شكلين: قوميّ أومذهبيّ. يوغسلافيا تقع في الفئة الثانية
وتقع في أوروبا فتمّ تفتيتها. كوبا من الفئة الثانية ولكن ليس لها بعدٌ إستراتيجيّ
فتمّ تجميدها وكذلك كوريا الشمالية. بقيت أهمّ وأخطر نقطة من العقبات وهي العراق.
خطر هذه النقطة لا يأتي من كونها عقبة في طريق الأمركة وإنّما لكون الأمركة هنا
تعني الخضوع للصهيّونية والسير علي خطي العملاء العرب. ما الذي جعل العراق يٌصنّف
عقبة في طريق إتمام السيطرة الأمريكية الصهيونيّة ؟ إنّه وجود الرجل من جيل
الثلاثينات المتمسّك بقوميّته، صدّام حسين، والذي لا يمكن صهره في بوتقة الأمركة.
وأخطر ما في هذه النقطة العقبة، العراق هو النقطة التي طلبت من القرّاء الكرام قبل
قليل تذكّرها وهي أنّ هذا الرجل تجاوز الخطوط الحمراء وأسّس مراكز أبحاث وبني طبقة
من المهندسين القادرين علي البحث والتطوير أي الإعتماد علي النفس. ولا أدري إذا
كان معظم القرّاء الكرام قد إطّلعوا علي نصّ الفقرة في الإقتراح الجديد الذي
ستقدّمه أميركا إلي مجلس الأمن والتي تنصّ علي حقّ المفتّشين في أخذ أيّ شخص مع
عائلته إلي خارج العراق لإستجوابه وبعبارة أوضح وأصرح للتخلّص منه. وهذا هو الهدف
الحقيقيّ ممّا يسمّي بالتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل إذ أنّه عاجلاً أم آجلاً
فإنّ الحصار سيرفع وإذا لم يتمّ التخلّص من هؤلاء فإنّ العراق سيعيد بناء قوته من
جديد وبالتالي مطاردة حلم الوحدة والتحرير وإقتلاع الكيان الصهيونيّ.
التشبّث بالمذاهب تعيق الأمركة ويجب إقتلاعها
وبقاء بقعة فيها أحلامٌ قومية يجب إقتلاعها أمّا إذا كانت هذه الأحلام تشكّل خطراً
علي الصهيونيّة فلا يجب إقتلاعها فقط وإنّما إقتلاعها وحرق الأرض والسماء التي
تحتويها.
أمّا ما هو مغزي تدمير العراق أو بعبارة أصحّ
إقتلاع صدّام حسين فهو التالي:
أولٌ إنجازٍ سيتم هو رفع العلم اليهوديّ
خفّاقاّ في سماء بغداد وبذلك يحصل الكيان الصهيوني علي ثمانٍ وتسعين بالمائة من
شهادة الشرعيّة العربية ولا يبقي غير سورية التي لن تصمد أكثر من أشهرٍ معدودة
وبعدها يرتفع نفس العلم في سماء دمشق وماذا يعني إعتراف العرب بالكيان ؟ إنّه يعني
التالي :
إنّ هذا الكيان قد قام بالأساس علي ما أسماه
الغرب ويسمّيه علاقات اليهود التاريخية بفلسطين وبغضّ النظر عن مناقشة هذا
العلاقات التي لا أساس لها والتي ليس هنا موضعها فإنّ هذه العلاقات تعني إتخاذ
النصف الأولّ من القرن العشرين رأس الجسر والقفز 2000 سنة إلي الوراء لبناء جسرٍ
يصل الحاضر بالماضي وبكلماتٍ أخري إلغاء ألفي عامٍ من التاريخ منها أكثر بقليل من
500 عامٍ من التاريخ الرومانيّ البيزنطيّ و1500 عامً من التاريخ العربي.