من كابول الي بغداد:

مطلوب رؤساء بمواصفات الهامبورغر الامريكي!

 

بقلم : حسن عبد الوهاب

 

كان المستشار الالماني بسمارك يجمع الي صرامة الانضباط العسكري العبارة الساخرة ومن ذلك قوله:

اكثر ما يكون الكذب بعد الصيد واثناء الحرب وقبل الانتخابات وصادف ان تقابلت هذه العبارة مع احداث في عالم اليوم فكأنما جاءت وصفا لها. لقد احدثت تصريحات المستشار شرودر قبل الانتخابات شرخا واسعا في العلاقات الالمانية ـ الامريكية. وظن المحللون السياسيون ان ذلك هياجا موسميا لكسب اصوات الناخبين. ولكن المستشار ظل علي كلمته عقب الفوز مما يؤكد ان رفض المشاركة في حرب ضد العراق هو رأي عام نافذ اكثر مما هو تكتيك انتخابي. ان المليارات التي ستنفق علي تدمير الشعب العراقي اولي ان تستثمر في اعادة البناء الداخلي خاصة بعد الدمار الواسع الذي احدثه فيضان هذا العام. لقد انفقت المانيا 25 مليار دولار في حرب الخليج الاولي.

وفي الجانب الاخر من الاطلسي يواجه الرئيس بوش انتخابات وشيكة ولا يحتاج الي اضافة اكاذيب جديدة لتعزيز حملته ضد العراق. فقد اعتمد الكذب كواقع مسلم به في الدوائر الامريكية العليا وطالعنا مصطلحات عقب انهيار الاتحاد السوفييتي مثل الغموض البناء Constructive Ambiguity . وهذه هي المرة الاولي التي يجتمع فيها الغموض مع البناء والمقصود بالطبع هو تليين عبارات الكذب الرسمي واكسابها بعدا فلسفيا ومبررا اخلاقيا.

ان لكنة معارك الكلام الحالية التي يؤججها الرئيس بوش وحليفه رئيس الوزراء البريطاني لا تقف عند حد التشنيع السياسي بالخصم ولكنها تفيض فوق ذلك باوصاف مشخصنة تجعل من الرئيس العراقي الذي يجردونه في العادة من لقبه الرئاسي النموذج الادمي الذي يجسد شر الكون كله.. ما علمنا منه وما لم نعلم... وكان هنا الهاجس الشيطاني الذي صادر منام هؤلاء الساسة حتي وقت قريب حكرا علي اسامة بن لادن. ان صحائف التاريخ تؤكد ان مثل هذا الغلو ارث قديم ذكرنا ما يقوله بلير بتصريحات رئيس الوزراء البريطاني السابق اثناء العدوان الثلاثي علي قناة السويس عام 1956. فقد كان انتوني ايدن يشبه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بهتلر. ولقد انتهت حرب السويس بتغييرات استراتيجية اساسية لم تقف فقط عند اقصاء ايدن بل الي ضمور الدور البريطاني في المنطقة كلها. ومن المفارقات ان الدور الامريكي علي خلاف ما عليه الحال الان في عهد ايزنهاور لعب دورا سياسيا في انهاء ذلك العدوان ومن ثم بدأ بروز دور الولايات المتحدة علي نحو ما عرف انذاك بسياسة ملء الفراغ وتقليص ساحة التمدد امام الاتحاد السوفييتي حتي لا يتحالف مع دول المنطقة ضد الغرب.

ليس ذلك فحسب بل ان احاديث الرئيس الامريكي وحليفه البريطاني عن الرئيس العراقي تفتقر الي الحد الادني من اللياقة وتبرز تعابير وجهيهما تجهما وانفعالا لا يليق بزعامة تفرض نفسها قسرا علي اقدار العالم كله. العدوان علي العراق لم يتوقف اصلا حتي يبدأ من جديد فما زالت الطائرات البريطانية الامريكية توالي قصفها ويتسع لهيبها المدمر علي المدنيين كلما اتسع رفض العالم للحرب. ان الزعامة المتفردة للقطب الاوحد تؤكد انها لا تعبأ برأي اخر مهما كان وزنه. واذا كانت الرئاسة الامريكية قد عقدت العزم مسبقا علي تدمير العراق فما هي حاجتها الي الكذب؟

ولعل آخر الاكاذيب هو اختلاق السيدة كونداليزا رايس لوجود معسكرات للقاعدة في العراق وتدريب كوادرها فيه. وحتي وقت قريب كانت كل تصريحات المسؤولين الامريكيين تؤكد انه لا توجد علاقة مطلقا بين الاثنين. ومن جانبه اكد الرئيس الامريكي ان الشعب يؤيد خطواته في العدوان القادم علي العراق وينعي علي معارضيه الديمقراطيين الاهتمام بمصالحهم الشخصية وإهمالهم للشعب الأمريكي، وبصرف النظر عن العاصفة التي أحدثها ذلك التصريح فإن بوش يؤسس كل دعاويه تلك علي قوائم اخلاقية بحتة. فالحرب علي العراق هي لتثبيت الحرية في العالم وحماية الديمقراطية وتخليص البشرية من شر الديكتاتوريين والقتلة. وبالطبع فان الشيء الوحيد الذي يصمت عنه هو ذكر الاهداف الحقيقية للحرب، تلك هي التفتيت الجغرافي واحتلال مواقع النفط والمياه ثم الاستلاب العقدي والثقافي.

وحول هذا الادعاء كتب توماس فريدمان مقالا في الهيرالد تربيون 19 سبتمبر 2002 بعنوان الحوار المقلوب حول العراق قال فيه:

لا تصدقوا قياسات الرأي التي تقول ان غالبية الشعب الامريكي تؤيد ضربة عسكرية ضد العراق، انها علي اي حال ليست صحيحة، لقد سافرت في اجزاء عديدة حول الولايات المتحدة واقدم عرضا اذاعيا ترد فيه اسئلة مباشرة حول العراق واستطيع ان اقول ان اغلب الامريكيين تنتابهم الحيرة. انهم في الواقع يتساءلون....

كيف يمكن ان ندخل فجأة في حرب ضد صدام حسين؟

ان الذي يقلقنا هو اسامة بن لادن والارهابيون الذين ما زالوا طلقاء هناك. ان صدام يمكن ردعه ولكن الذين لا نستطيع ردعهم هم اولئك الشباب من العرب المسلمين الذين ضربوا امريكا في 11 سبتمبر والاحياء الذين ينتظرون منهم. انهم ارهابيون يكرهوننا اكثر مما يحبون حياتهم ولذلك يستحيل علينا ردعهم.. ان صدام حسين علي عكس ذلك رجل دنيوي وليس انتحاريا، انه يحب الحياة اكثر من كراهيته لنا وهو في ذلك قابل للردع .

اهمية هذا المقال تأتي لان فريدمان واسع المعرفة بالغرب ولا تخلو كتاباته من ادراك لتطورات الاحداث في الشرق. ان اراءه لا تصل في مجملها الي الخوض في صراع الحضارات ولكنها في ذات الوقت لا تستثنيه. وايا كان الامر فان الدلائل كلها تؤكد ان الحرب علي العراق هي نقطة الانطلاق لاعادة احتلال العالم العربي والاسلامي علي ذات القواعد اسس عليها عبر الرجل الابيض وما نتج عنه من تمدد امبريالي في القرن التاسع عشر. ان اي تقليل من الخطورة البالغة لهذه الحرب التي سيتسع اوارها ليلهب اكثر من ستين بلدا وضعت كلها في قائمة الدول الداعمة لمحور الشر هو تقصير مأساوي عن معرفة ابعادها الحقيقية.

ولتأكيد هذا الرأي انقل هنا ما كتبته ديرشبيغل في مقالها الرئيس بتاريخ 18 فبراير 2002 بعنوان حرب بوش ضد محور الشر حيث قالت:

ان تشيني ورامسفيلد يشكلان القوة الحقيقية في مجلس الامن القومي وهما يريان ان الهجوم الارهابي الذي حدث في 11 سبتمبر اتاح فرصة حقيقية للقيام بثورة محافظة تحقق اهداف الولايات المتحدة باستخدام الوسائل العسكرية .

المسألة اذن هي الهيمنة الامريكية علي المنطقة سياسيا واقتصاديا اما المحافظة فقضية واسعة جدا تبدأ بالتغييرات الثقافية ولا تستثني حتي العقائد الدينية.

وتضيف المجلة..

ان هذه الحرب يجب ان تكون طاحنة لا تقبل بانصاف الحلول وستجري ضد كل البلدان التي لا تعترف الولايات المتحدة بشرعيتها او تراها خطرا علي امنها القومي ولا تستثني في ذلك استخدام الاسلحة النووية .

وشرحت هذه المسألة فرانكفورتر روندشاخ 25 سبتمبر 2002 مذكرة بما قاله الرئيس بوش في حفل تخريج الضباط في ويست بوينت..

الدول التي لا تشارك في الحملة ضد الارهاب يجب ان ترغم علي المشاركة فيها. اما الامم المتحدة فعليها ان تختار اما ان تواصل حربها ضد الارهاب او تقوم امريكا بتحقيق امن العالم علي النحو الذي تراه .

اذن لا علاقة مطلقا لهذه الحرب بكل المبررات الاخلاقية التي يتحدث عنها الداعون لها وليس مهما ان تستمزج هذه الشعوب التي ستدك بالصواريخ والقنابل الحارقة حتي في اخص خصائصها وحقها الازلي المشروع في اختيار قادتها.

اين حقوق الانسان من جرائم شارون اليومية في التقتيل والتدمير والحصار والابادة المبرمجة التي لا يسلم منها الرضع؟ هنا تصمت آلة الحرب الامريكية الاسرائيلية ويكف نباحها وتقف صامتة في مجلس الامن.. وعندما طلب الرئيس بوش من شارون تخفيف الحصار علي الرئيس الفلسطيني لم يفعل ذلك حبا في الخير ولكن ليتفرق لابادة العراقيين ثم يتضافر الحلفاء لابادة الفلسطينيين.

وعلي طريقة فرعون كما روت الآية الكريمة لا اريكم الا ما أري وما اهديكم الا سبيل الرشاد لا تضع الولايات المتحدة ادني اعتبار لقضايا العالم الاخري فهي ضد التوسع في استخدام الاسلحة النووية.. وهو نفس السبب الذي تحاصر به الشعب العراقي وتطالب باقالة رئيسه وضد محكمة العدل المقترحة لمحاكمة مجرمي الحرب وضد اتفاق التنامي الحراري... الخ.

غازي القصيبي السفير السعودي السابق اقيل من منصبه لانه نظم قصيدة في شهيدة!! واين؟ في بريطانيا مهد الديمقراطية ومصبها.. ولم تقم قائمة الذين يحتضنون حرية الرأي والتعبير.. القصيبي مارس حقا مشــــروعا علي مــوجة معاكسة او هو علي نحـو ما يقول المثل الانكليزي He does the right thing the wrong way انه يؤدي الشيء الصحيح باسلوب خاطئ.. ولكن السفير الشاعر خلف وراءه سابقة لليقظة.. واكثر من ذلك افكارا جريئة نقلتها عنه مجلة سبيكتيتور عدد 7 سبتمبر 2002 وهذه مقاطع منها:

من اثار القضية الفلسطينية ان احتلال الضفة الغربية وغزة خلق عند العرب وضعا بالغ القسوة.. انه شبيه بذكريات الحروب الصليبية.. انه اكثر عنفا من كل ما فعله الالمان.

عندما يقتل شارون الاطفال بكل عنفوان الدولة وبطشها وكفاءتها لماذا لا يسمي ذلك ارهابا؟ لقد اباد اطفالا ومدنيين اكثر مما فعلته حماس. ان شارون هو الذي اوجد الانتفاضة انه وحش لماذا لا تتخلصون منه؟

وتسأله المجلة.. الا يشبه صدام هتلر؟ الا يقود نظاما بالغ القسوة؟

يجيب (ضاحكا) لا لا.. هتلر غزا اكثر من 90% من العالم المتحضر ولا يستطيع صدام ذلك ثم ما هي القسوة؟ كم عدد المدنيين الذين ابادهم الامريكان في فيتنام؟ مليون واحد؟ يبدو انكم (في حربكم هذه) بعد ان تجهزوا علي الديكتاتوريين ستذهبون الي البلد الذي يمنع النساء من قيادة السيارات ـ السعودية ـ ثم البلدان التي تسمح بالختان.. ما هذا؟

ما الذي يمكنكم انجازه بغزو العراق؟

انها افكار للتأمل والمداولة... وهذا تعميم موجه لكل من يهتم بمستقبل المنطقة والاجيال التي تتوالي فيها الي ان تطوي الارض.

ولكن ما هو خطأ السفير المقال؟ انه الاصرار علي حرية الرأي والجهر به.. لقد عبر صراحة عن افكاره كما يراها لا كما يراها تحالف بوش وبلير وشارون. فكان ان اقيل من منصبه.

التحالف الانكلوساكسوني يريد ان يفرض علي العالم حكاما واحكاما بمواصفات الهامبيرغر الامريكي ويستخدمون مثل الكيتش اب لفرط ليونتهم عند الطلب وعلي قدر الغرض. حكام من طراز حامد كرازاي الذي تمتد امبراطوريته بعد كل ذلك القصف والتدمير علي جزء من كابول ولانه يحمل الجنسية الامريكية فقد طرد كل الحراس الافغان واستبدلهم بحراس من اليانكس بعيون زرق وشعر اشقر.. وهذا منتهي الاستقلال.

واختتم بآخر نبوءات بسمارك حول الصيد والحرب والانتخابات.. فقد خرج مئات الالاف في مظاهرات داوية تدين الحرب في الغرب وحتي الصيد الذي يدخل ساحته الكذابون لم تهدأ ثائرة المدافعين عن اقتناص الثعالب فيه فخرجوا بألوفهم يتظاهرون دفاعا عن المهنة.. كم عدد الثعالب عندنا التي تحتاج الي القنص؟ ثم.. تري متي تتحرك الجماهير في البلاد العربية والاسلامية المغلوبة علي امرها لتدافع عن مصيرها ومستقبل اوطانها؟