وضع حد لبوش مطلب دولي مشروع وممكن

 

بقلم : د. هشام شرابي

 

(1)

 

بعث برايتين بيرتنباخ، استاذ الادب في جامعة نيويورك (اصلا من جنوب افريقيا حيث قضي 7 سنوات سجينا لمعارضة الابرتايد العنصري) رسالة الي صديق نشرت مؤخرا في مجلة ذي نيشين الامريكية يقول فيها ان الولايات المتحدة التي مزقت الاتفاقات الدولية للحد من تدمير بيئة الكرة الارضية، ووقفت بوجه الغاء انتاج الالغام المضادة للاشخاص، وبوجه منع التعذيب، وبوجه انشاء محكمة العدل الدولية، وعرقلت المساعي لخفض الهوة القاتلة بين الاثرياء والفقراء في العالم، وعرقلت الحلول الاقتصادية لحالات الظلم والحرمان في بلدان كثيرة من العالم النامي هي اليوم الدولة المارقة الكبري في العالم .

كان بوسع هذه الدولة العظمي ذات الامكانات الهائلة ان تغير مجري التاريخ بعد 11 ايلول (سبتمبر) اذ انها عمليا الدولة الوحيدة القادرة علي ارساء السلام العالمي وترسيخ نظام الشرعية الدولية وحقوق الانسان وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. لكن امريكا تحت ادارة جورج بوش (الصغير) اختارت السير في الاتجاه المعاكس، في اتجاه الحرب والهيمنة العسكرية والامبراطورية الغازية.

 

(2)

 

ما يحمل الكثيرين علي توقع الأسوأ من هذه الادارة احتقارها الواضح للشرعية الدولية والقانون وتعاليها علي رغبات ومشاعر الدول والشعوب، بما فيها شعبها الاميركي، وهي اليوم تصر علي استعمال ارهابها التكنولوجي لسحق العراق.

لكن بوش يواجه معارضة متزايدة لسياسته داخل الكونغرس وفي بعض وسائل الاعلام وفي قطاعات مختلفة علي الصعيد السياسي والشعبي. مثلا بربارة تي، العضوة الوحيدة في مجلس النواب، التي صوتت ضد قانون الارهاب الذي قدمه بوش، تعرضت لنقد عنيف من قبل زملائها ووسائل الاعلام، وبدا وكأن حياتها السياسية قد انتهت. لكنها عندما عادت الي منطقتها الانتخابية أستقبلت استقبال الابطال لموقفها الشجاع، وحازت في انتخابات الترشيح الحزبي معدل 85 بالمئة من الاصوات، كذلك السناتور رس فانغولد المعارض الوحيد في مجلس الشيوخ للقانون نفسه، وللحرب ضد العراق، تعرض لهجمات اليمينيين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لكنه نال اعلي نسبة تأييد من قبل ناخبيه في ولاية وسكنسون وفي الاسابيع الاخيرة، تزايدت التساؤلات حول جدوي الحرب ضد العراق في كافة اطراف المجتمع الامريكي، وارتفعت اصوات عديدة تعارض سياسة بوش ومواقفه ازاء الدول الاوروبية والامم المتحدة. كذلك ارتفعت الاصوات المعارضة علي مستوي المنظمات الشعبية grassroots في ولايات عديدة. مثال علي ذلك، تجربة احدي المنظمات التي تنادي بالعمل من اجل السلام في ولاية مين Maine قالت احدي الناشطات العاملات في هذه المنظمة: اتصل بنا ممثلو جماعات مختلفة يقولون: لا نعرف شيئا عن منظمتكم، لكن شعار السلام الذي رفعتموه كان كافيـــا لأن نســــأل انفسنا عما باستطاعتنا فعله معا؟ وهكذا تـــمّ التعاون بين هذه الجماعات المختلفة والمنظمة المذكورة علي محاربة التفرقة ضد المسلمين، وعلي إجراء اتصالات بأعضاء الكونغرس واثارة موضوع الحريات المدنية، وبعد مرور زمن قصير، اصبحت هذه الجماعات كلها في ولاية مين تعمل يداً واحدة في اتجاه موحد.

 

(3)

 

رغم كل هذا فقد حاز بوش علي قرار من الكونغرس الامريكي يمكنه في ظل ظروف محددة، من خوض الحرب ضد العراق.

لكن من المستفيد من حرب ضد العراق؟

بالتأكيد المستفيد ليست الولايات المتحدة، وليست الدول الاوروبية، وليست المجموعة الدولية ككل، بل علي العكس هؤلاء كلهم الخاسرون، المستفيد الاكبر (ولو مؤقتا) هو اسرائيل.

الذين نجحوا حتي الآن هم الصقور الليكوديون والمحافظون اليمينيون الذين دفعوا بوش الي موقف حيال العرب والمسلمين يعكس موقف الاستراتيجية الصهيونية التي وضعها فلاديمير جابوتنسكي، مؤسس حركة بيتار الفاشية في العشرينات من القرن الماضي، وورثها منه مناحيم بيغن، رئيس حزب حيروت العنصري، والتي ينفذها اليوم آرييل شارون وتحالف الليكود والجماعات الصهيونية المتطرفة (في اسرائيل وامريكا) وهي استراتيجية تقوم علي القوة والعنف والتفوق العسكري الاسرائيلي الدائم: هدفها تطهير اسرائيل من سكانها الفلسطينيين واخضاع المشرق العربي لسيطرتها.

 

(4)

 

بالتأكيد ان ما يردده بوش حول ضرب العراق و الارهاب في فلسطين هو ما يخططه له المستشارون الليكوديون في البيت الابيض والصقور اليمينيون حوله. انه بلا شك لا يعرف اين يقع العراق، ولا عهد له بتاريخ الصهيونية ولا يفهم ما هو الاستيطان الصهيوني في فلسطين. تعلم الكلام بمفردات ومصطلحات تلمودية لا يعي معانيها ولم تستعمل من قبل في الخطاب الامريكي الدبلوماسي او السياسي (القائم علي فلسفة التنوير وقيم الليبرالية الانكلوسكسونية). وهو يرفع شعارات الحرب ضد الارهاب ، وضد الدول الشريرة ، وضد العراق. ويعلن انه يريد اعادة رسم خارطة الشرق الاوسط السياسية. هل لديه اي فكرة حول ما هذه الخارطة ومتي وكيف رسمت؟

بالتأكيد انه لا يدري، لكن مستشاريه الصقور وخاصة الليكوديين منهم يعرفون جيدا انها الخريطة التي رسمتها بريطانيا وفرنسا بعد نهاية الحرب العالمية الاولي ومهدت فيها لقيام الدولة الصهيونية، وحددت من خلالها شكل وطبيعة النظام العربي الرسمي الذي يريد بوش الان تغييره.

ومن سيرسم الخارطة الجديدة؟

بالطبع، اميركا واسرائيل، تماما كما فعلت بريطانيا وفرنسا في العشرينات: بسبب بوش اصبحت اسرائيل اليوم دولة كبري بمستوي شريك للولايات المتحدة. الفارق اليوم هو ان هذا الشريك صهيوني، ومنغرس في قلب العالم العربي، ويملك ما تملك امريكا من تكنولوجيات الارهاب الشامل.

يؤكد الصقور الليكوديون لبوش بأن الحرب ضد العراق ستكون حربا قصيرة وحاسمة وغير مكلفة، وان تكاليفها سيتم تسديدها من مبيعات النفط العراقي، كما قال احد مستشاري بوش (يقدر الاخصائيون تكاليف الحرب بين 40 و200 مليار دولار). ويؤكدون ايضا ان التكاليف في الارواح ستكون طفيفة جدا في صفوف الامريكيين و(الاسرائيليين)، وتكاليف الطرف آلاخر مقبولة دوليا اذا لم تتعد المقبول لدي الرأي العام الغربي الرسمي والعام. هذه هي الصيغة نفسها التي استعملها شارون في حساباته في تقرير عدد الفلسطينيين الذين يتم قتلهم يوميا، بيحث لا يزيد عما يتحمّل الرأي العام المتمدن .

بالاضافة الي ذلك يؤكد الصقور الليكوديون ان النخب العربية الحاكمة في المنطقة لن تقف بوجه السياسة الامريكية، بل ستهرع لمساندة الولايات المتحدة والتعاون معها، كما تعاونت النخب المهيمنة في الحرب العالمية الاولي مع بريطانيا وفرنسا، لتأمين مصالحها والحفاظ علي مراكزها، مما يجعل مهمة تغيير الوضع القائم في المنطقة، واقامة انظمة جديدة امرا سهلا، رغم بعض الصعوبات التي يمكن التغلب عليها كما حصل في سورية والعراق وفلسطين في العشرينات من القرن الماضي.

 

(5)

 

ماذا يُعدّ النظام العربي الرسمي لمجابهـــة الهجمة الامريكية الاسرائيلية القادمة ونتائجهــــــا المتوقعة؟

الجواب الموجز والمفيد هو الذي قدمه الاستاذ حمدين صباحي اول امس علي قناة الجزيرة: النظام العربي مفلس، لا ارادة مستقلــة لـــــه، اختار الراحة والسلامة، ولا يمكن الاعتماد عليه بشيء .

في حسابات اسرائيل و(امريكا) المُعطي الرئيسي هو افلاس النخب الحاكمة وتخاذلها الكامل. من هنا يقول المخططون العسكريون ان نتيجة الحرب المقبلة، ولا شك، في نتائجها.

لكن السؤال لو حققت الضربة الامريكية اهدافها العسكرية فهل يشكل ذلك نتيجة نهائية للحرب؟

ان الدرس الذي لقنتنا اياه تجارب حروب التحرير في القرن العشرين يقول عكس ذلك. تقول كل هذه التجارب ان التفوق العسكري في حروب التحرير لا يحقق الانتصار حتي ولو حقق التغلب العسكري. ان انتفاضات الشعوب اذا صمدت واستمرت هي التي تحقق الانتصار الاخير. هذا ما تتناساه او لا تود ان تراه حسابات الليكوديين والادارة الامريكية التي وقعت في شراكهم.

 

(6)

 

بالطبع، لا يمكن التنبؤ بالمستقبل، لكن ما نتوقع حدوثه كثيرا ما يأتي علي عكس ما توقعناه.

ماذا لو انفجرت الانتفاضة في عواصم ومدن العالم العربي علي نمط الانتفاضة الفلسطينية؟ ماذا لو خرجت مع جماهير الرجال والشباب، جماهير النساء، كما حدث في الانتفاضة الاولي في فلسطين، وكما حصل منذ ايام في يوم الاحتفال ببداية السنة الثالثة لانتفاضة الاقصي فتحولت المظاهرات الي انتفاضة؟

في الايام الاولي والاسابيع الاولي من الانتفاضة الاولي، التي غيرت فيها الانتفاضة الواقع الفلسطيني تغييرا جذريا، فعاد المجتمع الفلسطيني الي ذاته الحية الفاعلة، واصبح قادرا بين ليلة وضحاها علي اعادة تنظيم علاقاته ذاتيا، علي مستوي المدن والقري، وتشكيل اللجان المحلية، واقامة التحالفات الاقليمية وشبكات التعاون لتنفيذ المشاريع الجماعية الي الخروج من التبعية للاقتصاد الاسرائيلي. وبالفعل كان تحدي الشعب الفلسطيني، بكل فئاته، لا مثيل له في تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي. خلال هذه الفترة الوجيزة تحول المجتمع الفلسطيني الي مجتمع حر متساو قادر علي الوقوف بوجه العدو المحتل بثقة لم يشهد مثلها المشروع الصهيوني منذ نشأته، الامر الذي ادي باسحاق رابين وبعدد من قادة حزب العمل الي القناعة بان حل القضية الفلسطينية لن يتم بالقمع والوسائل العسكرية بل عن طريق الاعتراف بالفلسطينيين وبحقوقهم المشروعة.

هكذا فان تجربة الانتفاضة الفلسطينية تقدم النموذج الحي لما يمكن للشعوب العربية ان تحققه اذا انتفضت. لكن اهم ما تقدمه هذه التجربة هو ان العامل الحاسم في اطلاق الانتفاضة وتعبئة الجماهير واحياء قوي المجتمع العربي بكل فئاته هي المرأة. من هنا نقول، ان مفتاح انتفاضة الشارع العربي القادمة هي المرأة العربية.